Menu
حضارة

رؤى حول "الربيع العربي" !

محمد صالح التومي - المعروفي

خاص بوابة الهدف

عاش الوطن العربي منذ 17 ديسمبر . كانون الأول 2010، تاريخ إحراق محمد البوعزيزي لجسده بسيدي بوزيد بتونس احتجاجا على البؤس المحيط به حالة غليان، شكَل خروج المستبد زين العابدين بن علي إلى جدة بالحجاز وبدون رجعة بتاريخ  14 جانفي ـ كانون الثاني 2011، حافزًا لإطلاق اسم " ثورة الياسمين" على ما وقع، ومناسبة لاستنساخ التجربة في أحداث متتالية وقعت في مرحلة أولى سنة 2011، في مصر وليبيا والبحرين واليمن وسوريا، مع محاولتين لم تستمرا حينئذ في الجزائر والمغرب الأقصى، كما تكررت في مرحلة ثانية خلال سنة 2019 بالجزائر وبالسودان وبالعراق وبلبنان... وقد أطلق على تلك الأحداث جميعها  اسم "الربيع العربي"...

هل كانت هناك مؤامرة؟

الحقيقة، وبعيدًا عن هذا التسرع المقصود في تسمية ما وقع بالربيع، أن ما جدَ يثير أسئلة معرفية ومفاهيمية عديدة لا بد من طرحها بكامل الجدية؛ فلقد عرف العالم قبل هذا "ترتيبات" أطلق عليها اسم "الربيع"، مثل" ربيع براغ" الذي عرفته تشيكوسلوفاكيا سنة 1968، قبل انقسامها  فيما بعد إلى دولتين هما تشيكيا وسلوفاكيا، ومثل "ثورة القرنفل" بالبرتغال سنة 1975، ومثل التحركات التي انطلقت مع بيروسترويكا غورباتشوف  سنة 1985 وعرفت أوجها في رومانيا بإعدام بعض الغاضبين هناك لنيكولاي تشاوسيسكو وزوجته إيلينا في الشارع وبدون أدنى محاكمة، وهي التحركات التي ستؤدي شيئًا فشيئًا: إلى سقوط ما بقي من التجربة الاشتراكية بالاتحاد السوفييتي، الذي كان متكونًا من خمسة عشر جمهورية  وقع التمهيد بتلك الصفة لانفراط عقدها في ديسمبر سنة 1991، وإلى هدم حائط برلين قبل ذلك في نوفمبر 1989 في لحظة أريد لها أن تكون تاريخية ورمزية وحتى مسرحية؛ إذ تحت تضخيم إعلامي منقطع النظير، إيذانا بالانتقال إلى القطبية الأحادية، ومثل "الثورات الملونة ":

 بلون "الورود" التي وقعت في جيورجيا في نوفمبر  2003، وبلون "البرتقال" التي وقعت  في أوكرانيا في نوفمبر 2004، وبلون "الزنابق" التي وقعت بكيرغيزيستان في مارس 2005...

 وكل هذه الثورات الملونة تشترك كما هو ملحوظ  في وقوعها في دول مجاورة  لروسيا الاتحادية، فالتحركات حول هذه الأمة  تستهدفها إذن  بدون منازع؛ بل لقد اتضح عند النهاية أن المخابرات الأطلسية كان لها دورها الواضح في رسم مسار تلك التحركات الملونة التي سموها باطلًا "ثورات"، وصولًا بها إلى الأهداف المرسومة لها سلفًا من قبل المستفيدين من ورائها من أطراف خارجية متحالفة مع عملاء في الداخل... وهي المسارات التي تصدت الأمة الروسية بنجاح إلى بعض جوانبها.

يستند العمل المخابراتي العصري على ما توصل إليه علم البرمجية العصبية الألسنية، الذي تم الإعلان عن اكتشافه في "أمريكا" سنة 1970 من طرف ريشارد باندلار وجوهن قريندار، وتم اختباره على الأفراد كطريقة علاجية لأمراضهم النفسية، ثم  شيئًا فشيئًا امتد اختباره إلى الجموع البشرية في صيغ بلغت نقطة قصوى سنة 2006 مع روبير ديلتس، حيث انطلاقا من إسهامه ووصل هذا العلم إلى جيله الثالث، وأصبح مهتمًا بتغيير الأنظمة والتأثير على تحرك المجموعات والمنظمات، ثم لم ينقطع تطويره منذ ذلك الحين.

ويعتني هذا العلم بالمحددات السلوكية المشتركة بين جميع البشر مهما تباينت انتماءاتهم الجغرافية والثقافية انطلاقًا مما هو لغوي وعصبي في نفس الوقت... ومن ثمة محاولة التأثير على أدائهم الفردي أو الجماعي مع إمكانية توجيههم سلبيًا أو إيجابيًا قدر المستطاع  نحو أهداف محددة سلفًا.

وقد وجدت المخابرات المتطورة في هذا العلم وسيلة ناجعة يمكن استعمالها للتأثير على حركة الجموع البشرية، بما يجعلها تنساق في المسارب التي رُسمت مسبقًا داخل مراكز الدراسات العملاقة (الثينك ـ   تانكس)، تحقيقًا للأهداف الكبرى للأوليغارشيا، أي الطغمة المالية العالمية.

وتتمثل الوسائل المعتمدة من زاوية النظر التي تعنينا هنا في التظاهر خداعًا بالاستجابة إلى النوازع البشرية والحاجيات الأساسية للإنسان، وهي حاجته إلى الطعام وإلى الحرية وإلى الانتماء إلى دائرة روحية أو لغوية أو ثقافية... ولكنها إذ تعمل على إطلاق هذه النوازع من عقالها في منحى أول أو على التدخل في منحى ثان في مسارها بعد انطلاقها، فهي تسعى إلى الانحراف بها أثناء فوضى التحركات وتصادم الإرادات والمصالح لتضعها في القوالب المراد تحقيقها... فتجد الجموع نفسها قد عاشت إلى هذا الحد أو الآخر حسب درجات تطورها وموازين الصراع داخلها أو بينها وبين أعدائها في وهم كبير، أو في نوع من خداع النفس، الذي قد لا يمكنها الاستفاقة منه بسهولة؛ كون هذا الوهم تغذيه وسائل الإعلام الجبارة ووسائط الاتصال الحديثة التي كثيرًا ما تلجأ إلى الأكاذيب الإعلامية المبهرجة، وعادة ما تكون سباقة في نحت المفاهيم والتعابير والصياغات في نطاق حرب المعاني المضللة للعقل والناشرة للوعي الزائف... وهي الحرب التي تخاض في عصرنا هذا بدون رحمة وبلا هوادة.

يمكن أن يرى البعض في مثل هذا الكلام تجسيمًا لما يسمى بنظرية المؤامرة التي أجبر الكثيرون، وحتى من المفكرين المعروفين، على إعلان براءتهم من اعتناقها تجنبًا للتبعات التي قد تنجر لهم عن ذلك ماديًا أو معنويًا، ولكن الأمر ليس تمامًا على هذه الشاكلة بالنسبة إلى ما نذهب إليه، ولذلك فنحن في هذا الخصوص إزاء توضيح لا بد لنا من تقديمه.

