Menu
حضارة

خطابات الرئيس عباس والتعلّق بالحبال الذائبة!

بيسان الشرافي

غزة_ خاص بوابة الهدف

لم يعُد خبر "خطاب هام للرّئيس" حدثًا يلفت انتباه الجمهور الفلسطيني، أو يُثير فضوله عما يُمكن أن يأتي به الخطابُ هذه المرّة من "جديد"، فتِكرارُ الطّرح وعدم اتباع القول بالفِعل عمّقا أزمة الثقة بالخطاب الرسمي الفلسطيني، كما رأى مُختصّون تحدّثوا للهدف"، مُؤكّدين أنّه "لا إرادة حقيقية لدى (القيادة)، لتنفيذ أيّ قرارٍ وطنيّ".

الرئيسُ محمود عباس ألقى ثلاثَ خطاباتٍ منذ إعلان الإدارة الأمريكية رؤيتَها لإنهاء "الصراع وإحلال السلام" في الشرق الأوسط، بتاريخ 28 يناير 2020، كان أوّلها في اليوم نفسه خلال لقاء "وطنيّ"، والثاني ألقاه بتاريخ 1 فبراير خلال جلسة طارئة لجامعة الدول العربية، والثالث في 11 فبراير أمام مجلس الأمن الدولي.

الباحث في الشأن السياسي د.عماد أبو رحمة رأى أنّ الخطابات "لم تتضمّن ما يُمكن اعتباره ردّة فعلٍ حقيقية"، إذ لم تزِد عن "تأكيد رفض الخطة"، وهذا بات أمرًا مُكرّرًا. فيما المطلوب الآن "مواقف عمليّة وبرنامجًا للمواجهة!" ووافقه القيادي في الجبهة الشعبية عمر شحادة، الذي رأى أنّ "الرئيس لا يُراوحُ سياساته" رغم إدراكه عُقمَها.

مكانك سِر!

د.أبو رحمة قال- للهدف- إنّ الرئيس "أكّد في خطاباته الأخيرة تمسّكه بعملية التسوية التي تستند إلى مرجعية اتفاق أوسلو، ووهم إمكانية العودة إلى مفاوضات، ولا يزال يُدافعُ عن هذا الخيار باعتباره البديل الأمثل! رغم التجربة التي امتدّت على أكثر من 25 عامًا والتي أثبتت أنّه بديلٌ سيّء، وهو قطعًا ما أوصلنا إلى ما نحن فيه؛ صفقة القرن التي تقوم على تبنّي الإدارة الأمريكية رؤية اليمين الإسرائيلي لحلّ الصراع من طرف واحد".

ورأى أنّ "التمسّك بهذا النهج لا يعكس رغبة جدّية لدى السلطة ورئيسها بمواجَهة فعلية". موضحًا أنّ "الرهان على استصدار قرارات من الجامعة العربية والمؤسسات الدولية- هذا جيد- لكنه ليس سياسة كفيلة وكافية لمواجهة الصفقة الأمريكية وإسقاطها".

من جهته، تحدّث شحادة عن "السياق السياسي الذي جاء فيه الرئيس لتسلّم السلطة، برؤاها التي لطالما رفضت عسكرة الانتفاضة، باعتبار أنّها (ألحقت الضرر بالشعب الفلسطيني)، وعليه اتّسمت التجربة السياسية لأبي مازن، أولًا: بالتعلّق الشرس وغير المنطقي بمواصلة الرهان على ما يُسمّى اتفاقيات أوسلو، وسخائه في استعداده لتقديم الغالي والنفيس- ومنه التنسيق الأمني- لمواصلة التعلّق بهدفه الذي يرى أنّه قابلٌ للتحقيق، وهو حل الدولتين".

ونبّه شحادة، في حديثه- للهدف- إلى أنّ "حل الدولتين لم يرد في أيّ من المقرّرات الوطنية، كما أنّه لا يُمثّل البرنامج الوطني الفلسطيني، وإنما هو محضُ أحلامٍ سياسية للرئيس أبي مازن؛ بإقامة الدولة الفلسطينية- كما يراها- بالرهان على المفاوضات المباشرة تحت المظلّة الأمريكية، والاعتقاد بإمكانية استخراج حلّ (وطني) مع هذا الاحتلال عبر سلْك هذا الطريق!"

