Menu
حضارة

 السياق السياسي والاقتصادي للتبعية : الحكم السعودي أنموذجاً

عليان عليان

خاص بوابة الهدف

في حقبة العولمة وتأثيراتها على دول العالم الثالث ، عمل خبراء الاقتصاد السياسي للرأسمالية على تصنيف هذه الدول ، وفق قدراتها الاقتصادية  ودورها في سياق التبعية  للنظام الرأسمالي، ووفق هذا  التصنيف أصبحنا أمام المسميات التالية :(الدول الرخوة) التي  لا تملك سيادتها وقرارها الاقتصادي والسياسي ، (الدولة المنهارة) " كالصومال وأفغانستان" ، والدول المجهرية " مثل " جزر" (Coumansجنات التهرب الضريبي وغسيل  الأموال"(وشبه الدول) كما هو الحال بالنسبة لبعض الدول الإفريقية، ودول للبيع (  دول القمامة)-وهيلا تعدو كونها مزابل للنفايات الصناعية وغيرها من الوظائف القذرة ،

لكن هؤلاء  الخبراء غيبوا تصنيفاً في غاية الأهمية ، ألا وهو تصنيف " الدولة الوظيفية – النظام الوظيفي" الذي نحن بصدد سواءً كانت هذه الدولة تمتلك قدرات نفطية ، أو مرتهنة لصندوق النقد والبنك الدوليين.

 ويشكل النظام السعودي بشكل خاص والأنظمة الخليجية عموماً ، كمثال  وأنموذج للنظام الوظيفي التابع بحكم النشأة للإمبريالية البريطانية ابتداءً ، والتبعية للإمبريالية الأمريكية لاحقاً  منذ اللقاء الذي جمع الملك عبد العزيز آل سعود والرئيس الأمريكي روزفلت بعد الحرب العالمية الثانية، على ظهر طراد في البحر الأحمر،فالنظام السياسي السعودي منذ ذلك اللقاء وقع "اتفاقاًللتبعية " مفاده  : خذوا ما تشاءون من ثروات السعودية ، مقابل ضمان وأمن الحكم السعودي في شبه الجزيرة العربية.

لقد أصبح الوطن العربي أمام نظام وظيفي تابع  ، نظام نقل التبعية بالتدريج من الخانة البريطانية إلى الخانة الأمريكية، بعد معركة السويس 1956 م ، وبعد أن طرحت الإدارة الأمريكية مبدأ إيزنهاور  " ملء الفراغ".

نظام  له مهام محددة وفق الرؤية والتوظيف الأمريكي ، وعلى رأس هذا المهام إفساح المجال للشركات النفطية  الأمريكية لنهب ثروات البلاد النفطية ، وسرقة فائض أموالها للتخزين الإجباري في البنوك الأمريكية هذا ( أولاً) ( وثانياً)إفساح المجال للشركات الأمريكية  لتنفيذ مشاريع مختلفة تقترحها الدائرة الاقتصادية في المخابرات الأمريكية  لنهب المزيد  عائدات النفط وفق ما أشار إليه جون بيرغنز في كتابه ( القاتل الاقتصادي) ( وثالثا) التصدي لقوى التحرر العربية ودعم قوى الثورة المضادة ، وفي الذاكرة الذي لعبه الحكم السعودي في التآمر على تجربة الوحدة المصرية- السورية ، وفي محاربة ثورة اليمن التي قادها عبد الله السلال بدعم من الجيش العربي المصري ، وإقامة علاقات من تحت الطاولة مع الكيان الصهيوني ، بانتظار الظرف الموضوعي للإعلان عنها ، هو ما يحصل الآن من علاقات تطبيعية وتحالفية مع الكيان الصهيوني في مواجهة عدو مزعوم ( إيران) ومن تبني لصفقة القرن بهدف تصفية القضية الفلسطينية

ما يجب الإشارة إليه أن الملوك الذين تعاقبوا على حكم السعودية  وعلى معظم دول الخليج، حصلوا على هامش من الاستقلالية الشكلية، ليتمكنوا من أخذ دورهم الرئيسي في الجامعة العربية ، وهذا الهامش تمثل بالخطاب الشكلي عن أهمية التضامن العربي ، والمشاركة في القمم العربية، والزعم بالحديث عن مركزية القدس في الصراع ، وعن الحقوق الفلسطينية ...كل ذلك بهدف تمرير المشاريع الرجعية والامبريالية لاحقاً، ولعل توظيفهم لمؤسسة الجامعة العربية، لإسقاط نظام العقيد معمر القذافي تلبية لإملاءات " النيتو " ، ومؤامراتهم المستمرة على سورية العروبة ، لبرهان كبير على دورهم الوظيفي في خدمة الامبريالية.

