Menu
حضارة

تغيير خارطة المنطقة: قصة مكررة

عرفات الحاج

الجيش العربي السوري.jpg

خاص بوابة الهدف

لا يمكن العودة لأي يوم في العقدين الأخيرين في العالم العربي لم يجرِ فيه الحديث عن سعي القوى المعادية لخلق خارطة جديدة للمنطقة، حديث عن خرائط على أسس طائفية وعرقية وغير ذلك، أطراف تقدمية ووطنية وأخرى عميلة تناولت الأمر كل يوم مستعرضة عشرات النقاط والقرارات والأحداث والكتب باعتبارها دلالة عن نوع معين من التقسيم الذي يسعى له العدو.

بوسع من سئم الحديث عن الخرائط والازاحات تجاوز هذه المادة، فهي ستتحدث أيضًا عن خارطة جديدة للمنطقة، وإن كانت هذه المادة تنطلق من فرضيات مختلفة، ولا تتحدث عن إزاحة الحدود شمال سوريا أو غرب العراق، ولكن عن خارطة حدودها وأطرها هي المواقف السياسية من القضايا المركزية، وليس فيها الكثير من التقسيمات، بل إن تقسيماتها تتجه لتأخذ تمايزًا أكثر وضوحًا وأقل تشظيًا.

سنوات طويلة من العمل بكل أداة ممكنة لتفكيك قدرة شعوب هذه المنطقة على مواجهة أعدائها، واكبها عمل لا يقل خطورة ؛عمل راهن على إفقاد الشعوب وعيها بذاتها وبعدوها والمخاطر التي تتهددها.. تحريض طائفي أنفقت عليه مليارات الدولارات، منابر دينية وإعلامية، شخصيات، مفكرين، كتبة، حكام، جنرالات، أصحاب رؤوس أموال، هذه هي المساحة التي عملت قوى العدوان فيها، وشغلت وجندت نخب وأدوات، ومن ينظر فعلًا لهذه المساحات يرى اليوم لمن انحيازها.     

موضوعات الخارطة:

واحدة من وظائف الخريطة هو الإجابة على أسئلة حول الموقع، وكذلك حول الجوار والصلة أو الانقطاع عن هذا الجوار، لهذه الخارطة المرسومة في منطقتنا اليوم أيضًا موضوعاتها، وأسئلتها وإجاباتها.

١- أين تقع فلسطين؟

فلسطين قضية مركزية في وعي الإنسان العربي وذاكرته، وهويته التي أسهمت في تشكيل مسعاه وتطوره السياسي والاجتماعي، وإذ ساهمت هذه القضية في وعي العرب بشأن المستعمر وسلوكه ومجازره، والفساد والارتهان والضعف والهزائم، والقتال والمقاومة والانتصارات الصغيرة منها قبل الكبيرة، كل هذا ارتبط في خريطة إدراك كل فرد عربي بفلسطين، وأحاط بها وحصنها، بما يتناقض تمامًا مع صورة ذلك الأرخبيل الذي قدمته الخطة الأمريكية.

اليوم الصراع على أي فلسطين ستبقى، فمنذ إعلان الإدارة الأمريكية عن خطتها لتصفية الحقوق الفلسطينية، كانت قد صدرت مواقف متسارعة من عديد من النظم العربية تشهر فيها انحيازها ضد الموقف الفلسطيني من هذه الخطة، وذهب بعضها نحو إجراءات تطبيعية علنية مع الاحتلال محددة خيارها، وعلى جانبي هذا الخط يصطف معسكران مختلفان في الهوية وفي كل شيء.

٢- الى أين تصوب البنادق؟

ملايين الرصاصات والقذائف أطلقت خلال الأعوام الماضية، قلة منها تلك التي أصابت القوات الاستعمارية المعتدية على شعوب هذه المنطقة، وغالبيتها الساحقة كان في سبيل تنفيذ مجازر على خلفيات طائفية أو عرقية، هذا حد آخر يرتسم ويقف الناس على جانبيه.. حول سؤال الرصاص وبوصلة القتال والبنادق وجدوى أي قتال وهدفه، فسنوات طويلة من التحريض الطائفي يبدو أنها لم تذهب هباء، بل سحبت معها أرواح ودماء كثيرة منا، واستنزفت الكثير الكثير من رصيد صمودنا ووعينا ومواردنا الشحيحة بالفعل.

٣- لماذا تشرق الشمس؟

هناك من يدعي كل يوم وفي كل كلمة ينطقها مذيع في نشرة إخبارية وآخر في برنامج توك شو، أن الشمس تشرق كل يوم لتطل على مدينة روابي التي أقيمت كنصب دائم لهزيمتنا، وظل باهت لمستعمرة، حيث يقف هؤلاء بمنتهى الذلة والخسة متوسلًا سعادته في أوهام السلام المبنية فوق أنقاض عظامنا المحترقة بغارات الفانتوم والاف ١٦ في غزة وقانا وبحر البقر، وهناك من يقول بدمه ولحمه، أن الشمس تشرق من بيت صغير في حيفا خرج منه شادي البنا ليقول أنه لا يريد مواطنة المستعمرة، بل يعمل على نسفها، وتحويل مسار الشمس الى القدس .

