Menu
حضارة

" صفقة القرن" السياسي بمضمون ثقافي

وليد عبد الرحيم

نُشر هذا المقال في العدد الأخير من مجلة الهدف الرقمية

وقَعَ الفلسطينيون مجدداً بخطأ التوصيف والتقييم الدراسي الهادئ  لفحوى أعماق قضاياهم، وها هم مجدداً ينظرون إلى ما عُرف بـ "صفقة القرن" على أنه نصٌّ مبادرٌ كحلٍّ لحالة أو قضية سياسية، ويبدو بأن غالبيتهم لا يدركون الواقع الحقيقي، كما كانوا في كل مرة منذ قرن خلا.

في الحالة الفلسطينية المتأصلة- مفردات القضية، فإن الجهد التقييمي الذي ينظر نحو أيّ من مفردات الواقع أو أحداثه أو فحواه وتجلياته بعين واحدة فإنه يبذل جهداً قاصراً لا مناص من تحوله إلى منهج وقاعدة تخدم العدو مُحصِّلةً عن غير دراية، فالقراءة الخاطئة لن تنتج تقييماً صحيحاً، والاكتفاء باصطياد الشعارات والمقولات لن يكون مآله إلا الرفد لحالة سطحية.

ربما لم يعد خافياً حتى على المفكرين الأوسلويين أن المواد الواردة في الإعلان الترامبي إنْ هي إلا استكمالٌ لجوهر النظرية الصهيونية التي لم تتحقق بعد ولا أظنها متحققة مستقبلاً، لهذا فإن لغة الفتك الصهيونية بأصول ومقومات وتفاعلات الصراع تسود في شتى جنبات "الصفقة"، وهكذا وعلى الرغم من نكران الصهيونية لـ بروتوكولات حكماء صهيون، فإن الصفقة لا يمكن وضعها إلا في سياق هذه البروتوكولات، وهذه المرة هي تسعى بالدرجة الأولى إلى خرق الاستعصاء التاريخي للاستمرارية وتفتيته، هذا الاستعصاء يتمثل بقلعة الثقافة الفلسطينية وتاريخها المتأصل طبيعياً ومآلاتها المتوقعة، حيث أن النازية الصهيونية تعجز مراراً عن تفكيك ذلك، وهذا الجهد الصهيوني الذكي يبدأ من حيث الجزرة الاقتصادية ولا ينتهي باستنفار أصوات مدهشة بغرابتها؛ تهاجم تاريخ وحضارة وثقافة فلسطين وشعبها بشكل مفاجئ وبلا مقدمات أو مناسبة!

لقد فوجئ البعض منا- بل الأغلبية- بسر انطلاق العديد من الأصوات التي تهاجم بشكل مفاجئ الشعب الفلسطيني وهويته وتاريخه، وكان غالبية تلك الأصوات تتلحف بمفردات دينية إسلاموية وعربية وثورية أحياناً تمجد اليهودية واليهود و"دولة إسرائيل الديمقراطية" وتدين الفلسطينيين، وهذا يدل على فشل ذريع للجهود الصهيونية السياسية والدينية المباشرة، لهذا تم استنفار الصهيونية العربية والإسلامية للقيام بالدور نيابةً، وتم تقديم مزايا إعلامية ونقدية من قبل دوائر مخابرات ومؤسسات بلغت في بعض الحالات مبلغ عشرة آلاف دولار لقاء البوست الواحد على فيس بوك مثلاً! أو تم تحفيز الحيوان الطائفي وال قطر ي لدى بعض ثوار الناتو ليبث مجاناً وبسذاجة بأن العلاقة مع الصهيونية تنقذ البلاد العربية التي تحدث فيها حروب ونزاعات، في حين أن مساندة الفلسطينيين خاسرة، والبعض ذهب بغباء مضحك مبكٍ إلى محاولة سحب ملكية فلسطين من الفلسطينيين.