لا يندرج هذا التوضيح في خانة نفي وجود المؤامرة، وذلك لأن المؤامرة موجودة فعلًا وواضحة للعيان تمام الوضوح... بل إن المستغرب أن لا تكون موجودة، لأن حاجة الأوليغارشيا المالية إليها لا يمكن بكل بساطة إنكارها: فمصانع الأسلحة لا بد لها من تكسير السلاح[1] وافتعال الحروب لإعادة تشغيل آلياتها، ولوبيات إعادة الإعمار لا بد لها من إثارة نزعات التدمير لبيع معداتها، ومخازن الصيرفة العملاقة لا بد لها من نشر ثقافة الاعتماد على الغير والدفع نحو الاقتراض ونبذ ثقافة الاعتماد على الذات لتنمية عائداتها، والشركات العابرة للجنسيات التي تنتج جميع أنواع السلع الغذائية والدوائية والصحية والميكانيكية والاتصالية في حاجة إلى الطاقة من نفط وغاز وإلى المواد الأولية التي يمكن أن تكون نادرة فيصل بها الأمر إلى العدوان وإلى الاحتلال وإلى افتعال الأمراض والأوبئة من أجل تشغيل ذاتها، وهكذا فكل هذه المجاميع ترسم خططًا معدة سلفًا لبلوغ غاياتها، وهذه الخطط التي قد تكون جهنمية أحيانًا لا يمكن أن نشير إليها إلا بكونها تندرج في خانة المؤامرة؛ فيبقى التوضيح المقصود والذي  نعتبره ضروريًا، متعلقًا  فقط بحدود هذه الخطط وهذه المؤامرات وبمدى تأثيرها على من تستهدفهم، إذ لا بد لنا هنا من أن نعتمد نظرية العلاقة الجدلية بين الأسباب الخارجية والأسباب الداخلية حتى تتضح المقاصد تمامًا، ولنقم بذلك من خلال ما يصيب أجسام الكائنات الحية من العلل؛ إذ من المفهوم أن الفيروسات والبكتيريات والجراثيم لا يمكنها كأسباب خارجية أن تجد طريقها إلى فرض نفسها وأداء مهامها، إلا إذا وجدت في باب الأسباب الداخلية اختلالا في عمل نظام المناعة وضعفًا في أداء الحصون الدفاعية التي من المفروض أن تحاصر، ثم أن تصد، أو أن تبيد كل هجوم خارجي، ولكنها  تعجز إما جزئيًا وإما كليًا ولأسباب متعددة عن القيام بذلك، فذلك بالضبط ما يمكن أن يقال عن الأجسام الاجتماعية والوطنية... ما من شأنه أن يُدخل إذن  تنسيبًا واضحًا على نظرية المؤامرة، كما يتم الترويج لها خطأ من طرف القائلين بها والرافضين لها على حد السواء... فليس كل ما تخطط له الأوليغارشيا المالية تدركه، لأن إدراكها لأهدافها كليًا أو جزئيًا أو فشلها في إدراكها تمامًا رهين بالمدى من الضعف أو من القوة، الذي تبديه المجتمعات المستهدفة عند مواجهتها لما يتسلط على كياناتها.

ولعله يجدر بنا هنا استحضار مثال جورج سوروس، وهو الميلياردير الأمريكي الذي يزعم مساندة الحركات الاجتماعية عبر العالم، وينادي بوجوب قيام حكومة عالمية، ويرى نفسه أحد قياداتها، والذي من المعروف أنه اخترق بواسطة المال الكثير من الحركات الاجتماعية التي تنشب هنا أو هناك، ومن ضمنها كمثال بارز "الفوروم" أي المنتدى الاجتماعي العالمي، حيث تم بالنسبة لهذا الفوروم حرفه عن أهدافه الأولى المناهضة للنيوليبرالية وللرأسمالية، ومن ثمة تحويله إلى مجرد كرنفال تنفيسي عن المكارب وتائه الأهداف والمرامي.

لقد قال هذا الملياردير فيما قال: إن الحركات الاجتماعية التي تفتقر إلى قيادات تسير بها نحو أهدافها يمكن السيطرة عليها وتسييرها في المسارات التي تخدم غاياتنا؛ والكثيرون بفعل البهرج الإعلامي الذي يقدم الرجل كفاعل خير لا يدركون أن هذه الأهداف ليست شيئًا آخر، غير توفير أسباب الديمومة للنظام الذي تفرضه الأوليغارشيا المالية العالمية، والتي هو أحد أعضائها، كونه يحتل المرتبة الثالثة والعشرين في "قائمة فوربس" لأغنى أغنياء العالم، بثروة تقدر بأربعة وعشرين فاصل تسعة مليار دولار، وهكذا فإن خلافه العلني والنسبي عند النهاية مع بعض مكونات هذه الأوليغارشيا يطال فقط طرق العمل، ولكنه لا يمس أبدًا جوهر الأهداف.

المجتمع المدني كحلم بورجوازي وإمبريالي

نصل هنا ومن خلال ما تقدم إلى مفهوم " المجتمع المدني" ودوره المتنامي في حياة الأمم والشعوب؛ ليس هذا المفهوم جديدًا، فالكثيرون يرجعونه إلى مفهوم "بوليس" الإغريقي، والذي يعني الحي ـ المدينة، والذي طوره من ضمن من طوروه الفيلسوف أفلاطون في جمهوريته، وهناك من يرون أن أبو نصر الفارابي بمدينته الفاضلة وعبد الرحمان ابن خلدون بحديثه عن أن... الإنسان مدني بطبعه... قد كان لهما إسهامهما إلى هذا الحد أو الآخر في التبشير بهذا المفهوم وفي نحت بعض معالمه الأولية.

ونحن هنا نجد أنفسنا في الحقيقة أمام مساجلات تاريخية وفلسفية لا يسعنا المجال للتوقف عندها، ولكنه يبقى من واجبنا الإشارة بعد تجنبها إلى أن هذا المفهوم لم يتخذ معناه الحديث، إلا مع نجاح الغليان الثوري للطبقات الحضرية أو المدينية، والتي تسمى بلغات الغرب: الطبقات البورجوازية، وذلك عند تمردها بأوروبا على إجحاف قيود الإقطاع رافعة شعارات: دعه يعمل ودعه يمر...وحرية التجارة والصناعة، ومتوسلة بحرية الفكر وبحرية المعتقد لضرب تحالف الإقطاعيين مع مؤسسة رجال الدين، كما لفتح الباب أمام حرية الاستثمار وحرية الاختراع، ما مكن من التقدم العلمي ومن تحقيق الإنجازات التكنولوجية التي كانت من قبل تبقى في مجالها، كمجرد خيال علمي نظري وكمجرد أحلام في رؤوس أصحابها.

وهكذا فإن مفهوم المجتمع المدني لم يدرك عمقه، إلا مع تباشير الثورات البورجوازية الأوروبية، حيث بشر به برنار دي ماندفيل منذ 1714 وربط بينه وبين حب الذات، أي الفردية، حيث من المعلوم أن الفردية هي أساس المجتمع الرأسمالي المراد ترسيخ دعائمه آنذاك، ثم تناوله طوال السنوات الباقية من القرن الثامن عشر من التقويم المسيحي؛ فلاسفة الأنوار بفرنسا وببريطانيا وبالقارة المسلوبة من أهلها والمسماة أمريكا، قبل أن يعود إليه بعد ذلك في ألمانيا خلال القرن التاسع عشر كل من جورج فيلهايم وفريدريتش هيجل وتلميذه كارل ماركس، كون ألمانيا تأخرت هي وإيطاليا آنذاك عن الثورة البورجوازية وعن تحقيق وحدتهما القومية التي تحتم قيام سوق موحدة للدولة ـ الأمة.

وإذ تخلى كارل ماركس بمعية صديقه فريدريك أنجلز عن كتاب "الإيديولوجيا الألمانية" ورميا به إلى "نقد الفئران"، كما قالا بصورة مازحة، وهو الكتاب الذي استعملا فيه هذا المصطلح وعوضاه بمصطلح "علاقات الإنتاج الاجتماعية "... فإن تلميذهما الإيطالي أنطونيو قرامشي قد عاد إليه بشدة في أواسط القرن العشرين مع صعود الفاشية ببلاده، ومحاولته تجديد الفكر الثوري على ضوء المتغيرات التي مست قواعد الاجتماع البشري في عصره... ثم كان أن اهتمت مراكز الدراسات الإمبريالية بهذا المفهوم بقوة  مع انبعاث الليبرالية من جديد في ثمانينات القرن العشرين، تحت مسمى النيو ليبرالية وحاجتها في نطاق هذا الانبعاث إلى مسح المساحيق الاجتماعية والكاينزية التي كانت قد اضطرت إلى وضعها على وجه نمط الإنتاج الرأسمالي بعد نجاح الثورة البلشفية بروسيا وبالمستعمرات السابقة للقياصرة، أي بالاتحاد السوفييتي، فشهدنا في نطاق التنافس بين المنظومتين سياسات التأميم في البلدان الليبرالية، وقيام الدولة الحامية للحقوق الاجتماعية فيها، وازدهار الأحزاب بداخلها والتي سمت نفسها اشتراكية ديمقراطية أو عمالية أو اشتراكية مرة واحدة في حين أن جوهر فلسفتها السياسية بقي رأسماليًا وفرديًا.