وبشأن الدور الوظيفي للنظام السعودي في هذه  الأيام والمرحلة الراهنةنتوقف أمام المؤشرات التالية  على سبيل المثال لا الحصر

أولاً :العدوان المستمر على اليمن منذ 25 مارس- آذار 2015

العدوان المستمر على اليمنفي إطار مأ أسمته السعودية " التحالف العربي" وهو في الحقيقة تحالف سعودي إماراتي ، تحت مبرر مزعوم " مواجهة النفوذ الإيراني في اليمن  والبحر الأحمر"، في حين أن الهدف الحقيقي من العدوان هو الإبقاء على اليمن كحديقة خلفية للحكم السعودي خدمة للمصالح الصهيو أمريكية ، وبهدف جعل البحر الأحمر  ومضيق باب المندب  خاضعاً للنفوذ الأمريكي الإسرائيلي ، ناهيك عن الاستهدافات الأمريكية بإدامة الحرب لإدامة تشغيل مصانع السلاح  الأمريكية  والغربية ، لعقد صفقات التسلح بمئات المليارات من الدولارات.

لقد مضى على هذه الحرب ست سنوات ، ولم يحقق التحالف السعوديأياً من أهدافه رغم مجازر التحالف السعودي في اليمن، وسقوط آلاف الشهداء من المدنيين من النساء والأطفال،في حين نجح  الجيش اليمني،في نقل المعركة لداخل السعودية عبر ضربات متكررة للمواقع والمنشآت النفطية،بأرتال من الطائرات المسيرة ، وعبر القصف شبه اليومي بالصواريخ الباليستية للمطارات السعودية ، ناهيك عن نصب الكمائن الاستدراجيةللجيش السعودي وقوات هادي والمرتزقة السودان يين وغيرهم ، التي أسفرت عن مقتل  المئات منهم ووقوع الآلاف بالأسر.

لقد أدمت هذه الحرب الاقتصاد السعودي ، ووضعته على حافة الإفلاس ،فالسعودية في عدوانها على اليمن منذ ست سنوات، وحملتها السياسية ضد إيران، تكبدت خسائر اقتصادية فادحة ، وفقدت خزينتها مئات المليارات من الدولارات ، وفي الذاكرة القريبة رقم أل 450 مليار دولار الذي دفعه محمد بن سلمان لإدارة ترامب كعربون للحماية الأمريكية ناهيك عن الأثمان العالية بعشرات المليارات لصفقات السلاح، التي أبرمها مع كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا واسبانيا وغيرها من دول حلف الأطلسي.

فالسعودية الآن تعيش أزمة اقتصادية هائلة انعكست على الشعب السعودي وعلى كل  القطاعات الاقتصادية ، ولجأت الإدارة السعودية على فرض رسوم إقامة باهظة على الوافدين  حيث تشير آخر الإحصاءات ، إلى أن أكثر من (2) مليون موظف وعامل وافد غادر السعودية خلال العامين الماضيين.

 لقد ذهبت مجلة التايمز البريطانية إلى تقدير تكلفة الحرب بنحو 200 مليون دولار يومياـ أي 72 مليار دولار سنويا و216 مليار دولار في ثلاث سنوات، أي بقيمة _360) مليار دولار في خمس سنوات ، في حين أشارت مصادر أخرى إلى أن المبلغ أكبر بكثير، وتقدره فورين بوليسي بنحو 725 مليار دولار في الأشهر الستة الأولى فقط منها الصفقات العسكرية للمملكة.

وتشير فورين بوليسي إلى أن نفقات قمرين اصطناعيين للأغراض العسكرية بلغت 1.8 مليار دولار دولار في الأشهر الستة الأولى للحرب، بينما تبلغ تكلفة طائرة الإنذار المبكر (أواكس) 250 ألف دولار في الساعة، أي 1.08 مليار دولار سنويا.

 

وتشير تقارير سعودية إلى أن تكلفة الطائرات المشاركة بالحرب تصل إلى نحو 230 مليون دولار شهريا، تشمل التشغيل والذخائر والصيانة أي أكثر من ثمانية مليارات دولار في ثلاث سنوات.

