على مدار الساعة
أخبار » آراء

طريقان ومنهجان: من أين نبدأ؟

23 حزيران / أغسطس 2015

إذا كانت مهمة إعادة بناء وتطوير وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، أولوية لإنهاء الانقسام، واستعادة الوحدة الوطنية، من أجل تغيير المسار، وبلورة مشروعٍ وطني تحرري، قادر على الانتصار؛  فمن أين نبدأ؟!

هل نبدأ من حيث بدأنا مراراً وتكراراً؟ أم نبدأ من حيث العمل على تطبيق ما اتفقت عليه القوى السياسية الفلسطينية، جميعها، - بعد مشاورات امتدت قرابة ثماني سنوات - لرأب الصدع، وترتيب البيت الفلسطيني؟!

أمامنا طريقان؛ أحدهما ينهي الانقسام، في جوهره، والثاني يكرِّس الانقسام، في مضمونه ونتائجه، فما الذي نريده حقاً؟

الطريق الأول طريق صعب وشاق؛ ولكنه طريق الخلاص الوطني؛ الذي يتطلب مراجعة المنهج السياسي، وإعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني، كمشروع تحرري، كما يتطلب مراجعة أسلوب العمل، وأدواته، بجرأة وشجاعة متناهية، وقبل كل ذلك يتطلب صدقاً مع النفس، ومصداقية مع الشعب الفلسطيني، وإيماناً بحتمية انتصار إرادته، في دحر الاحتلال، وتحقيق العودة، وتقرير المصير.

أما الطريق الثاني، فرغم أن أدواته الإجرائية تبدو سهلة؛ لكنه أكثر صعوبة وأخطر في النتائج التي يمكن أن تترتب على اتِّباعه؛ لأن أهم نتائجه سوف تكون تكريس الانقسام، وتثبيت ما هو قائم من ترهل لمؤسسات منظمة التحرير، وتفرد في صنع القرار السياسي.

*****

تداولت وسائل الإعلام قرب انعقاد دورة للمجلس الوطني، لانتخاب لجنة تنفيذية جديدة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأكَّد ذلك عضو من أعضاء اللجنة التنفيذية، واصفاً انعقاد المجلس بأنه استحقاق ديمقراطي، ومتحدثاً عن ضرورة استبدال كبار السن، ومن شغرت مقاعدهم بالوفاة، كما تحدث عن ضرورة استبدال حوالى ثلث أعضاء اللجنة التنفيذية؛ لأنهم أصبحوا غير فاعلين، بسبب كبر السن.

أما قضية اختيار أعضاء المجلس فقد تسرَّب الخبر أنه سوف يتم بوساطة لجنة تتكوَّن من عضوين من أعضاء اللجنة التنفيذية، وعضو من أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح، اختارهم الرئيس شخصياً.

*****

وإذا كان انعقاد المجلس الوطني استحقاقاً ديمقراطياً، طال انتظاره؛ فإن أسلوب انعقاده، - حتى وإن وصفت الجلسة بأنها جلسة استثنائية - يجب أن يكون ديمقراطياً، شكلاً ومضموناً؛ لا يجوز التفرد في القرار، بأية صورة من الصور، ولا يجوز أن يصبح القرار واقعاً دون أن تقرّه المؤسسات المعنية بإقراره.

وإذا كان الحديث عن أهمية استبدال بعض أعضاء المجلس، وبعض أعضاء اللجنة التنفيذية صحيحاً؛ إلاّ أن الأكثر صحة هو الحديث عن ضرورة إجراء تغيير جوهري في بنية أعضاء المجلس، ما يتناسب مع خطورة المرحلة، وأهميتها، وبما يتناسب مع المهام الجسيمة الملقاة على كاهل ممثلي الشعب الفلسطيني، نساء ورجالاً.

المطلوب تغيير جوهري، يساهم في مواجهة التحديات السياسية الكبرى، ويبني استراتيجية قادرة على وصول الشعب لأهدافه الوطنية في الحرية والاستقلال.

*****

ضمن جلسة من جلسات أعضاء المجلس الوطني في الأردن، والتي تعقد أحياناً لإطلاع الأعضاء على مستجدات الوضع السياسي، وأحياناً لاتخاذ موقف سياسي مما يجري، وكثيراً لتأييد موقف القيادة الفلسطينية؛ ثمَّن أعضاء المجلس قرارات دورة المجلس المركزي الأخيرة، التي نصت على وقف التنسيق الأمني، إلى جانب قرارات سياسية أخرى.