 وهكذا فإنه أثناء إعادة إرساء النظام الليبرالي وهو العائد بعناد شديد بعد غياب تكتيكي مسميًا نفسه كما سلف القول بالنظام النيوليبرالي، وذلك بدفع ظاهري من مارغاريت تاتشر في بريطانيا ورونالد ريغن بأمريكا، ولكن بفعل حقيقي من "اليد الخفية للسوق" التي أشار إليها آدم سميث في كتابه "ثروة الأمم"،  فإن هذه المراكز قد أعطت لمفهوم المجتمع المدني معاني جديدة كثيرة المرونة، كونها تأخذ حدودًا متغيرة إلى هذا الحد أو الآخر، حسب الحاجيات البراغماتية للسياسات الامبريالية التي سيقع توخيها في ظل الأحادية القطبية، وهي السياسات التي  خططوا لديمومتها إلى حد أنهم تمنوا أن يكون كامل القرن الواحد والعشرين قرنًا أمريكيًا بدون منازع، ولحسن حظ البشرية أن ذلك لم يكن عند النهاية، وذلك لأن الدولة ـ الأمة والدولة كمؤسسة عمومًا قد صمدتا في وجه عاصفة العولمة النيوليبرالية التي هدفت وبشدة لا رحمة فيها إلى ملاشاتهما أو إلى إضعافهما، مثلما شهدنا ذلك في الصومال وفي العراق وفي سوريا وفي يوغسلافيا السابقة وفي السودان.

ويمكن القول إنه إذ فرق أنطونيو غرامشي بين المجتمع المدني وبين المجتمع السياسي، فإن تجربة التعامل مع هذا المفهوم في نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين، قد أذابت الحدود بينهما؛ إذ أثبت تطور الأحداث أن مفهوم المجتمع المدني في نطاق البراغماتية الإمبريالية، يمكن أن يشمل جميع التنظيمات التي تنكب على تحقيق المهام التي تنبع من حاجيات الناس، والتي تعجز السلطات القائمة عن تلبيتها أو تتلكأ في تلبيتها أو تقمع المتحركين من أجل تحقيقها؛ وبهذه الصفة فقد تم إيجاد تقاطعات جديدة، جعلت مفهوم المجتمع المدني يتجاوز ما كان يسمى سابقًا بالجمعيات الأهلية، والتي كانت غير ربحية، ولكنها لم تعد كذلك اليوم على مرأى ومسمع من الجميع، ليشمل وحدات البحث الجامعي والنقابات المهنية للأعراف وللعمال وللفلاحين ودوائر العمل الثقافي والأكاديمي وحتى الأحزاب السياسية التي كانت من قبل تقع خارج دائرته.

وإذ أدت التغييرات المتلاحقة داخل نمط الإنتاج الرأسمالي التي حدثت بفعل الثورة التقنية المتعاظمة، والتي شملت فيما شملت ميدان الإعلام والتواصل بين الناس وإدخال الروبوتية في سيرورة الإنتاج عوضًا عن الجهد البشري للكادحين وحده، مثلما كان الأمر عند انطلاق الثورة الصناعية، ما أعطى قيمة مضافة للكفاءات في كافة المجالات، فقد ازدادت أهمية مفهوم "المجتمع المدني" إلى حد أنه تبوأ دوره كي يصبح خزانًا حقيقيًا يمد الطبقات السائدة بفاعلين جدد يثرون قياداتها وهياكلها السياسية، ولكنه يراد له رغم ذلك أن يبقى في أدائه قاصرًا عن التفكير في العثور على الحلول الجذرية لمعضلات نمط الإنتاج الرأسمالي وأزماته المتلاحقة ومقتصرًا فقط على محاولة إيجاد الإصلاحات الجزئية في المواضع التي تظهر فيها مساوئ هذا النظام:

سواء في ميدان المساس الإجرامي بالبيئة، وهو الإجرام الناتج عن السعي الرأسمالي للربح على حساب كل شيء، وحتى على حساب تواصل الحياة نفسها فوق الأرض، ولكنهم يحاولون تأطيره، حتى يبقى ضمن الحدود التي يريدونها، أو في ميدان "الجندرة"، وهو المفهوم الذي جعلوه يحل محل تحرير الرجال والنساء من سيطرة الثقافة الذكورية، أو في ميدان العمل "اللائق"، وهو المفهوم الذي جعلوه يحل محل مفهوم تحرير العمل وانعتاق الكادحين من الاستغلال الرأسمالي، أو في ميدان "الحوكمة" المسماة رشيدة، وهو المفهوم الذي جعلوه يحل محل مفهوم سلطة الشعب، أو في ميدان التظاهر بالحد من الفساد الذي ينتجه السير الطبيعي لهذا النظام؛ لأن هذا النظام، لا يمكن له أن يشتغل بدون رشاوي وبدون فساد، أو في ميدان حقوق ما أصبح يسمى بالأقليات التي نوعوها حتى شملت كل شيء بما في ذلك الشذوذ الذي عوضًا عن معالجته، فهم يحاولون تقنينه إلى حد السماح  للمثليين بتكوين نواتات عائلية معترف بها أمام السلط البلدية، أو في ميدان التغطية الاجتماعية... خاصة، وأن هذه الأخيرة قد تقلص مع النيوليبرالية مجالها الإجباري بالنسبة للدولة، ليقع تعويض ما شملها من نقص بالإحسان والعمل الخيري الذي يستوجب وجود جمعيات مدعومة تكلف بالسهر على ذلك.

ويبقى أنه لا بد أيضًا من الوقوف هنا عند نقطة مهمة تتمثل فيما طرأ على العلاقات الاجتماعية والقوى المنتجة؛ إذ أن النظام الطبقي الذي صاحب الثورة الصناعية في بداياتها، والذي كان قسم المجتمع إلى طبقتين متناحرتين هما العمال والأعراف في المراكز الرأسمالية المتقدمة، والذي كان بصدد التبلور على نفس الشاكلة في "الأطراف"، مع شيء من التخلف فيها طبعًا عن الوصول إلى نفس الدرجة لأسباب تاريخية  وهيكلية، قد أتت عليه  التغييرات بفعل إدخال العمل الروبوتي في المراكز المتقدمة، كما بسبب فرض الإصلاحات المسماة هيكلية في الأطراف، ما قلص نسبيًا من عدد المنتمين إلى الطبقة العاملة ودفع إلى الواجهة بفاعلين جدد في المدن والأرياف، ينتمون إلى جحافل المهمشين والمحرومين والمطرودين، ممن يسمون بالزائدين عن الحاجة رأسماليًا، وهو مفهوم يختلف تمامًا عن المفهوم الكلاسيكي لما كان يعرف بجيش البطالة الاحتياطي، والذين (أي من تم اعتبارهم زائدين عن الحاجة)، قد يكونون من الكفاءات ومن حملة الشهادات العالية، ولكن المنظومة القائمة في المراكز المتقدمة، كما في الأطراف  تعجز عن استيعابهم وعن الاستجابة لطلباتهم في العيش الكريم؛ فيضطرون إلى الانتظام في شبكات جديدة من العلاقات تخرج عن الأطر الجمعياتية والحزبية التقليدية... وهذه الشبكات؛ إذ لا تزال تبحث عن نفسها، فهي عصية عن التصنيف إلى حد اليوم، ولا يمكن إدخالها بسهولة في بوتقة ما تم الاعتياد عليه من تصنيفات... فلا هي أحزاب سياسية، ولا هي جمعيات غير حكومية، وإن كانت تقوم بأدوار تشبه أدوارهما أحيانًا، ولكن دون أن تدخل عند النهاية في بوتقتهما... ورغم ذلك فإن الأوليغارشيا المالية لا تتردد في التوجه إلى القيادات في هذه الأشكال الجديدة من التأطير الاجتماعي محاولة سواء بواسطة المال أو القمع منعها من معانقة التحول إلى مشاريع جذرية وثورية وإبقاءها ما أمكن ذلك في بوتقة مشاريع إصلاح ما هو قائم فقط.

فالأوليغارشيا المالية العالمية مستعدة على الدوام لاقتطاع أجزاء من فائض نهبها لخيرات الشعوب، وأن تصرف ما تقتطعه بواسطة المانحين العاملين تحت إمرتها على كافة المستعدين لخدمة أهدافها وللانضواء في تحديدات نظامها أينما كانت مواقعهم الاجتماعية، مقابل ما تغدقه عليهم من أموال ومن مناصب قيادية عند الاقتضاء... وهكذا فهي تحقق من خلال مفهوم المجتمع المدني أحلامها.

محاولة لتشريح ما سمي ب" النموذج التونسي"

لا بد هنا من التذكير بأن تونس في المنطقة العربية وبولونيا في الشرق الأوروبي كانتا من أهم المختبرات التي تم فيها تجربة كيفية اشتغال آليات الاختراق؛ إذ وقع الاتصال المكثف بعناصر ما يسمى "قيادات الغد"، ومن ثمة العمل على رسكلتهم[2] بواسطة المفاهيم والمضامين التي تم تخليقها في المختبرات بغاية الزج بهؤلاء العناصر في خضم "الحراكات" التي قد تندلع هنا أو هناك؛ بهدف التأثير على مساراتها وتجريفها نحو المسارب المرسومة لها سلفًا، وتصعيد الأعوان لقيادة مراحلها المتلاحقة (مثال لاش فاليزا ببولونيا، وهو الذي قاد نقابة سوليدارنوسك، ثم أصبح رئيسًا لبولونيا، ولكن غيره كثيرون في بولونيا وفي تونس كما في باقي بلاد الدنيا... وقد لا تغيب أسماؤهم عن المتابعين للشأن السياسي في كل مكان ).

إنه في هذا النطاق يجب أن نفهم بعض جوانب الانتفاضة التي اندلعت بداية من 17 ديسمبرـ كانون الأول 2010  بسيدي بوزيد بتونس، كغضب عفوي، سليل انتفاضات الشعب التونسي التي ميزت حياته منذ نهاية الاستعمار الفرنسي المباشر سنة 1956، مثل انتفاضة الفلاحين بالوردانين في ستينات القرن العشرين احتجاجا على تجربة " التعاضد" البيروقراطي والقسري الذي طبق آنذاك، ومثل انتفاضة الشباب الطلابي في فيفري 1972، من أجل ثقافة وطنية وجامعة شعبية، ومثل انتفاضة العمال في جانفي 1978 احتجاجًا على ظروف عيشهم، كما على محاولة تدجين حركتهم النقابية، ومثل انتفاضة الخبز يومي 3 و4 جانفي / كانون الثاي 1984، ومثل انتفاضة الحوض المنجمي التي دامت قرابة الستة أشهر سنة 2008، من أجل سياسة تنموية منصفة وعادلة؛ ولكن انتفاضة 17 ديسمبرـ كانون الثاني 2010، تمت في ظروف تاريخية مغايرة تمامًا لكل تلك الانتفاضات مجتمعة، إذ كان ذلك على إثر تفطن الإمبريالية المتصهينة إلى نهاية صلوحية النظام الرسمي العربي، وهي النهاية التي انكشفت لها تمامًا وبكامل الوضوح سنة 2006، حيث إن الصهيونية العالمية وعبر كيانها الدخيل والمغروس غرسا في أرض الوطن العربي، قد وجدت صعوبة في الانتصار على مجموعة مسلحة غير رسمية هي حزب الله اللبناني، ولم تتمكن لا الدولة اللبنانية ولا مسانديها في ممالك وإمارات النفط الخليجي، من التأثير على مجريات الحرب، فتم بتلك المناسبة قهر... "الجيش الذي لا يقهر"، والذي كان يشكل في منطقة النفط والغاز والممرات البحرية أحد ركائز الثالوث المتكون منها (أي الصهيونية العالمية)، ومن الرجعيات  "العربية" الحاكمة ومن الإمبرياليات الأطلسية، وهو الثالوث الذي تتمثل  مهمته في منطقة القومية العربية في المحافظة على موازنات اتفاقية سايكس بيكو ( 1916)، كيفما تم إقرارها مع قرب نهاية الحرب "العالمية" الأولى، وكيفما تم تدعيمها بترتيبات الحرب "العالمية" الثانية، وما بعدها سواء في بريتون وودز سنة 1944، حيث وقع التطرق إلى الموازنات المالية الواجب انبناؤها على الدولار عوضصا عن الذهب، أو في يالطا التي شهدت خلال فيفري/ شباط 1945 تفاهمات نهاية تلك الحرب بين المنتصرين، أو في محكمة نورمبارغ التي انعقدت بسرعة لمحاكمة المهزومين من نوفمبر/ تشرين الثاني 1945 إلى أكتوبر/ تشرين الأول 1946.

فكل ذلك المستجد الذي وقع سنة 2006 بالمشرق العربي، كان باعثًا على التفكير الجدي والصارم هذه المرة في بعث رؤى جديدة من خلال "مشروع الشرق الأوسط الجديد"  أو "الكبير"، وذلك عبر  كنتنة الوطن العربي وتفتيته، وهو ما لا يمكن أن يتم بدون إثارة النزعات الطائفية والقبلية والعروشية واللغوية والأثنية، لأنه هنا بالضبط يوجد مجال واسع للاتصال بمختلف المكونات السكانية ولتجنيد أو تصنيع  "قيادات" لهذه المكونات بواسطة المال المغدق بسخاء خدمة للأهداف المراد بلوغها.

وهكذا فعندما اندلع غضب الشباب التونسي بداية من يوم 17 ديسمبر 2010 سرعان ما فكرت الدوائر الإمبريالية في تنفيذ مخططاتها الجاهزة تحت عنوان" الفوضى الخلاقة"، فشهدنا في تونس ما يشبه رقصة الفالس لأقطاب السياسة والاقتصاد الغربيين من طراز كاترين آشتون وزيرة الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي آنذاك، وهيلاري كلينتون كاتبة الدولة للخارجية بالولايات المتحدة الأمريكية، وكريستين لا قارد ممثلة صندوق النقد الدولي، ونوح فيلدمان الذي يقع تسويقه كرجل القانون الدستوري "العالمي" وجيفري فيلتمان الديبلوماسي العارف بتضاريس المجتمعات العربية،  ومجموعات "كرايزيس قروب" المكلفة أمريكيا بدراسة الأزمات وباقتراح حلولها الممكنة، و"آيفاس" المعنية بتحديد الأنظمة الانتخابية الملائمة لكل وضع، ومبادرة الشراكة للشرق الأوسط المعروفة باسم "الميبي" والجمعيات المانحة الألمانية بأسمائها المتنوعة، مثل فريدريك هيبارت وهانس سيدل وفريدرك بوول وروزا ليكسمبورغ وغيرها، والأموال المسماة خيرية للعائلات الحاكمة ل قطر وللسعودية وللإمارات العربية التي تعمل كوكيلة لمختلف اللوبيات الأمريكية في تناقضها، والاختراقات المختلفة للدولة التركية المنتمية للحلف الأطلسي والمحكومة من طرف حزب متأسلم يحلم بإعادة بناء الامبراطورية العثمانية... ومختلف المخابرات الفرنسية والبريطانية والأمريكية، بما فيها الموساد الصهيوني، وهذا الأخير لا بد هنا من التذكير بما قاله في شأن دوره الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الصهيونية الجنرال عاموس يدلين الذي صرح جهرًا أن الشعبة التي كان يشرف عليها "تمكنت من نشر شبكة لجمع المعلومات في تونس قادرة على التأثير السلبي أو الإيجابي في جميع المجالات الاجتماعية بهذه البلاد"، كيفما نشر هذا بتاريخ 5 أكتوبر/ تشرين الأول 2013 موقع الصدى/ نات التونسي نقلا عن القناة التاسعة الصهيونية...

 إذ هبت كل هذه الأطراف إلى تونس وفقًا لأجنداتها في اختلافها، كما في تلاقيها وعلى لسانهم الوعود الخلابة والأموال المنسابة... وهدفهم الوحيد هو اختراق الانتفاضة التي كانت باسلة حقًا وسالت فيها بغزارة دماء الشهداء، ومنعها من أن تتلمس طريق التحول إلى ثورة حقيقية تخلق قطيعة فعلية بين تونس وبين السياسات الصهيو ـ إمبريالية، ما قد يمكن من انبعاث نموذج، قد يقع استنساخه في غير السبل التي يريدونها... فيتسع الفتق على رتقهم... ولذلك خططوا كي يكتفي التونسيون بسقوط  رأس نظام الاستبداد ممثلا في زين العابدين بن علي بعد دفعه دفعًا إلى مغادرة البلاد، بمختلف الضغوطات، وأن يسوقوا ذلك كانتصار وك"ثورة ياسمين"، رغم بقاء كل أسس النظام القديم اقتصاديًا واجتماعيًا ووطنيًا... بل والأنكى من ذلك مع انفتاح الأفق على فاعلين سياسيين جدد، مربوطين إلى دوائرهم بشتى الأواصر، فلا شيء يضمن أن يكونوا أقل فسادًا وعمالة ممن سبقوهم... بل لقد اتضح بالتجربة بعد ذلك أنهم لم يكونوا أبدًا أفضل من الذين كانوا.

لقد كان بإمكان الانتفاضة التونسية الباسلة أن تتحول إلى ثورة لو وجدت تنظيمًا سياسيًا منغرسًا وسط الجماهير بالمدن والأرياف، وحاملًا لمشروع وطني وديمقراطي واجتماعي متكامل؛ يهدف إلى خدمة طموحات الكادحين والمزارعين والمهمشين والمحرومين، ويكون مقبولًا من طرفهم، ولكن هذين الشرطين لم يتوفرا فشهدنا لهاث القوى الوطنية/القومية التقدمية، وراء الأحداث من خلال تشكيل ما سمي بلجان حماية الثورة بمختلف الأحياء والمدن، وهي اللجان التي انكسر مدها، منذ أول مؤتمر لها انعقد بنابل يوم 09 أفريل ـ نيسان 2011، إذ لم ينجح ذلك المؤتمر، بل إنه كان أيضًا آخر مؤتمر لهذه اللجان التي وقع تعويضها بروابط حماية الثورة ذات التوجهات السلفية، وبالهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي التي تأسست يوم 15 مارس ـ آذار  2011، وتم بعثها بعد اعتصامي ساحة القصبة بالعاصمة التونسية، وأسندت رئاستها إلى رجل القانون عياض بن عاشور، وهو أحد أقرباء الباجي قائد السبسي، وهذا الأخير، أي الباجي قائد السبسي هو الذي تم الدفع به بعد غياب طويل عن الساحة السياسية إلى تزعم الكتلة الليبرالية والحداثية بالبلاد، وأصبح بموجب ذلك وزيرًا أولًا انتقاليا من 27 فيفري ـ شباط 2011 إلى غاية 24 ديسمبر  ـ كانون الأول 2011،  قبل أن يؤسس حزبًا هو حزب حركة نداء تونس في 16 جوان ـ حزيران  2012، ويصبح أول رئيس منتخب للبلاد التونسية بعد انتخابات أكتوبرـ تشرين الأول  2014 التي أنهت فترة المجلس التأسيسي وحكومة الترويكا، تلك الحكومة التي تقودها حركة "النهضة" بواسطة رئيسي حكومة أولهما حمادي الجبالي شهر الخليفة السادس، وشهدت ولايته اغتيال شكري بلعيد، وثانيهما علي العريض الذي شهدت ولايته اغتيال محمد البراهمي، حيث كانت حركة "النهضة" تحكم بمعية حزبين ليبراليين مدنيين هما حزب "التكتل" ويقوده مصطفى بن جعفر، الذي حصل على منصب رئيس المجلس التأسيسي في تفاهمات تلك الترويكا، وحزب "المؤتمر" ويقوده محمد المنصف المرزوقي، الذي انتخبه المجلس التأسيسي مكافأة له على تحالفه مع  حزب "النهضة" الأغلبي في انتخابات 2011 رئيسًا مؤقتًا للدولة.

 ومن المفارقات، ولكنها كانت متوقعة لدى البعض، أن  حزب "النداء" الذي فاز بعد ذلك بالمرتبة الأولى في انتخابات  2014، في جانبها التشريعي (لأنها كانت تشريعية ورئاسية في نفس الوقت)، قد سارع إلى التحالف مع حزب حركة "النهضة" الناجح في المرتبة الثانية هذه المرة، وهكذا حكما البلاد بما سمي بالتوافق بدفع من أطراف غربية، كانت رتبت اللقاء الشهير بين رئيسي الحزبين بباريس في شهر أوت ـ آب 2013 على إثر اغتيال الشهيدين اليساريين شكري بلعيد ( فيفري/شباط 2013) ومحمد البراهمي (جويلية / تموز 2013)، وحصول التمرد المصري (جوان / حزيران 2013 )، الذي أزاح الرئيس محمد مرسي، أحد زعماء الإخوان هناك، ليحل محله الجنرال عبد الفتاح السيسي بانقلاب استغل ذلك التمرد الشبابي وجيره لفائدة المؤسسة العسكرية، ما أعلن عن بداية التقلص للدور الموكول للإسلام السياسي... وقد قال راشد الغنوشي على ضوء تلك التطورات المحلية والإقليمية والدولية التي أدت إلى اضطرار حزبه إلى التنحي من السلطة أمام ضغط الشارع، وإلى ترك المجال مؤقتًا إلى حكومة تكنوقراط عينها "رباعي الحوار الوطني" المتشكل من منظمتي الأعراف والعمال ونقابة المحامين ورابطة حقوق الإنسان، وأوكلت إليها برئاسة المهدي جمعة مهمة تنظيم الانتخابات التي ستقع سنة 2014... قال (أي راشد الغنوشي): إن حزبه سيغادر الحكومة ولكنه لن يغادر الحكم... وذلك ما كان فعلًا.

ولئن شهدت الساحة السياسية بتونس في تلك الأثناء، وبعد فشل مؤتمر"لجان حماية الثورة" المشار إليه، انبعاث قوة سياسية جديدة، ضمت كل أحزاب الطيف الوطني/القومي التقدمي، من شارك منها في هيئة عياض بن عاشور باسم الواقعية على غرار الشهيد شكري بلعيد من "حركة الوطنيون الديمقراطيون" التي سيصبح اسمها الحزب الديمقراطي الوطني الموحد، أو غيره من الفعاليات الأخرى، ومن رفض ذلك  لاتهامه تلك الهيئة بالانخراط في عملية الالتفاف على الحراك الشعبي على غرار  جمال الأزهر، من حزب الوطنيين الديمقراطيين الثوري أو غيره من الأطراف الأخرى... فإن هذه القوة التي انبعثت ووقعت تسميتها ب..." الجبهة الشعبية"، يمكن القول إنها ولدت حاملة بداخلها بذور عدم ديمومتها نتيجة ضعف العامل الذاتي لمكوناتها، ما انكشف بجلاء تام عند النهاية أثناء الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي تمت في أواخر 2019، حيث منيت هذه الجبهة بالفشل، ولم تتمكن حتى من المحافظة على المقاعد الخمسة عشر التي حصلت عليها في انتخابات 2014، فتشظت وغادرتها كافة الأحزاب التي كانت بقيت فيها وبدون أدنى تقييم فوق ذلك؛ وإذ يقع الحديث هنا عن الأحزاب التي كانت بقيت فيها ... فلأن هذه الجبهة  ومن باب التذكير كانت شهدت  سنة 2013 تشظيًا آخر على خلفية التحالف الذي عقدته قياداتها المتنفذة (حزب العمال والحزب الوطني الديمقراطي الموحد) مع حزب "نداء تونس" الليبرالي، وهو التحالف الذي انعقد تحت مسمى "جبهة الإنقاذ"... إذ استقال آنذاك على خلفية الاحتجاج على ما وقع حزب النضال التقدمي، فيما انسحب من يمثل شبكة المناضلين الجبهويين من المجلس القيادي، بينما تم طرد  حزب الجبهة الوحدوية وحزب تونس الخضراء وحزب الوطنيين الديمقراطيين الثوري، وهذا الأخير قد انشطر بعد ذلك بصفة عاصفة؛ ليعود شق منه تحت مسمى الحزب الوطني الديمقراطي الاشتراكي إلى  الجبهة المتآكلة ليكون شاهدًا على نهاياتها.

ويمكن القول إن أسباب نهاية هذه الجبهة تعود حسب قراءة أولية ممكنة إلى:

 أولًا: توهم وقوع ثورة وإعلان الجهوزية للحكم على ضوء ذلك، والحال أن ما جد، هو انتفاضة كان من الواجب العمل على استكمالها كي تصبح ثورة حقيقية، تبني منوالًا تنمويًا جديدًا تتحقق من خلاله مطالب الشعب الكادح المنادية بالشغل بمعنى العدالة الاجتماعية وبالحرية وبالكرامة الوطنية.

ثانيًا: الافتقار إلى برنامج متكامل كان من الممكن استكمال صياغة بوادره الموجودة من خلال الانغراس اليومي في نضالات الكادحين والمحرومين والمهمشين في المدن والأرياف، وذلك ما لم يقع؛ إذ ركزت الجبهة على بلاتوهات القنوات التلفزية وما تتيحه من هالة إعلامية، بدا للبعض أنها يمكن أن تعوض النضال الميداني والاتصال المباشر بالناس والمعانقة الصادقة لإشكاليات حياتهم.

ثالثًا: انبناء كل الجهود على عقلية المحاصصة الانتخابية بين الأطراف المتنفذة، نتيجة استفحال التشوه البورجوازي الصغير والأنانية السياسية... فعندما استحال ذلك التوافق على توزيع الحصص... في آخر موعد انتخابي سنة 2019، انفجر الكيان الجامع برمته... فكأنه لم يكن.

ويجدر بنا هنا الإشارة بوضوح إلى نقطتين هامتين، وتتمثل الأولى منهما، في أن ما  أعاق نجاح الحركة الشعبية بتونس عن تحقيق أهدافها مرحليًا؛ إذ يعود إلى  ضعف العامل الذاتي لحركات الصف الوطني/ القومي التقدمي التي كان بإمكانها قيادتها، فهو يعود أيضًا موضوعيًا إلى نشأة هذا الصف في ظروف القمع والاستبداد، ما ترك مكوناته في درجة من الضعف، كما يعود إلى الفعل التخريبي الذي قامت به القوى الدولية والإقليمية؛ إذ عملت الإدارة  الأمريكية هي ومن والاها من القوى الأطلسية، ولغاية في نفس المخطط الإمبريالي، بقيادة باراك أوباما تخصيصًا، منذ خطابه بالقاهرة الذي ألقاه يوم 4 جوان / حزيران 2009، تحت عنوان: "المنطلق الجديد" للعلاقات الأمريكية الإسلامية على تغذية التأسلم السياسي والإرهاب السلفي ودفعهما إلى  احتلال المواقع التي أريدت لهما خدمة للأهداف المرسومة، وقد نجحت هذه الأطراف الإمبريالية في ذلك على العموم، كما يمكن لكل ذي بصيرة أن يرى من خلال تسلسل الأحداث على امتداد السنوات الماضية أكان ذلك بتونس أم ببقية أقطار الوطن العربي.

أما النقطة الثانية، فتتمثل في أن الحركة الشعبية التونسية رغم انكسارها هذه المرة أيضًا في صراعها مع مختلف العوائق الموضوعة في طريقها محليًا وإقليميًا ودوليًا، فإنها قد راكمت تجربة جديدة تثري رصيدها الكمي وفتحت بابًا كان من العسير حتى طرقه في ظل الاستبداد، وهو باب حرية التعبير والتفكير والتنظيم، بل إنها أضافت إلى ذلك إنجاحها لتجربة رائدة في العمل التعاوني بإحدى واحات التمور الواقعة بجمنة من ولاية/محافظة قبلي بالجنوب التونسي، وهي تجربة رائدة سال حولها حبر كثير كونها أشارت إلى إمكانية وجود نمط تنموي مغاير للسائد الليبرالي وينطلق من الناس ليعود إليهم بالنفع، وهي تجربة ما زالت تصارع مناوئيها كي تبقى... وهنك رغبة في استنساخها في أماكن أخرى ما أمكن ذلك.

 أما عن ضعف العامل الذاتي المشار إليه آنفًا فهو بصدد الدفع ـ بعد تشظي الجبهة الشعبية ـ إلى أعمق النقاشات من أجل تجاوزه مثلما يتضح ذلك حتى من خلال متابعة ولو بسيطة للنقاشات والتحليلات التي تنشر بمواقع الاتصال الاجتماعي، وفي هذا ما يمكن أن يبشر بالخير لو تميز هذا الحراك بالنضج المرجو.

استغلال "النموذج التونسي" عربيًا

إن إطلاق اسم "ثورة الياسمين" بصورة مخادعة على انتفاضة الشعب التونسي، لم يكن في مخططات الدوائر الإمبريالية والصهيونية، إلا المقدمة التي فكرت فيها في مراكز دراساتها والتي تستهدف تعويض كامل النظام الرسمي العربي، الذي تهاوى كما أسلفنا بنظام جديد مبني على التفتيت والكنتنة، ما قد يسمح لها:

أولًا: بأن تحلم بالقضاء قضاء مبرمًا على نواتات المقاومات ومحاورها، فهذا ما كان يعني وجوب استنساخ الانتفاضة التونسية وصولًا بها إلى منطقة الشام، حيث توجد تلك القوة غير الرسمية المسماة  "حزب الله" التي أقضت مضاجع الكيان الصهيوني سنة 2006، وأصبح من واجب قوى الغرب محاولة القضاء عليها وعلى من يحالفها، وهكذا شهدنا كل فظاعات الحرب الكونية التي وقعت فوق ثرى الأرض السورية، وكل المآسي التي تم تسليطها على الشعب هناك، بغاية تحطيم مؤسسة الدولة وضرب روح الممانعة ومنع أي إمدادات تمر بهذا القطر، ويمكن أن تزيد في قوة  السلاح التي يمتلكه "حزب الله"، الذي ينظرون إليه عند النهاية كحزب عربي، ويمكن أن تشكل قوته السلاحية ومعارفه التدريبية ذخرًا استراتيجيًا لكل عناصر القومية العربية التي يعادون تحررها.

وثانيًا: بأن تطلق يدها بأكثر إجرامًا ولصوصية في نهب الأراضي العربية الزاخرة بكل أنواع الخيرات من نفط وغاز ومواد أولية متنوعة ومضائق بحرية ومواقع استراتيجية... وهنا في الحقيقة تقع أحد الأسباب الكبرى للهجوم المتواصل على الوطن العربي .

وثالثًا: بجعل كل مجتمع عربي ينشغل بهمومه، فتضيع من البال قضية فلسطين بصفتها القضية المعلنة مركزية، لدى كافة المجتمعات العربية عبر كل أقطارها؛ لأن هذه المركزية في منطق الصهيونية من الأمور التي لا يجب أن تكون، والتي من المتجه بالنسبة إليها أن يقع إلغاؤها.

ورابعًا: بفتح الباب أمام فرض التطبيع رسميًا ولم لا شعبيًا؟ وجعل الكيان الصهيوني الدخيل وبمساعدة من الصهيونية العالمية، يتحول إلى قوة ضاربة سياسيًا واقتصاديًا وعلميًا وثقافيًا في كامل المنطقة المراد تفتيتها.

وخامسًا: بإعلان يهودية الكيان رسميًا، ما دام الصراع بين ساكنة الوطن العربي قد أخذ هو الآخر بفعل الاختراق قالب الصراع بين الديانات المسيحية والأزيدية والإسلامية، وحتى بين المذاهب داخل الديانة الواحدة كالسنة والشيعة والدروز داخل الديانة الإسلامية، فذلك ما يمكن أن يغطي على عنصرية الإعلان عن الطابع اليهودي لدولة الكيان.

وسادسًا: وهو ما انكشف مؤخرًا من خلال دونالد ترامب وصهره جاريد كوشنر، ولكنه في الحقيقة كان موجودًا في كتاب بنيامين نتنياهو... لأن ما أطلق عليه اسم صفقة القرن بكامل تفاصيلها التي أعلنها الرئيس الأمريكي، هو إعادة حرفية لما كان يحلم به بنيامين ناتنياهو رئيس حزب الليكود، وضمنه بصفحات كتابه المعنون ب " مكان تحت الشمس" الذي أصدره بالعبرية سنة 1993، وهو ليس حلمه وحده، بل حلم الحركة الصهيونية بأكملها؛ إذ لا يجب أن ننسى أن الكيان الصهيوني هو الدولة الوحيدة في كل أرجاء الدنيا التي سمحت لها القوى الغاشمة، بأن تكون دولة بدون حدود معروفة، وما ذلك إلا لأن هذه الدولة لا تخفي نيتها في تحقيق هدفها في التوسع على حساب من جاورتهم غصبًا عنهم... إذ تكتب إلى اليوم على باب برلمانها (الكنيست): "أرضك يا اسرائيل من الفرات إلى النيل"، ما يتضح معه أن ما ورد بما يمكن تسميته ب:  خدعة القرن ما هو إلا مرحلة ستعقبها مراحل أخرى من التوسع، وهو ما لا يمكن أن يتم إلا بتفتيت أرض العرب لإدخالها في هذه المرحلة في بوتقة ما أعلن عنه دونالد ترامب سنة 2020، من تغييرات جديدة يراد إدخالها على جغرافيتها، بعد تجزئتها في مرحلة سابقة بمقتضى اتفاقية سايكس بيكو التي تم إقرارها  سنة 1916... أي بفارق قرن من الزمن بين اللحظتين... في انتظار ما يخططون له من مراحل قادمة في مستقبل الزمان... وهم الذين يتابعون مخططاتهم بإصرار على الدوام عبر كل التعرجات الذي يفرضها التاريخ... ما وجدوا إلى ذلك سبيلا.

وهكذا فإنه في هذا النطاق كله يكون من واجبنا أن نشير إلى تضافر جهود الإمبريالية المتصهينة للعمل بمناسبة ما سمي ب" الربيع العربي"... على صعيدين اثنين:

ويتمثل الصعيد الأول في محاولة المحافظة على "النموذج التونسي... الذي نجح ... وأبهر العالم" طبقًا لعبارات النفخ الإعلامي في أوداجه... مع الاستعداد لضربه في مقتل بواسطة الإرهاب المتأهب على الدوام، كما بواسطة جعله يعيش على شفا الإفلاس الاقتصادي ودفعه فعليًا إلى مهاوي هذا الإفلاس، فيما لو خرج عن السكة المرسومة له، فهنا بالضبط يمكن أن نقرأ:

أولًا: إقرار النظام الانتخابي المعمول به، والذي كان ثمرة التعاون الليجيستيكي واللوجيستيكي مع المنظمة العالمية للأنظمة الانتخابية المعروفة باسم آيفاس، وهو نظام القوائم مع اعتبار أكبر البواقي  الذي أظهر حدوده مع انتخابات 2019، حيث ظهرت بوضوح  صعوبات تشكيل الحكومة من خلال الفسيفساء التي يفرزها هذا النظام برلمانيًا في كل مرة.

ثانيًا: مسارعة الدوائر الإمبريالية إلى ترتيب لقاء باريس بين الشقين الليبراليين (النداء والنهضة وأحدهما حداثي فيما ثانيهما إسلاموي)، وذلك في شهر أوت/ آب 2013 عندما بدا أنهما يمكن أن يتصادما بعد العمليات الإرهابية المتكررة بجبل الشعانبي،  كما بعد الاغتيالات التي طالت لطفي نقض من حزب النداء وشكري بلعيد ومحمد البراهمي من الجبهة الشعبية... وهو التصادم الذي كانت الإمبريالية تسهر على تجنبه حتى لا يفشل "النموذج التونسي "... كطعم للآخرين.

ثالثًا: إدراج البلاد التونسية في القوائم السوداء بوصفها جنة ضريبية أو غير ذلك... ثم سحبها من تلك القوائم  بعد مدد تقصر وتطول حسب الملابسات.

رابعًا: الدفع نحو تشكيل لجنة رباعية من المجتمع المدني متكونة من الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة والهيئة الوطنية للمحامين ورابطة حقوق الإنسان, وذلك للإشراف على ما سمي بالحوار الوطني (سماه ممثل رابطة حقوق الإنسان في زلة لسان معبرة وفي جلسة رسمية: الحمار الوطني)، وذلك بغاية التخفيف من حدة الصراع الناجمة عن تضارب المصالح بين الشقين الليبراليين المتوائمين مع السياسات الغربية (ونعني بهما الشق الإسلاموي المتمثل في حزب النهضة، والشق الحداثي المتمثل في حزب النداء)، كما احتواء بطبيعة الحال للغضب الشعبي، الذي اجتاح الشارع التونسي على إثر الاغتيالين الذين استهدف الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي توقيا من تجاوزه لحدوده كغضب.

خامسًا: إسناد جائزة نوبل للسلام لهذا الرباعي عند نجاحه في المهمة التي أوكلت إليه.

وما يجب معرفته هنا، هو أن هذه الجائزة تمنح حسب وصية صاحبها ألفريد نوبل عند وفاته سنة 1896 لكل من "قام بأكثر وأفضل عمل للتآخي بين الأمم، من أجل إلغاء أو تخفيض الجيوش الدائمة ومن أجل عقد السلام والترويج له"، وعند هذا الحد يبدو منح الجائزة للرباعي التونسي باعثًا على الاستغراب حقًا، ذلك أن هذا الرباعي، قد اشتغل مبدئيًا على مسائل تهم الشأن الداخلي التونسي سعيًا وراء تقريب وجهات النظر بين أحزاب سياسية يراد لها أن تتفق على أرضية حكم ممكنة بينها ، ما يبتعد بما فعله  هذا الرباعي عن الصيغة الواردة بوصية ألفريد نوبل مؤسس الجائزة والمتعلقة بالحرب بين الأمم.

ولكن العجب قد يزول قليلًا عندما نعرف أن هذه الجائزة تمنحها لجنة من البرلمانيين يعين أفرادها البرلمان النرويجي من ضمن الأحزاب المكونة له، كما يشرف على أعمالها مدير تنفيذي أمريكي، ما يجعل هذه الجائزة مندرجة في خانة التقييم السياسي البحت لأداء الأشخاص المراد "تكريمهم" إمبرياليًا بواسطتها،  بدون التقيد بحرفية الوصية، وبدون وجود علاقة بين ما وقع القيام به من طرفهم، وبين شعار السلام. ثم إن الاستغراب قد يزول تمامًا عند النهاية، عندما نعرف أن هذه اللجنة البرلمانية النرويجية، قد وزعت الجائزة عبر تاريخها مثلما تشتهي الرياح عند هبوبها؛ إذ حصل عليها قتلة صهاينة عتاة من الذين ارتكبوا المجازر في حق الشعب الفلسطيني وولغوا في دمائه، من أمثال ميناحيم بيغين وشمعون بيريز وإسحاق رابين!!!

كما حصلت عليها  سنة 2011 مدونة يمنية مجهولة، تدعى توكل كرمان، وهي شابة صغيرة عمرها 32 سنة حينئذ؛ إذ هي مولودة سنة 1979، ولا تخفي زيادة على ذلك انتماءها إلى جمعية الإخوان المتأسلمين، ويعتبرها الكثيرون محرضة من  ضمن المحرضين على الاقتتال الأهلي ببلادها.

فيمكن القول إن هذه الجائزة ذات الصبغة المالية لا تنسجم مع الضجيج الذي صاحبها عند إسنادها إلى الرباعي التونسي، فذلك الضجيج يدخل إذن في سياسة التعتيم والتعمية الدولية النافخة في أوداج غرور الأشخاص والمجموعات البشرية عندما تكون تحركاتهم منسجمة مع ما يراد منها من أهداف، لا يمكنهم هم بذاتهم إدراكها أحيانًا نتيجة هذا التعتيم وهذه التعمية.

 أما الصعيد الثاني  فيتمثل، في جعل هذا "النجاح" طعمًا لبقية المجتمعات العربية، وذلك بالاستيلاء  على أسباب الغضب المشروع لمكونات هذه المجتمعات وجرفه نحو الأهداف التي تخدم أهداف المخطط الإمبريالي والصهيوني، ما شهدناه بوضوح في مصر وليبيا واليمن وسوريا و الأردن في موجة أولى بدأت منذ سنة 2011،  كما شهدناه في موجة ثانية في غضون 2019 في السودان والعراق ولبنان، دون أن ننسى الجزائر والجارة الإيرانية للعرب؛ لأن الحراك تكرر فيهما أكثر من مرة في الفترة الفاصلة بين 2011 و 2019.

