Menu
حضارة

"صفقة القرن" امتداد لتصريح بلفور

فلسطين والإمبريالية الغربية: قرن من الظلم والخيانة

توجه ترامب يوافق بشكل دقيق النمط الاستعماري القديم للنهوض بالمصالح الصهيونية على حساب الفلسطينيين

ترجمة خاصة - بوابة الهدف

‘‘لم تضع فلسطين في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي، كما هو شائع، لأنها ضاعت فعليًا أواخر الثلاثينيات، عندما لعبت بريطانيا دورًا مهمًا، لم يتم الاعتراف به، في المأساة الفلسطينية‘‘

وصف المؤرخ والناقد الأميركي نعوم تشومسكي الاستعمار الاستيطاني بأنه أكثر أشكال الإمبريالية تطرفًا وسادية، باعتبار أن الشعب الفلسطيني نأن عانى بشكل غير مسبوق من الاستعمار الصهيوني والإمبريالية الغربية منذ القرن الماضي.

أول وأهم خيانة كانت إعلان بلفور لعام 1917، حينها التزمت الحكومة البريطانية بدعم إنشاء "وطن قومي لـ "الشعب اليهودي في فلسطين"، وذلك دون تقديم أي شيء لـ "حماية الحقوق المدنية والدينية لغير اليهود ضمن المجتمعات في فلسطين".

في ذلك الوقت، كان اليهود يشكلون أقل من 10% من سكان فلسطين، بينما كان العرب 90%، ومع ذلك اختارت بريطانيا الاعتراف بحق الأقلية الصغيرة في تقرير المصير، وحرمان الأغلبية من هذه الحقوق.

اقرأ ايضا: الحكام العرب وقادة الاحتلال: تاريخ طويل وسري من الخيانة

بهذا يقول الكاتب اليهودي آرثر كويستلر: "أمة واحدة، وعدت جماعة ثانية، بدولة بلد ثالث!".

حماقة كبيرة

كان إعلان بلفور وثيقة استعمارية أوروبية كلاسيكية، جسّد مؤلفها، وزير الخارجية آنذاك آرثر جيمس بلفور، العقلية الاستعمارية التي ترى أن: "الحقوق الوطنية لسكان البلاد ليست ذات أهمية بالغة".

من وجهة نظر المصالح البريطانية، كان إعلان بلفور حماقة كبيرة، وهو أحد أسوأ الأخطاء الاستراتيجية في تاريخ المملكة البريطانية، أمّا من المنظور الصهيوني، فهو يُمثل طفرة دراماتيكية على طريق قيام دولة الاحتلال، وقد مهّد الطريق للاستيلاء الصهيوني المنتظم على فلسطين، وهو اعتداء وعدوان مستمر بلا هوادة حتى الوقت الحالي.

منذ عام 1920 حتى 1948، فرضت بريطانيا الانتداب على فلسطين، وكان أساس هذا الحكم الإلزامي، منع تشكيل المؤسسات التمثيلية الفلسطينية والعربية حتى تتشكل لليهود أغلبية، وعندما اندلعت الثورة الفلسطينية عام 1936، قمعها الجيش البريطاني بوحشية قصوى.

لم تضع فلسطين في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي، كما هو شائع، لأنها ضاعت فعليًا أواخر الثلاثينيات، عندما لعبت بريطانيا دورًا مهمًا، لم يتم الاعتراف به، في المأساة الفلسطينية.

الفائزون والخاسرون

يوافق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل دقيق هذا النمط الاستعماري القديم للنهوض بالمصالح الصهيونية على حساب الفلسطينيين، وفي نظرته التبسيطية للعالم، لا يوجد سوى رابحين وخاسرين، كما أنه وبالنسبة إليه، "الإسرائيليون" رابحون بينما الفلسطينيون هم الخاسرون الدائمون، وهو بذلك قد تخلى عن أي ذريعة للإنصاف أو العمل كوسيط نزيه.

تبنى ترامب دور محامي "إسرائيل"، وغيّرت إدارته السياسة الأمريكية بإعلانها أن "المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة شرعية وقانونية، وأنها لا تشكل عقبة أمام السلام"، كما أن ترامب لا يدعم ببساطة "إسرائيل" فقط، بل أنه انضم إلى رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو والمستوطنين اليمنيين المتطرفين الذين يهدفون إلى دمج جزء كبير من الضفة الغربية المحتلة ضمن "إسرائيل الكبرى".