طالبت من خلال مداخلتي؛ أن نثمِّن مواقف القيادة السياسية حين تنسجم مع طموحات الشعب الفلسطيني، وما تتطلبه القضية الوطنية، مثل وقف التنسيق الأمني، وأن نوجِّه نقداً للقيادة السياسية حين تتنكر للقرارات التي اتخذتها وصادقت عليها سابقاً، مثل عودتها عن قرار وقف التنسيق الأمني، تطبيقاً للمفهوم الديمقراطي للعمل السياسي، الذي يتضمن المساءلة.

*****

المطلوب احترام ذاكرتنا، واحترام عقولنا، واحترام مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، عبر رفدها بالكفاءات، لا بالولاءات السياسية.

يجدر التذكير بخمس قضايا أساسية اتفقت عليها "لجنة منظمة التحرير الفلسطينية"، بالإجماع، في القاهرة، خلال مؤتمر الحوار الوطني الفلسطيني، في آذار 2009:

الأولى: انضمام كل القوى والفصائل إلى منظمة التحرير الفلسطينية، وفق أسس ديمقراطية، ترسخ مكانة منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا في أماكن تواجده كافة.

وتشكيل مجلس وطني جديد، وفق مبدأ التمثيل النسبي الكامل، وبقانون يتفق عليه، وبالتوافق، في المواقع التي يتعذَّر فيها إجراء الانتخابات، في موعد أقصاه: 25/1/2010، بالتزامن مع انتخابات المجلس التشريعي.

والثانية، تحدِّد ولاية المجلس الوطني بأربع سنوات، بحيث تتزامن مع انتخابات المجلس التشريعي. والثالثة، تتحدَّث عن تشكيل لجنة متخصصة لإعداد قانون الانتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني، تكوِّنها اللجنة المكلفة بتطوير منظمة التحرير الفلسطينية، حسب إعلان القاهرة 2005.

والرابعة، تربط انعقاد أول اجتماع للجنة المكلفة بتطوير وتفعيل المنظمة، مع الإعلان عن تشكيل الحكومة الجديدة.

والخامسة، تضيف إلى مهام اللجنة تحديد العلاقة بين المؤسسات والهياكل والمهام، لكل من منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية، خاصة العلاقة بين المجلس الوطني والمجلس التشريعي، بما يحافظ على مرجعية منظمة التحرير الفلسطينية للسلطة الوطنية الفلسطينية، ويضمن عدم الازدواجية بينهما في الصلاحيات والمسؤوليات.

*****

من الضروري ألاّ تختزل قضية انعقاد المجلس بدخول الفصائل، والقوى المجتمعية المتعددة، والشخصيات المستقلة، والتي لم تكن ضمن أطر منظمة التحرير الفلسطينية، إلى تشكيلاتها؛ بل تتعدّى ذلك الفهم، إلى أهمية الاستجابة الأعمق والأدق لاحتياجات الشعب الفلسطيني، في الاستجابة لتمثيل مصالحه السياسية والمجتمعية معاً؛ عبر الوصول إلى الفلسطينيين، في مواقع تواجدهم كافة، والاستماع لآرائهم، وآمالهم، وطموحاتهم، كي تضعها في اعتبارها، حين تتحدَّث عن تمثيلهم.

أما التمثيل النسبي؛ فمن الضروري أن يتم الانتخاب وفقه (أينما أمكن ذلك)، كأداة ديمقراطية، تضمن أوسع مشاركة لأبناء الشعب الفلسطيني؛ الأمر الذي يعيد ثقتهم  في قدرة منظمة التحرير الفلسطينية على تمثيلهم، والتعبير عنهم.

*****

من الضروري أن ترفع مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية صوتها لتغيير المسار، وخاصة الاتحادات الشعبية الفلسطينية، التي يجدر أن يكون لها موقف مستقل عن التنظيمات السياسية؛ لأنها تنظيمات شعبية، يفترض أن تمثل شعبها خير تمثيل.

لا يليق بممثلي/ات الشعب الفلسطيني مراقبة ما يحدث فحسب. واجب أعضاء المجلس الوطني، والمركزي، وقيادات الاتحادات الشعبية وأعضائها، أن يكونوا شهود حق وليس شهود زور، وأن ينهضوا بمسؤولياتهم قبل أن تغرق بنا المركب جميعاً.

المصدر: الأيام

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

د. فيحاء عبد الهادي

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر