Menu
حضارة

تركيا الأخرى ومغامرات أردوغان

د. محمد السعيد إدريس


الأمر المؤكد أن تركيا ليست رجب طيب أردوغان، فالواضح الجلى أن الرجل وحزبه "العدالة والتنمية" اختطفا تركيا لصالح مشروع سياسى فاشل يتزعمه هذا الرئيس بعد أن نجح فى تصفية الحزب من كل قياداته التاريخيين المؤسسين خاصة الرئيس السابق عبد الله جُلّ رفيق أردوغان فى تأسيس حزب "العدالة والتنمية" وعلى باباجان العقل الاقتصادى ووزير الاقتصاد الأسبق وأحمد داوود أوغلو المفكر الإستراتيجى الذى عمل وزيراً للخارجية ثم رئيساً للحكومة. هؤلاء الذين لم يعد فى استطاعتهم التأقلم مع النزوات الجنونية لهذا الرئيس منهم من قرر تأسيس حزب بديل ومنهم من قرر أن يتصدى مباشرة للمخاطر التى يورط أردوغان تركيا فيها، ناهيك عن أحزاب المعارضة وخاصة الحزب الجمهورى، أكبر وأقوى الأحزاب المعارضة، وهؤلاء كلهم ربما يتوافقون على قرار إستراتيجى تاريخى هو ضرورة العمل من أجل حماية تركيا من نزوات أردوغان ومنعه من التورط فى حرب مباشرة مع الجيش السورى قد تؤدى إلى مواجهة عسكرية روسية- تركية، بعد أن وصلوا إلى يقين بأن أردوغان لن يتوقف عن مغامرته التى يريدها فى سوريا بعد أن خسر رهانه على "جماعة الأخوان"، ولم يعد لديه غير الرهان على الجماعات الإرهابية وخاصة تنظيم "القاعدة" وذراعه فى سوريا "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقاً) كأدوات يعمل على استخدامها لتحقيق طموحه بإقامة منطقة نفوذ تركية فى الشمال السورى انطلاقاً من مغالطة ينسج خيوطها تقول أن "من حق تركيا أن تحمى أمنها الوطنى بدءاً من الشمال السورى" دون أى سند قانونى أو تاريخى، اللهم إلا إذا كان أردوغان يجهز الآن لمخطط كبير يعد له من الآن استعداداً لانتهاء أجل العمل بمعاهدة لوزان لعام 1923 .
هذه المعاهدة فرضها الحلفاء الأوروبيون على الإمبراطورية العثمانية عقب هزيمتها وانهيارها فى الحرب العالمية الأولى، وتضمنت ترسيم الحدود الجديدة للدولة البديلة أى "الجمهورية التركية" وبموجبها فرض على هذه الجمهورية التخلى عن مناطق كانت تحتلها الإمبراطورية العثمانية فى الدول المجاورة وتم تحديد مائة عام كأجل للعمل بهذه المعاهدة. لذلك فإن الخطر كل الخطر أن يكون أردوغان يراهن من الآن على أن من حقه ابتداءً من عام 2023، أن يعلن التحلل النهائى من هذه المعاهدة، وأن يسعى إلى ضم ما يستطيع ضمه من الأراضى التى كانت تحتلها الإمبراطورية العثمانية فى الدول المجاورة، لذلك نجد حرصه على فرض وجود عسكرى فى شمال العراق، حيث يطمع فى ضم أجزاء واسعة من شمال العراق خاصة محافظتى الموصل وكركوك، كما نجد استماتته بفرض وجود عسكرى تركى فى شمال سوريا حيث يأمل فى ضم محافظتى حلب وإدلب، وربما يطالب بالتمدد فى مناطق أخرى كانت تحت نفوذ الحكم العثمانى، ليعيد تأسيس ما يأمله من "إمبراطورية عثمانية جديدة".
هذا التفكير يتعارض كلية مع التفكير الذى كان يمثل المشروع الأساسى الذى جاء به حزب "العدالة والتنمية" والذى يعود إلى أحمد داوود أوغلو كما صاغه فى مؤلفه المهم "العمق الإستراتيجى" الذى كان يسعى إلى حل كل الأزمات مع الجوار الإقليمى لتركيا عبر مشروع "صفر مشاكل" وتأسيس "شراكات إستراتيجية" مع هذه الدول من شأنها أن تعيد تركيا إلى "عمقها الشرقى" بدلاً من تكالبها على الالتحاق بالركب الأوروبى الذى يرفضها. كما أنه يتعارض مع الفكر الذى يلتزم به الرئيس السابق عبد الله جُلّ الذى لم يستطع أن يمنع نفسه من الصدام السياسى مع أردوغان وهو يراه يدفع بالبلاد إلى حافة الهاوية .