"أنا من ضيّع في الأوهامِ عمرَه" باتت الحقيقة البيّنة التي وصل إليها الرئيسُ شخصيّا، وفق ما ردّده في خطاباته، بحديثه عن "السلطة بدون سلطة، والوضع الفلسطيني الذي انتهى إلى احتلالٍ من دون كلفة"، وهذا يُلخّص فعليًا حصيلة المسيرة السياسية بقيادة الرئيس عباس، والحديث لعمر شحادة.

قيود أوسلو

شكّل اتفاقُ "أوسلو" الذي وقّتعه السلطة الفلسطينية مع كيان الاحتلال في 13 سبتمبر 1993، ومع جُملة ما لحق به من اتفاقيات، قيدًا التفّ حول عنق السلطة، لا تزال عاجزة عن التحرّر منه.

د.أبو رحمة بيّن أنّ "أوسلو، ومن المنظور الإسرائيلي والأمريكي، يقوم على فكرة إعطاء الفلسطينيين حكمًا إداريًا ذاتيًا، ومطلوب سلطة لتُدير شؤونهم، شريطة أن تقوم بمهمات التنسيق الأمني لحماية أمن الإسرائيليين، وهذه ضريبةُ بقائها".

لم يتضمّن أوسلو ملفات: القدس واللاجئين والحدود، وأحالها إلى مفاوضات الوضع النهائي، وبعد انقضاء العمر الافتراضي للاتفاق- 5 سنوات- لم تجرِ أيّة مفاوضات، في إشارة واضحة إلى أنّ إسرائيل لا تريد "الحلّ".

بيّن د.أبو رحمة أنّ "إسرائيل لا تريد حل هذه الملفات بمفاوضات ثنائية أو قرارات الشرعية الدولية- وفق أوسلو- بل تُريد فرض الحل الإسرائيلي من طرف واحد.. والآن جاءت إدارة أمريكية تعترف بكامل الرؤية الإسرائيلية، وتُعينها على تطبيقها".

ورغم النتيجة المأساوية لمسار أوسلو، رأى شحادة أنّ "الرئيس أظهر التمسّك به، بالرهان على المفاوضات من جديد، ضاربًا بعرض الحائط، وبطريقةٍ مهينة، كلَّ المقررات التي صدرت عن المؤسسات الفلسطينية، وبخاصةٍ المجلس المركزي- أعلى هيئة وطنية- في مارس 2015: تحديد العلاقة الأمنية والسياسية مع الاحتلال".

وقال "منذ هذا التاريخ، برز إجماعٌ وطنيّ بوصول مسيرة أوسلو واشتراطاتها وثقافتها إلى طريقٍ مسدودٍ، وقناعة بعدم إمكانية التوصّل إلى حلٍ وطنيّ عبر هذا النهج. تلا هذا سلسلة من القرارات الوطنية، لكنّ الرئيس واصلَ سياساته وممارساته القائمة على (وهم أوسلو) ومنطق التفرّد".

وتابع شحادة للهدف "اتّسمت خطابات الرئيس المتتالية بشيء من التشوّه والتناقض، ما زاد من تآكل الثقة بالخطاب الرسمي الفلسطيني، فضلًا عن انفضاض قطاعات سياسية محلية وعربية ودولية، عن الاستعداد للانخراط في دعمٍ حقيقي وجدّي لحقوق الشعب الفلسطيني وأهدافه!"

سياسةُ الرئيس عباس قادت إلى تعمّق الأزمة الوطنية ومعها أزمة القيادة الفلسطينية، فضلًا عن تعميق الأزمة الديمقراطية والاجتماعية، وسيادة مظاهر البيروقراطية والفساد، وفق ما أوضحه شحادة، الذي قال إنّ هذا "زاد السلطة ضعفًا على ضعفها، كما زاد تهميش منظمة التحرير الفلسطينية".

