Menu
حضارة

فنتازيا عربية

لمى عبد الحميد

ما معنى أن تحيا في أرضٍ تقررُ مسبقاً اختيار هوية الحاجة لأدنى متطلبات العيش, تحصرك عبر دوائر متعددة تبدأ صغيرة ثم تكبر تدريجياً مع تقدم العمر لتجد نفسك ضمن متاهة لا تستطيع الخروج منها إلا بعبور الروح إلى العالم الآخر، لكن الجسد يبقى أسير تلك المتاهات اللامنتهية يُلقى فوق أجسادٍ غيره متعفنة في الوجود وحيةً في ذاكرة القهر والتذلل والحاجة أيضاً, لربما الحديث عن الواقع العربي لا تسعِفهُ مقدمةً عن الإنسان وما معنى غايته أو وجوده؛ لأن الكلام هنا ينتهي حين تكون عربياً فالجدوى من السؤال مجهولةً تغرقُ في غياهب الليل تحت عباءة الحاكم الذي أغواه صوت الفقير الجالس على باب منزله حتى حسبه من فرط جاهلته غناءً لا استغاثة.

نحن نولدُ هنا لنتعلم أولاً نداء الحاجة نتلقف ثدي أمهاتنا لنرتضع طعم الملح على حجة أن الصبر كان تيمناً بصفات الأنبياء, نحن يا سيدي أنبياء الفقر نعرف جيداً كيف نعيش وأخفقنا في معرفة كيف نحيا, نرى في فتات الخبز مبرر وجود وفي الرضى بأبسط الأشياء قناعة تساعدك على احتمال ضنك العيش وقساوة الحياة وظلم الحاكم, ضاقت بنا المفاهيم فما عاد يعنينا الاسم بل تقوس الرأس على فهم الشعارات وأُبدِلَت بعقائد تحمل مسمى " امشي الحيط الحيط وقول ياربي السترة ". كلّ هذا أشبه بتعويذة الخراب التي ألقيت على الوطن العربي ليصير منفياً حتى من اسمه لغةً ويصبّ في مخططاتٍ أخرى اصطلاحاً, وبين الاصطلاح واللغة يرقد العربي على حكايا التاريخ الغابر وأمجاد البطولات الملمّعة حتى يستحيل عليك التمييز بين الهزيمة والانتصار فكاتبوا التاريخ أنفسهم  جزء من المخطط ولنقل عنصر من عناصر اللعبة والبيدق الأهم في إطالة الغفوة.

منذ زمن أحاول أن ألخص المشهد العربي بصفة أو بكلمة مررت بتسميات عديدة كالقمع, انعدام الحريات, الجهل, التخلف, الفقر, الحرب, الظلم, القتل, الإرهاب, السجن ....إلخ من مفردات تقرأ الواقع لا تحلله تحاكي مجرياته لا تبحث في آليته ثم استوقفتني مفردة واحدة كانت بمثابة مفتاح حلّ الأحجيات "العوز والحاجة"، أي العمل دوماً على إنماء شعورك بأنك بحاجة شيء ما لربما كان طعام أو وسيلة تدفئة أو حتى دواء لنقل باختصار أدنى أدنى متطلبات العيش وبرمجة عقلك على عدم الاكتفاء ليصير دماغك يعالج قضية واحدة, الرغبة بالوصول إلى الاكتفاء وإقصاء عقلك عن معالجة أو معرفة أي شيء آخر, وحتى لو افترضنا نفاذ فئة من أصحاب العقول النيرة أو الرؤية الحكيمة أو من باستطاعتهم إلقاء نظرة على الواقع بالرغم من شعور عدم الاكتفاء فأولئك يتم النظر في أمرهم إما عبر اتخاذ الفساد وسيلة علاج أو يمكن اتباع فلسفة الصمت كأن يساق إلى مكان يتعلم به حديث القلب تتحرك من خلاله عيناه بين أربعة جدران والمعنى في قلب الناظر إليه أو يُقتلع منه الكلام إلى نهاية الصمت وما نهاية الصمت هنا لعلكم تدركون!!

الأفظع في سياق ما مضى أنه يتم اتخاذ الإجراء التالي زرع القناعة بما تحصل عليه أنت بينما يتملكك داخلياً شعورٌ بالرفض بالتذمر وعدم الاكتفاء أو الرضى لكن الحديث عن التحسين والتطوير يدخل مسمعيك كالمخدر, وتدفعك الأفواه الكبيرة على تصديق كم أنت متذمر في ظل الإمكانيات الراهنة والجهود المبذولة ولك في أصحاب الصمت الأبدي أسوة حسنة تهربُ بعدها إلى منبرٍ افتراضي تلبس به وجهاً غير وجهك، ولربما يسقط الاسم منك عنوة تَصدُقُ مع نفسك وقتها فقط تتذمر, تمقت, تشكو, تحزن, تعجز ولربما تنتحر دون أن يدري بك أحد, صدقني لو كان الكلام يجدي عندها لما كنا نمضي كل هذا الوقت على وتيرة واحدة, وفي بعض الأحيان تتداخل المفاهيم وتختلط الأوراق وتُسيء تحليل نفسك يقودك شك مزروع من الخارج بأن العيب فيك فأنت من تحمل ذاكرة مشوهة وأحلام معطوبة ورؤية هشة والحقيقة أنك نتاج مصنّع حسب المخطط له. فلو كان لا بد من تحميل العيب لأحد نقف هنا طويلاً عند سيد القوم ونعود إلى التاريخ نفسه نأخذ موعظة الإدارة، رغم أنني لا أرى فيه سوى عاملاً للنحيب لأن منطق الحياة يسير إلى الإمام وما كان في الماضي لن يعود لأن دافعه يختلف عن اليوم وأحكامه لا تتماشى بأخذ اعتبار ما هو سائد الآن, وبعد كل هذا يدفعك الساسة لتغمض عين وتبقي الأخرى مفتوحة عبر منظار يتم تصنيعه حسب حاشية الولي الأعظم تُركز النظر من خلاله على حاجتك فقط ويعمي عنك محيط كامل تغرق فيه مقدرات البلاد بين أصحاب المطامع والغزاة ينالون منها لديمومة طغيانهم ولإشباع حاجات شعوبهم المواكبة للحداثة، بينما تقف أنت تَرقبُ المشهد كمثل حصاناً أُصيب بحمّى العروبة فاستحال حماراً يأكل ويشرب وينام على ذريعة لا شيء سيتغير ولا مجد سيعود ولا غد سينجو وذلك بلا شك صحيح؛ لأن العمل على تدمير الشعوب فكرياً أثبت جدارته لدينا حتى صرنا نحسب أن العقل كارثة والتفكير جالب للمصائب.

نتاج ما سبق أنك عالق بين حاجتك وأَنّاتك المستترة بالأحلام, بين الرفض والخضوع, بين اليأس والأمل, بين إمكانية أن تستمر بذات الرتم من التسلسل البشري الفوضوي ذي الوتيرة الواحدة منذ فترة طويلة من الزمن وبين الرحيل بعيداً لتتلقاك مصيدة فصام الهوية والمنفى, والمحزن في الأمر أنّه في الفترات الأخيرة شهدنا محاولات للانقلاب على اليأس والمضي نحو مستقبل آخر، لكن النتيجة كانت تدميرية لا انقلابية فالأنظمة في البلاد العربية متلوّنة حسب محاولة احتواء غضب الشارع وكأن الشعوب كانت تقتل نفسها بنفسها وتحكم الخناق على أحلامها فما وجدت منها من أَلِفَ نفسه ومعتقداته بعد أن قال لا, ذلك لأن التغيير يبدأ من القاعدة الشعبية نفسها ليمتد للسلطات التي تحكمه ثم ينتقل للنظام بأسره إلى أن ينتهي باختيار سيد البلاد والأجدى هنا القول أن عملية إعادة إحياء الوعي والسماح بالتعددية الفكرية والحزبية والمنهجية ودعم المنظمات التي تتبنى تحقيق احتياجات الشعوب لتكون هي أداة التغيير الحقيقية وتصويب الخطأ في حالة الانحراف عن المسار هي الركيزة الأساسية لبناء مجتمع صحي فكري معافى, أي حينما نستطيع خلق آلية يحكم الشعب نفسه من خلاله ليكون مُلبي احتياجاته مُراقب نفسه وسَيده عندها فقط بإمكاننا الإفصاح عن مفهوم الثورة ونصيب كبد الحقيقة برواية الحق والثوار.

وختاماً لست سوى عربياً يخرج من تكوين الهوية إلى أفق استعارة الآخر" الماضي" يطالع في بناء عظمة الشعوب الكبرى يسرفُ في تفسير النهايات العالقة رغم وضوح جغرافيا الأرض, يكفرُ بالبطولات ويصدق الجوع أكثر يلعن المخططات ويقسم بالفقر وحده، يحاول كل ليلة أن يعيد ترتيب البداية على قلم وفكرة تلوذ بالفرار من رقابة الورق نفسه لتعبر عقول أولئك المتوزعين على مدارك الأرض العربية من توحدوا معي في عزلة هذا الواقع الوحشي ليعبروا وأعبرُ إلى جمهورية السراب الديموقراطية...!!