٤- أين تنتهي حدود الفستان؟

استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية، وأسلافها في المنظومة الاستعمارية، أجهزة وأدوات دينية شغلت الناس بجدل طويل حول سيقان الفتيات وحدود الثوب، كجزء من دورها، ولكن بالأساس وفي صلب المهمة المقدسة، عملت كل ما ينبغي لنقتل بعضنا بعضًا، ولتحمي عروش ملوكها وحدود الكيان الصهيوني والقواعد الأمريكية وقطع الأساطيل الغربية المسلحة، لسبب ما لا يدركه كاتب النص بشكل كافي، قررت الإدارة الأمريكية السماح لمحمد بن سلمان، وربما تحفيزه، بأن يأمر مؤسسته الدينية، بأن تغض بصرها عن سيقان الفتيات، وتترك حدود الثوب تنحسر، ولكن هذا يعني فيما يعنيه أيضًا خسارة هذه المؤسسة لأدوارها التي اعتادت لعبها في الحشد والتعبئة والتحريض ضد غيران، والشيوعيين، والشيعة، وكل من يعادي الولايات المتحدة والمشروع الصهيوني.    

انحسار الثوب السعودي يأتي كجزء من معركة جديدة تدور حول تعريف الحرية، في سياق يتصدق عليك فيه الجلاد ببعض من حقوقك، مقابل إلغاء معاني إنسانيتك، ويعتبر فيه  أنه يكفي أن تتحكم في جسدك الذي حرمت من التحكم فيه لسنوات طويلة، لكي تتنازل عن كل مواقفك الاجتماعية والسياسية، حقوقك الاقتصادية، هويتك، قضاياك المركزية.

خلاصات لأمور لم تنتهِ:

١- مليارات العرب قبل مواقفهم:       
قبل أن تقدم الإمارات، والبحرين، وعُمان، والمغرب مواقفها الداعمة لخطة التصفية الأمريكية للحقوق الفلسطينية، قدمت هذه الدول ومن قبلها مصر والأردن ما يزيد على ٢٠ مليار دولار كثمن لصفقات ومشاريع وتسهيلات للكيان الصهيوني، كان أبرزها صفقتي توريد الغاز وعدد من الصفقات الأمنية الخاصة بتوريد بعض النظم الأمنية والتجسسية وأنظمة الحماية لقصور بعض الحكام، وبالطبع قدمت السعودية وقطر والإمارات والبحرين حوالي ألف مليار دولار من أموال مواطنيها للولايات المتحدة الأمريكية، وتبدو الدول العربية جاهزة لدفع المزيد من هذا المال المنهوب لتلبية تطلعات الإدارة الأمريكية بشأن المنطقة.

٢- براجماتية حمقاء:

غالبًا ما اتهمت النظم العربية الحاكمة، الشعوب والقوى المعارضة، وقوى المقاومة، بالراديكالية والتشدد والتمسك بمواقف غير مجدية، اليوم  يتمسك الحكام العرب بخيار مستحيل، وهو الرهان على تحصيل الحماية والأمن والبقاء من خلال التحالف مع الكيان الصهيوني الذي خسر معظم المواجهات التي خاضها خلال العقدين الأخيرين. إن التشدد والتمسك بالرهانات الخاطئة هو أمر غير جيد وغير ذكي حتى حين تكون تلك الرهانات وطنية، فما بالك بالتشدد بالتمسك بالخيانة، وهذا تحديدًا ما اختار الحكام العرب ممارسته في هذه المرحلة من تاريخهم. ربما للمطبعين الجدد أن ينظروا لاقتصاديات تلك البلدان العربية التي سبقتهم في مستنقع التطبيع والاتفاق مع الكيان الصهيوني، أو ربما ينظروا لحكامها الذين قادوها لهذه المواقف وما حل بهم.

٣- كيف ترسم الخرائط؟

 تراهن منظومة الهيمنة الغربية على تحالف واسع بين النظم العربية والكيان الصهيوني، يمنح الكيان الصهيوني الهيمنة على هذه المنطقة، ولكن يغفل صانع القرار أن هذه الرغبة ليست مستحدثة، أي أن دونالد ترامب أو بومبيو أو كوشنر لم يخترع شيئًا حين قرر دعم مثل هذه الخطط، لا هو ولا المنظومة التي قدمتها له، لأنها تفتقد لعنصر مهم وهو التاريخ: أي فهم كم خطة مثل هذه سقطت من قبل؟ وكيف رسم الناس خرائط أخرى لهذه البلاد، ولا زالوا قادرين على فعل ذلك؟