د. عماد أبو رحمة اعتبر أنّ "ما يجري تطورٌ جديدٌ، نوعيّ وخطير، يستدعي مراجعةً وإعلانًا صريحًا بالتحلل من التزامات السلطة تجاه أوسلو، وبالذات مسألتيْ: التنسيق الأمني والاعتراف بإسرائيل".

وأكمل مُستهجنًا "في الوقت الذي تُعلَن فيه الصفقة ويندفع فيه العرب نحو مُباركتها، والتطبيع، هُناك من يذهب من الفلسطينيين ليُطبّع مع (إسرائيل)، والرئيس يُسمّى هذا (مقاومة شعبية).. بل إنّه تطبيعٌ مقيت، يُسيء لقضيتنا الوطنية، كما يُضعف الموقف الفلسطيني الذي يُطالب العرب بقطع العلاقة مع الاحتلال!"

وتساءل "كيف نمنع اشتباكًا سياسيًا وميدانيًا مع الاحتلال على الأرض.. ونُسمّى التطبيع والتواصل مع أذرع الاحتلال (مقاومة شعبية)"

مطلوب قيادة!

عرّابو الصفقة الأمريكية كأنّهم يقولون للفلسطينيين (إن وافقتم وأردّتهم الالتحاق بنا.. فأهلًا وإن لم توافقوا نحن ماضون بالتنفيذ وفرض الخطّة واقعًا)، وهذا بالتحديد ما يجب مجابهته، وفقما وضّح الباحث في الشأن السياسي د.عماد أبو رحمة. الذي تابع قولَه "أمام كل هذا مطلوبٌ كفاحٌ وطني يُغير موازين القوى، ويجعل المستوطنَ يُفكّر ألف مرة قبل أن يذهب إلى الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية كي يسكن فيها".

وليس ببعيدٍ عن هذا، اعتبر القيادي شحادة أنّ "صفقة القرن مثّلت ذروة العدوان الوحشي على الشعب الفلسطيني وحقوقه، فهي تسعى إلى محو الوجود السياسي لهذا الشعب واختصار حقوقه في محميّة أقفاصٍ في الضفة الغربية ترتبط بكولودورات فيما بينها، وسط بحرٍ من الاستيطان، ومع قطاع غزة".

هذا، حسبما قاله شحادة "يُعرّي حقيقة الإسرائيلي، الذي ينقسم جدول أعماله السياسي بين: سعي الليكود و(أزرق- أبيض) إلى التوسع الاستيطاني والاحتلالي من جهة، وسعي اليمين الديني الفاشي للضم الكامل للأرض الفلسطينية وتهجير سكانها، دون أيّ اعتبارٍ للقانون الدولي والإنساني ولا القيادة الفلسطينية".

بينما رأسُ هذه القيادة- وفي خضمّ كل هذا- لا يزال يتعلّق بأوهام وجود شريكٍ في الساحة "الإسرائيلية"، وسائر الخيالات المُزمِنة والمُعتّقة لديه- هو وفريقه- ومنها وهمُ الكنيست وانتخاباته التي ما ينفكّ يُخيَّل إليهم أنّها قد تأتيهم بشيء من تلك الخيالات التي يجترّونها يومًا بعد يومٍ وعامًا بعد آخر.

نصلُ إلى أبرزِ ما أثار حفيظة الجمهور الفلسطيني، في خطابات الرئيس- الثلاثة التي جاءت في سياق ردّه على الصفقة- فما حرّ قلبَ الشعب بحقٍّ؛ عدم تقديم رؤية جادّة وخطوات عمليّة للخروج من نفق الانقسام السياسي، واستعادة الوحدة الوطنية، التي هي "أوْلى أولويّات التصدّي"!

د.أبو رحمة رأى أنّ "خطابات الرئيس محمود عباس تُظهِر تمسّكه بسياساته القديمة في التعاطي مع هذا الملف، الذي لا يبدو أنّه أولويّة لدى الأطراف الأخرى في غزة أيضًا!"