حديث عبد الله جُلّ مع صحيفة "قرار" التركية أثار جنون أردوغان، خاصة توافقه مع استنكار أونال تشافيك أوز نائب رئيس حزب "الشعب الجمهورى" أكبر أحزاب المعارضة التركية لإصرار أردوغان وحكومته على "شن حرب غير شرعية" (وفقاً لتوصيفه) ضد سوريا، وأن "الشعب التركى لا يريد أى حرب مع سوريا"، مؤكدا أن "أردوغان يورط تركيا فى معارك من أجل أهدافه الشخصية"، وأنه "ليس لدى تركيا أى مبرر شرعى ومحق للحرب مع الدولة السورية" مشيراً إلى أنه "يجب على تركيا تقديم مشروع للسلام مع سوريا وتخلى أردوغان عن حماسه لتغيير نظام الحكم، والعمل على إنهاء الاقتتال فى الدولة الجارة من أجل مصلحة تركيا".
مواجهة الرئيس عبد الله جُلّ مع أردوغان كانت أوسع من حدود الأزمة الساخنة المتفجرة الآن بين تركيا وسوريا فى محافظة إدلب فقد اختار الرئيس عبد الله جُلّ أن تكون المواجهة شاملة مع أردوغان، حيث أعلن رفضه لنظام الحكم الرئاسى الذى فرضه أردوغان على تركيا، وطالب بعودة النظام البرلمانى ومشيراً إلى أن "البرلمان التركى لم تسبق إهانته كما هو اليوم". كما اعتبر أن علاقات تركيا، فى ظل حكم أردوغان، مع الدول العربية "فى أسوأ مراحلها"، مشيراً إلى أن " مصر واحدة من أهم دول العالم العربى والإسلامى، ما يحتم مصالحتها".
كلام جُلّ عن مصر كان ملفتاً جداً، وكأنه يريد التلميح إلى تواصل أضحى حتمياً مع مصر لذلك نجده يقول "إذا كان البعض يشبه منطقة البحر المتوسط بالتفاحة، فإن مصر وتركيا تفاحة واحدة، ولذلك يجب التعامل مع العلاقات التركية- المصرية بعناية بما يتجاوز القضايا اليومية، ولابد من المصالحة مع مصر لأن هذا يصب فى مصلحة الدولتين".
أردوغان لم يستطع تحمل هذه الرؤى لذلك تحدث بعصبية شديدة ضد هذه الأفكار، ودافع بشدة عن ما يراه "تدخلاً مبرراً وحتمياً فى سوريا"، وقال فى كلمة له يوم السبت الفائت فى ولاية أزمير أن تدخل بلاده فى سوريا وليبيا وشرق المتوسط "ليس مغامرة أو خياراً عبثياً" وقال "إذا تهربنا من خوض النضال فى سوريا وليبيا وشرق المتوسط وعموم المنطقة فإن الثمن سيكون باهظاً فى المستقبل".
ما لم يستطع أردوغان أن يجيب عليه وهو يتحدث عن ما يسميه بـ "النضال" هو سؤال: هل يستطيع؟ خصوصاً أنه يتحدث عن تدخل أو حتى "نضال فى عموم المنطقة وليس فقط فى سوريا أو ليبيا أو شرق المتوسط؟
تجربة محاولة التورط العسكرى التركى فى ليبيا كانت فاشلة، ومحاولته الآن التورط فى حرب ضد سوريا تبدو هى الأخرى فاشلة، بل ومستحيلة خصوصاً بعد تأكيد روسيا عزمها على تمكين الجيش السورى من فرض سيادته على كامل التراب الوطنى السورى، ما يؤكد أن مشروع أردوغان هو الذى سيكلف تركيا "ثمناً باهظاً"، وهذا ما يعنى أن تركيا الآخرى البديلة الرافضة لأردوغان ومشروعه ومغامراته باتت مطالبة بمواجهته وفرض المشروع التركى الذى يعيد تطبيع علاقات تركيا مع جوارها الإقليمى وفق قواعد القانون الدولى وعلاقات حسن الجوار وبما يضع حداً لنزوات ومغامرات تهدد المصالح التركية .