قد يستغرب البعض الفقرة السابقة وعلاقتها بالصفقة المزعومة، لكننا لم ننتبه ربما إلى أن ما سبق كان هو التحضير الجدي للمجتمع والثقافة العربيين لاستقبال الصفقة! هذه النقطة هي التفسير العميق لصدور تلك الأصوات، وليس نزاع العرب مع إيران، ولا خيانة الأنظمة أو وطنيتها، كما ليست الأطماع الإيرانية الفارسية ولا عدم وجودها، كل ذلك كان تفاصيل تتويهية لخلق أرضية ثقافية صالحة برأي الصهيونية للزراعة؛ زراعة مفردات جديدة تنبت مفاهيم الصفقة، وأول بنى نجاحها تمييع مفهوم وتوصيف "من هو العدو".

الردود الفلسطينية عموماً، بخاصة تلك التي حملت شحنة شتائم ساخنة على الخليجيين والعرب، أو بدأت بالبحث عن مقولات دينية إسلامية للرد على " اليهود" كانت العامل المساعد الأول في تحقيق مآرب الصهيونية التي تسعى ليلاً نهاراً لنقاش المسألة الفلسطينية وقضاياها بوصفها صراعاً دينياً على القدس والأقصى والهيكل الوهمي، وإن كانوا يروجون عبر متناقضين "أهل كتاب" أم "قردة وخنازير"! وهو ما ساهم بفاعلية بتصوير الصراع على أنه ديني لا سياسي أو تاريخي أو إنساني، في محاولة لإعادة "تديين الصراع" وهو ما فشلت النازية الصهيونية بتحقيقه بمساعدة المتأسلمين خلال نضالها من أجله لقرن كامل خلا.

لا تكمن "صفقة القرن" في بنودها الظاهرة، بل في آلية التعاطي معها، كيفية مناقشتها، وأعتقد بأن دواهي السياسة الصهيونية في الولايات المتحدة والكيان الصهيوني تعلم تماماً مسبقاً بفشل الخطة كجهد سياسي أو تفاوضي، لكنها أسستها وقررتها لهدف تفكيك بنية الواقع الثقافي الفلسطيني والعربي بصورة أكبر مما هي عليه حالياً، أي تحويل آلية التفكير والقناعات تجاه ما يجري وسيجري، كما تعبر عن الإفلاس التام للنظرية الصهيونية وإدراك استحالة بقاء "إسرائيل"، الهاجس المؤرق لحكومة العالم الخفية هذه الأيام، وللنظام الصهيوني بشكل أكبر وأكثر عمقاً.

سوف أورد هنا بعض التحليلات والأصوات المهمة الواعية في الكيان، والتي تعبر عن قناعة شريحة واسعة من محتلي أرض فلسطين، مثلاً هذا الجنرال "اسحق بريك" الذي خدم طويلاً في جيش الإرهاب الصهيوني يقول حرفياً، أقتبس بعضاً منها ها هنا من متابعة الزميل "زهير أندراوس": "فقدت إسرائيل القدرة على الدفاع عن الجبهة الداخلية - عن شعبها يقصد-، يتابع "... إن البيت ما زال قائماً في مكانه، لكن التصدع في الذروة..." ويتحدث الجنرال عن تهديد صواريخ المقاومة الفلسطينية وحزب الله و سوريا وإيران مشيراً إلى أن "إسرائيل فقدت قدرتها على الدفاع، وهو يصف ذلك بدقة وحرفياً بقوله: " قدرة دفاع صفر".

وبحسب مقال في صحيفة هآرتس فإن "آري شافيط" يكتب حرفياً منذ نحو العامين: "إن إسرائيل كدولة تلفظ أنفاسها الأخيرة.." ودعا إلى "مغادرة البلاد، يجب توديع الأصدقاء والتوجه نحو سان فرانسيسكو... إن إسرائيل والإسرائيليين حصيلة كذبة اخترعتها الحركة الصهيونية حول المحرقة وأرض الميعاد.." يضيف "يجب على إسرائيل ابتداع لغة سياسية جديدة تعترف بواقع أن الفلسطينيين متجذرون في هذه الأرض والبحث عن طريق ثالث من أجل البقاء على قيد الحياة هنا وعدم الموت ...".