وفسّر هذا بالقول "إنّ الطرفين الرئيسيين اللذيْن يستقطبان النظام السياسي الفلسطيني، كلٌ له مشروعه الخاص وماضٍ فيه، وكلاهما لا يزال يُفكّر بالطرق القديمة، مع تجاوزٍ للحدث الجلل، صفقة القرن، عارينَ من أيّة خطط لمواجهتها.. هذا وضعٌ كارثيّ".

على شفا حفرةٍ..

كان حريًّا بخطاب الرئيس "طرح رؤيةٍ لمغادرة هذه المقاربات الكارثية باتجاه مقاربة جديدة تقوم على استعادة الوحدة، وتقاسم المسؤولية الوطنية- لا السلطة فقط- وبناءً على برنامجٍ سياسي يتمسّك بالثوابت الوطنية، وخطة مواجهة ميدانية تتضمّن التحرك على المستوى العربي لاستعادة الدعم والتأييد للقضية الفلسطينية، وكذلك الدعم الدولي". وفق د.أبو رحمة، الذي أشار إلى أنّه مطلوبٌ من القوى الأخرى كذلك- التي يتهمّش دورها يومًا بعد آخر- استنهاض قدراتها وذاتها لتكون أكثر تأثيرًا وإلا سيتجاوزها التاريخُ.

"الانهيار" الداخلي الفلسطيني بات يخنق القضيّة الوطنية، وفق ما بيّنه عمر شحادة، في ظلّ سيادة منطق الأمن والمال والمصالح الذاتية الفئوية والشخصية، وهذا لن يتوقّف إلّا "بالإسراع إلى حوارٍ وطنيّ شامل يجمع كلّ القوى المناهضة للاحتلال، من أجل صياغة إستراتيجية سياسية على أنقاض كل مسيرة أوسلو، منذ مؤتمر مدريد وحتى الآن، واستنهاض رؤية وطنية جديدة.

ووفق شحادة، على هذه الخطوة أن تُتبَع بمهمّة ثانية؛ "بلورة تلك الإستراتيجية الجديدة بأدواتٍ ورؤى وسياسات جديدة، يقوم جوهرها على وضع حدٍّ نهائيّ لكل أوهام (السلام والتسوية)، وتستند إلى المقاومة الشاملة السياسية والمُسلحة، والاقتصادية والثقافية والأيديولوجية بمعناها الشامل، على أن تكون جزءًا من جبهة مقاومة على المستوى العربية- بالتحالفات الدولية- لمواجهة صفقة القرن وإسقاطها".

هذا هو السبيل الحقيقي لمواجهة خطّة ترامب، "وليس النوم على حرير أنّنا (قُلنا لا لترامب وخطّته)، في تكرارٍ لـ(لاءاتٍ) تاريخية، لم تكُن سوى مواساة للذات، بينما كانت المشاريع الصهيونية والأمريكية تجري من تحت أقدامنا، وتغدو حقيقةً وواقعًا، ابتداءً من قرار التقسيم وحتى اللحظة.

يُكمل شحادة الحديث عن "مهمّة ثالثة"، وهي إعادة مكانة منظمة التحرير الفلسطينية، بإعادة صيانتها ونبذ كلّ المتطفّلين والمنحرفين عن خطّها وثوابت الشعب الفلسطيني، وكذلك تعزيز النضال الديمقراطي والانتخابات سبيلًا لإعادة بناء المنظمة، وهو ما يتطلّب سعي كل القوى الرافضة لأوسلو وسياساته إلى تشكيل لجنة تحضيرية لعقد مجلس وطني فلسطيني؛ يضع (المُنهزمين وسياساتهم) أمام خيارين: الالتزام بالمنظمة وبرنامجها وتاريخها الحقيقي أو أن الاصطدام مع الشعب ومقاومته بما يضع حدًا لشرعيتهم الزائفة".

وكما بيّن كلٌ من د.أبو رحمة، والقيادي شحادة، فإنّ "الأمر لم يعد يحتمل مزيدًا من العبث"، فهل تُدرك القيادة الرسمية هذا بما يدفعها إلى تغيير قولِها وفِعلها؟!