ولعلنا نريد  بعد وصولنا إلى هنا أن نركز على أمرين اثنين:

ويتمثل الأمر الأول، فيما عرفته الدولتان الليبية والسورية من مآس وفظاعات يعجز القلم عن وصفها في مثل هذا المجال الموجز؛ وإذ تم القضاء تقريبًا على مؤسسة الدولة الموحدة بليبيا في محاولة لتشريع الأبواب لنهب خيرات هذا البلد بدون انتظار، وهذا ما وقع ويقع فعلًا، ولتقسيمها على المدى المتوسط  إلى ثلاثة أجزاء مثلما يعلنون عن ذلك في خططهم، ولجعلها بؤرة توتر دائمة  يمكن أن تهدد كل الدول المغاربية بما فيها الجزائر، وهي المستهدفة بصورة أخص كونها قلب المغرب العربي الكبير؛ فإنه يمكن القول إن ما وقع للدولة السورية كان أمرًا يفوق كل تصور وكل خيال، فما جرى فوق ثرى أرض الشام العريقة، يمكن اعتباره بمثابة حرب كونية؛ إذ تدفق إليها السلاح المتطورمن كل صوب، وما يقارب... 171 ألفًا و400 مرتزقًا من كل الجنسيات، منهم أتراك بعدد 25800 عنصرًا، وسعوديين بعدد 25400 عنصرًا، وعرب آخرين من كل الأقطار، وخاصة من تونس بالآلاف، وشيشانيين روس، وإيغور صينيين، ومؤسلمين أوروبيين وعددهم بالمئات، حسب تقدير لجينا هاسبيل مديرة المخابرات الأمريكية، كما انتصبت فوق أراضيها (أي سوريا) ـ  مهما كان ذلك  بدواع  مختلفة ـ جيوش رسمية؛ لفرنسا ولبريطانيا ولأمريكا ول تركيا ولألمانيا؛ زيادة على جيش روسي تمت دعوته من طرف النظام الحاكم... هذا فضلًا على عربدة  الجيش الصهيوني من مرة إلى أخرى وفقًا لأجنداته الخاصة في المنطقة.

وكان التاريخ شاهدًا على نزوح مئات الآلاف من العائلات، وعلى التدمير الفظيع للعمران وللآثار، وعلى تقتيل الإنسان، وعلى افتعال مسرحيات استعمال السلاح الكيمياوي التي انكشف  ضلوع الأعداء فيها، ما يوضح أن هذا البلد بالذات كان في عين العاصفة منذ انطلاق ما سمي بالربيع العربي، استهدافًا لارتباطه بحلف استراتيجي مع جارته الفارسية ولربطه لعلاقات ممتازة مع حزب الله اللبناني.

أما الأمر الثاني، فيتمثل في نقاط الضوء التي برزت من خلال حراكات الجماهير بالأقطار العربية؛ إذ أبدت الجزائر على كَرتيّن (2011 و 2019)، قدرة فائقة على امتصاص غضب الشارع والتعامل معه بحكمة ورصانة دون السقوط في الأفخاخ المنصوبة ودون إراقة للدماء، وهي في هذا الأمر قد كان  تمشيها على عكس ما وقع بالسودان، الذي بعد أن رسم شعبه ملحمة نادرة من أجل تحرره من الاستبداد  المتأسلم ل"عمر حسن  البشير" سالت أثناءها دماء أبنائه بغزارة... نجده قد أفضت به موازنات حراكه وتناقضاته إلى اعتراف حاكمه الجديد عبد الفتاح البرهان بالكيان الصهيوني، ومسارعته إلى لقاء بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الكيان في أول فرصة أتيحت له بأوغندا في فيفري / شباط 2020.

وتبقى نقطة الفخر حقًا هي الصمود الأسطوري لمؤسسة الجيش العربي السوري، فهذه المؤسسة، قد قدمت نموذجًا ناجحًا في مقاومتها للمؤامرة التي استهدفت كيان الدولة السورية الموحدة ووقفت بتماسك قل نظيره ضد الخطط المتعددة التي بشرت بملاشاة[3] هذه الدولة وكنتنتها لتحل محلها بعض الإمارات السلفية الخاضعة لإمرة الكيان الصهيوني في نطاق خطته الهادفة إلى خلق محيط نظيف أو ضعيف حوله، وهي الخطة التي أعلنها بن غوريون منذ... 1948.

فيمكن القول على ضوء ما سبق إن الخطة الإمبريالية والصهيونية، لم تنجح إذن كل النجاح الذي توقعته، وهي لئن كانت متواصلة وستتواصل، فإن فشلها المرحلي في هذين الموقعين له معان لا بد من استخلاصها؛ إذ كما قلنا في البداية ليس كل ما تخطط له الدوائر الصهيونية والإمبريالية تدركه.

فالقضية الفلسطينية رغم ذبول الاهتمام الظاهري رسميًا بها، وحتى الاهتمام الشعبي أحيانًا لبعض السنوات... ما مكن الكيان الصهيوني من توسيع التطبيع بعد مصر والأردن والضفة الغربية الفلسطينية إلى قطر والإمارات ومسقط ثم السودان... أثبتت أنها ما زالت قضية كل العرب شعبيًا على الأقل، مثلما تثبته المسيرات الهادرة التي وقعت في تونس والجزائر والمغرب وغيرها من العواصم العربية، ضد خديعة القرن، حال الإعلان عنها رسميًا وبعد مخاتلة دامت بعض الوقت.

أما أي نهاية إيجابية مثلما أصبح متوقعًا إلى حد الآن للحرب الكونية التي وقع شنها ولا زالت تشن فوق الأرض السورية؛ فإنه من المؤمل أن تنطلق منها تداعيات تاريخية جديدة، فإذ أرادت القوى الإمبريالية والصهيونية والأوليغارشيا المالية العالمية: من خلال محاولات اختراقها للغضب المشروع، لمن تضرروا من جراء سياساتها هي بالذات، ومن جراء تعليمات صناديقها التي تنفذ من قبل عملائها المعتبرين منتهي الصلاحية من طرفها بعد تشغيلهم عقودًا من الزمن لفائدتها، ما جعلها تخطط لانبعاث نظام رسمي عربي مغاير على أنقاضهم، قلنا: إذ أرادت أن تجعل من تلك الاختراقات ومن الربيع المغشوش الذي أوهمت به الناس مقبرة لطموحات القومية العربية في التحرر والانعتاق؛ فإنه من حق القوى الوطنية / القومية التقدمية الموجودة سواء داخل بعض دوائر الحكم أو في صف الجماهير الشعبية والطبقات والفئات المتضررة من السياسات الإمبريالية أن تواصل نضالها وتصليب كيانها؛ بغاية التصدي إلى هذه المؤامرة الإجرامية، والسعي إلى النهوض الجدي من الكبوات التاريخية للأمة، ومن ثمة تدشين مرحلة جديدة تكون فيها، مثل غيرها من الشعوب القديمة من صينيين وكوريين وإيرانيين وروس وهنود... وبواسطة ثورات حقيقية تتجاوز الاختراقات أو إنجازات كمية يمكن البناء عليها... قومية غير منهوبة الخيرات وغير مسلوبة الإرادة... وتتعامل بندية كاملة مع الجميع في نطاق الاحترام المتبادل وتكافؤ المصالح... فهذا حقها المشروع.

_________________________________________________________________________________________

1. تكسير السلاح: هي ترجمة للعبارة المأخوذة من اللغة الفرنسية : Briser les armes... ومعناها استعمال السلاح في ساحات الحرب بغاية تحطيمه وإعادة إنتاج ما تحطم منه.

2. الرسكلة: فهي كلمة فرنسية في الأصل وقع تبنيها في اللغة العربية، ومعناها: تأهيل وإعادة تأهيل.

 

3. ملاشاة: تعني إنهاء وجود (الدولة)، لكن عبر مسار مرسوم.