 

وفي مارس/آذار 2017– على سبيل المثال - أعلنت قوات التحالف بقيادة السعودية أن عدد الطلعات الجوية التي نفذها طيرانه في اليمن بلغت أكثر من 90 ألفا، وبالتالي تكون تكاليف الضربات الجوية قد بلغت خلال عامين ما بين سبعة مليارات وتسعة مليارات، إذ تترواح تكلفة الطلعة بين 84 ألفا و104 آلاف، وهي تكلفة الطلعة بمقاييس القوات الجوية الأميركية

ثانياً : الدور السعودي في إغراق سوق النفط تنفيذاً للإملاءات الأمريكية

 ويتمثل في لجوء ولي العهد السعودي إلى إغراق سوق النفط العالمي بزيادة الانتاج اليومي للسعودية من(9,8) مليون برميل يومياً إلى حوالي (12,3) مليونبرميل يومياً ،بناءً على بتعليمات من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهذا الإجراء قد يؤدي إلى هبوط سعر البرميل ليصبح ما بين 25-30 دولار، والهدف من لعبته القذرة  ضرب كل من الاقتصاد الروسي والإيراني والفنزويلي.

 وجاء هذا الإجراء السعودي  عقاباً  لروسيا على انسحابها روسيا من  اتفاق  " أوبك +1 " الذي سعت الإدارة الأمريكية سابقاً، على تعطيله للإضرار بالاقتصاد الروسي ولاقتصادات الدول التي لم تذعن للسياسات الأمريكية

وهو  بلعبته هذه يقود الاقتصاد السعودي إلى حافة الانهيار ، بل إلى الانهيار نفسه، ويؤذي بلاده أكثر مما يؤذي البلدان المستهدفة ، وهو بهذا السلوك كمن يطلق النار على قدميه.

وفي الذاكرة القريبة  عندما لجأت السعودية عام 2014 إلى إغراق سوق النفط تنفيذا  للإملاءات الأمريكية، لضرب الاقتصاد الروسي والإيراني والفنزويلي ، وكانت النتيجة أن خسرت السعودية في ذلك العام 150 مليار دولار ، وأن عانت موازنتها من عجز كبير ، ما دفع الدولة النفطية الثانية في انتاجها  على مستوى العالم ( السعودية) ، أن تضطر للاقتراض من صندوق النقد الدولي.

فروسيا المستهدفة من تخفيض أسعار النفط ، صمدت في حينه، وساعدت فنزويلا على الصمود ، ولم تتوسل صندوق النقد الدولي لمواجهة أي عجز في موازناتها.

ووفق العديد من الخبراء الاقتصاديين ، فإن نزول سعر برميل النفط دون (85) دولار يعني دوام العجز في الموازنة السعودية، فما بالك عندما يهبط سعر النفط إلى (25) دولار، في حين أن روسيا تستطيع أن تتكيف حتى مع سعر أقل من (25 )دولار للبرميل لمدة  تزيد عن ست سنواتبحكم مصادر دخلها المتعددة ، حيث يشكل النفط (40) في المائة فقط من دخل الاقتصاد الروسي هذا ( أولاً ) ( وثانيا) بحكم مرونة الروبل في التبادل التجاري مع الصين وبحكم طبيعة النظام الضريبي المعمول به في روسيا الاتحادية( وثالثاً) بحكم  توفر احتياطي بقيمة (750) مليار دولار في البنك المركزي الروسي.

وكانت الحكومة الروسية أطلقت عمليات شراء العملات الصعبة من السوق المحلية منذ مطلع عام 2017 ، أي بعد توقيع  اتفاق " أوبك +" الذي ساهم في ارتفاع أسعار النفط حتى مستويات أعلى من السعر المعتمد في الميزانية الروسية(32 دولار للبرميل)، وبذلك وفرت الاتفاقية لروسيا فائض إيرادات نفطية، أخذت تخصص الجزء الأكبر منه شهرياً لشراء العملات الصعبة من السوق ، وشكل ذلك  الفائض مصدر الدخل الرئيسي والأهم لزيادة مدخرات صندوق الثروة الوطني ، الذي تسعى روسيا للاعتماد عليه في ظل الأزمة الحالية.

وأكدت وزارة المالية الروسية مؤخراً ، أن مدخرات صندوق الثروة الوطني ، تكفي لتغطية العجز في الميزانية على مدار 6- 10 سنوات ، في حال تراجع النفط حتى 25 -30 دولار للبرميل ، وكشفت أن حجم تلك المدخرات بحلول الأول من شهر مارس آذار الحالي– 2018 ( 10,1 ) تريليون روبل ، أي ما قيمته ( 150,1) مليار دولار ، أو ما يعادل  (9,2) في المائة من الناتج الإجمالي المحلي.

الاقتصاد السعودي ، ينزف بالمليارات جراء العدوان على اليمن ، وجراء دفعه ( الخوات) للإدارة الأمريكية  بمئات المليارات من الدولارات، والحبل على الجرار .

واللافت للنظر هنا أن الحكم السعودي يلجأ لصندوق النقد والبنك الدوليين لسد العجز الكبير في موازنته ، ،رغم أن حيازة السعودية من سندات الخزانة الأمريكية  وصلت إلى 182.9 مليار دولار في يناير 2020