مع هذه الحالة السيكولوجية الجَمعية والسياسية والبنيوية التي تتفشى في المجتمع الصهيوني وداخل دولة الكذب، كان لا بد من استنفار الورقة الأخيرة وقد حدث ذلك فعلاً، فتم استنفار الأنظمة العميلة سراً منذ سنوات طويلة وبوقاحة وعدم مهنية تعبر عن التخبط والفزع العميقين لدى قادة الكيان، وتمت مطالبة العملاء من حكام وغير ذلك بالقيام بحملة ضد مشروعية فلسطين وشعبها وعاصمتهم بعد فشل الصهيونية مباشرة في تحقيق ذلك، وكان هذا سر التوافق الزمني بين قناعة زوال الكيان والتجذر الفلسطيني، وبدء الهجوم بأصوات عربية ومتأسلمة، والبحث عن مؤتمرات ومقولات دينية تقرب صورة اليهودي للإسلامي وهو ما يفعله يومياً وبسطحية وكوميدية المتحدث باسم جيش الإرهاب الصهيوني " أفيخاي أدرعي".

تأتي صفقة القرن استكمالاً لكل ذلك، ويعلم نتنياهو وكوشنر بأنها لن تكون ذات فائدة تُذكر، وبأنها ستفشل نصاً بينما تُنفذ واقعاً، فالنازية الصهيونية قادرة على تحقيقها على الأرض، بل وحققت الكثير من بنودها قبل الإعلان عن الصفقة، بل وقبل ابتكارها حتى!

كل ما تريده الصفقة هو مبرر للمرحلة القادمة من علاقة النظام العربي العلنية- بعد سريتها- مع الكيان، ليتطور العلني نحو لوم وإدانة الفلسطينيين الذين "لا يرغبون بالسلام"، بل ويرفضون الميزات المالية والاقتصادية والجغرافية ووو، وهو ما سوف يبرر بطش الأنظمة أكثر بالفلسطينيين عموماً ونزع الشرعية عن المقاومة بكافة أشكالها، وعن حقوقهم التاريخية التي يُهدف إلى تصويرها بمظهر المتزمت غير الواقعي، لا بل هي قضايا - كحق العودة ودولتا الضفة وغزة- متزمتة مستحيلة التحقيق، إنها صياغة أخرى للأسطوانة الإسرائيلية المتكررة التي تبرر جرائمها الموصوفة دولياً بدعوى أن هناك خطراً على بقاء" الدولة"، وإبادة اليهود من قبل الفلسطينيين والعرب...

إن قلب المصطلحات والمفاهيم والمفردات الثقافية هو الهدف الأول والأخير من طرح صفقة القرن، لا السياسي أو العسكري مباشرة، فها هم يحققون البنود على الأرض، لكنهم يبحثون عن مكاسب أخرى تنطلق هذه المرة من قبل بيت العرب والفلسطينيين، مكاسب انقلابية فكرية قد تساهم في بقاء الكيان وإطالة عمره وإن لسنوات أخرى عبر تفتيت و إنهاء "حالة سيكولوجيا العداء"، فلا حل آخر لديهم ريثما يدمرون دول الوطن العربي ويفككون عراها، حتى الدول الخليجية التي يفرضون عليها أتاوات باهظة توازي اقتصاديات كبرى في العالم لن يفيدها ذلك، ولن ينقذها من الاستهداف والتدمير، فعندما تنتفي مشروعية القضية الفلسطينية ينتفي بالتالي أساس لُحمة وبنى المجتمع العربي سواء داخل الأقاليم أو فيما يخص الكل العربي، تلك هي المسألة.