منذ وصوله إلى منصب الرئاسة، تسبب ترامب في سلسلة من الضربات للشعب الفلسطيني: لقد اعتبر أن " القدس كلها عاصمة لإسرائيل"؛ ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى هناك، وأنهى تمويل الولايات المتحدة للأونروا؛ وسحب المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية، كما أنه اعترف بالسيادة "الإسرائيلية" على مرتفعات الجولان السورية المحتلة؛ وأغلق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن.

بعد ذلك، في 28 يناير/كانون الثاني 2020، كشف ترامب عن "صفقة القرن" التي روّج لها كثيرًا، وأرجأها مرارًا وتكرارًا، ووصفها بأنها "فرصة مربحة للجانبين"، و"جيدة جدًا" للفلسطينيين.

وتعترف الخطة بالقدس كعاصمة غير مقسمة لـ "إسرائيل"، وتمنح الاحتلال الحرية لضم الكتل الاستيطانية اليهودية غير الشرعية في الضفة الغربية ووادي الأردن، كما سيحتفظ الاحتلال أيضًا بالسيطرة الأمنية على الضفة الغربية، بما يتضمن شبكة الطرق السريعة والأنفاق والقواعد العسكرية.

انعدام الأخلاق

في الوقت الحالي، يُطلب من الفلسطينيين الاعتراف بـ "إسرائيل" كدولة يهودية، مع التوقف عن مساعي محاسبتها دوليًا على جرائم الحرب التي ارتكبتها.

ضمن خطة ترامب، سيتم تجريد "الدولة الفلسطينية" المنصوص عليها من السلاح، بعاصمة على حدود شرق القدس، وستقتصر هذه الدولة على قطاع غزة وعدد قليل من الجيوب المنفصلة في الضفة الغربية، كما أنه لن يكون لفلسطين حدود مع الدول العربية المجاورة، ولا سيطرة على المجال الجوي والمياه والموارد الحيوية الأخرى.

في الواقع، هذه الخطة تقترح مجموعة من البانتوستانات الجرداء، محاطة بجيش الاحتلال، وعدد متزايد من المستوطنين اليهود، إنها تبدو كسجن تم تشكله على هيئة دولة، وفي مقابل الموافقة على هذه الخطة غير العادلة بشكل مطلق، تم تقديم وعد للفلسطينيين بمبلغ 50 مليار دولار على مدى خمس سنوات، والحصول عليه لن يكون من الخزانة الأمريكية، إنما دول الخليج هي التي ستدفع الحساب.

(المترجم: البانتوستانات: هي معازل السود في جنوب أفريقيا أقيمت لفصلهم عن البيض في عهد الفصل العنصري.)

بعد كل ذلك، لا عجب أن نتنياهو تبنى خطة ترامب بحماسة، لأنها في الأساس خطته، وهي تلبي كل قائمة أمنياته، إضافة إلى ذلك فإن أنصار الخطة ومعارضيها يتفقون أنها ستكون "المسمار الأخير في نعش حل الدولتين وحلم قيام دولة فلسطينية مستقلة".

كما أنه لا عجب أن جميع الفصائل الفلسطينية رفضت بشدة هذه الخطة، لأن ما يقترحه ترامب ليس خطة سلام، بل مخطط للفصل العنصري، وهي محاولة صارخة لإضفاء الشرعية على الاحتلال غير القانوني، وإخضاع ملايين الفلسطينيين لسيطرة "إسرائيلية" دائمة، إنها عقلية استعمارية، وهي خالية تمامًا من أي شعور بالأخلاق أو حتى اللياقة الإنسانية الأساسية.

بالنسبة لليمين الصهيوني، فإن خطة ترامب هي انتصار دبلوماسي مذهل، مشابه لإعلان بلفور، وبالنسبة للفلسطينيين إنها الفصل الأخير في قصة استمرت قرنًا من الازدواجية والخيانة من جانب القوى الغربية.

هذه المادة مترجمة عن مقال للمؤرخ وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة أكسفورد البريطانية، آفي شلايم، وهو مؤلف لعدة كتب مهتمة بالشأن الفلسطيني مثل: "الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي (2014)"، وكتاب "إسرائيل وفلسطين: إعادة تقييم، مراجعات، دحض (2009)".