Menu
حضارة

التطبيع وحافة الهاوية

محمد أبو شريفة

نُشر هذا المقال في العدد الأخير من مجلة الهدف الرقمية

منذ افتتاح بازار ما يسمى السلام في كامب ديفيد نشأ تصورين لحل القضية الفلسطينية؛ الأول، كان يأتي على شكل مبادرات تسووية تقوم على الاعتراف بكيان الاحتلال مقابل الانسحاب من المناطق التي احتلت في العام 1967، والتصور الثاني، هي الرؤية الصهيونية والتي تقوم على أساس الاعتراف والتطبيع مع العالم العربي والنظر فيما بعد إلى الحلول التصفوية للقضية الفلسطينية. وأمام تلك الثنائية التي امتدت لأربعة عقود اتضح أن الغرب يميل لصالح الرؤية والتصور الصهيوني.

أثارت اللقاءات والزيارات الأخيرة بين قيادات أسرائيلية وفلسطينية وعربية الجدل والتساؤل بشأن التسابق على التطبيع مع الكيان الصهيوني، والهدف المرجو من هذه اللقاءات والتي تأتي في وقت تتصاعد فيه المواجهات في القدس والضفة وغزة وسقوط الشهداء في كل الأرض الفلسطينية. ويبرر "البعض العربي" بأن تفاقم الأزمات التي تشهدها المنطقة العربية دفع باتجاه إعادة النظر في العلاقة مع الآخر ولا سيما (إسرائيل) التي وجدت في مثل هذه التبريرات فرصة للترويج لصفقة القرن وتهميش القضية الفلسطينية وإزاحتها عن قائمة أولويات الاهتمام العربي. فلم يعد هنالك عقبة أمام التطبيع والاعتراف بكيان الاحتلال بعد أن تم تجاوز متطلبات القضية الفلسطينية.

رؤية ترامب للحل تنبع من هذا التصور، والذي يدور اليوم حول إجراء قمة بين قيادة الكيان الصهيوني وبعض قيادات الدول العربية، وتشير التقارير الإعلامية أن هنالك الكثير من المدعوين من قادة العالم العربي. وهذه القمة إن حدثت فإنها بالتأكيد تحول نوعي في مسار القضية الفلسطينية، فلأول مرة النظام الرسمي العربي يقوم بعلاقات معلنة مع كيان الاحتلال دون أن يقوم الأخير بتقديم أي تنازل يذكر في ملف القضية الفلسطينية، وهذا مؤشر على أن بعض النظام الرسمي العربي قد وصل إلى مرحلة التسليم للرؤية الصهيوأميركية.

ومن الملاحظ أن خطاب نتنياهو التطبيعي لم يتجاوز في مضمونه الخطاب التقليدي المستهلك عبر إعادة النمط ذاته منذ اتفاق أوسلو وحتى اللحظة والذي يرتكز على ذريعة الأمن، وبالتالي حدد وجهة الكيان في مسار التطبيع بمحورين الأول تمتين الجبهة الداخلية أمنياً وعسكرياً بسبب الأخطار المحيطة، والمحور الثاني وجوب السعي لتحقيق "سلام" مع دول المنطقة شرط أن يقوم على مبدأ الاعتراف (بإسرائيل) بصفتها الدولة القومية للشعب اليهودي وضمان أمن الإسرائيليين.

وفي هذا السياق، كشف السفير الصهيوني لدى الأمم المتحدة داني دانون بأن: "نتنياهو عقد اجتماعات سرية عدة مع عدد من رؤساء دول عربية وإسلامية لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل".

وفي قراءة موضوعية إلى مجريات الأحداث اليوم نرى أن الكفة تميل في هذا المسار لصالح كيان الاحتلال، والحديث عن تحسين شروط تسوية أو رؤية ترامب للحل، ما هي إلا ذر الرماد في العيون؛ لأن جوهر الحل في موضوع القضية الفلسطينية المقدم على الطاولة اليوم هو إعلان استسلام فلسطيني وعربي تام للاحتلال الاسرائيلي.

ولكن، ما هي تداعيات هذا التهافت التطبيعي لعدد من العواصم العربية؟ البعض من المراقبين يرون أن ما يحدث من لقاءات بين الطرفين الإسرائيلي والعربي لا تعدوا عن كونها لقاءات روتينية وليست الأولى من نوعها، ولكن ما ميزها هذه المرة أنها انتقلت من السرية إلى العلنية، وبغض الطرف عن فحواها؛ إلا أن نتنياهو يريد تسخيرها لمصالحه الذاتية في تحقيق مكاسب دبلوماسية لمساعدته في صراعاته الداخلية أمام خصومه السياسيين، واكتساب حصانة شعبية في وجه القضاء لتفادي محاكمته بتهم فساد وخيانة أمانة. في حين يرى آخرون أنها ليست إلا محاولة للتطويع التدريجي ودفع دول عربية وإسلامية في اتخاذ خطوة أكثر جرأة لتظهير العلاقة مع (إسرائيل) ومغادرة سياسة الظل.

ربما من المبكر الحكم على نتائج محاولات التطبيع، لكن بلورة رؤية موضوعية لدوافعها الحقيقية هو الذي سيمكننا من معرفة تداعياتها المحتملة، لأن من الواضح أن ثمة هوة شاسعة بين موقف المستويين الرسمي والشعبي من التطبيع ويقتضي عدم اغفاله أو تجاوزه، حيث عبر الكثيرون عن مخاوفهم من رياح التطبيع الإسرائيلية - العربية وترسيخ فكرة الهزيمة والاستسلام التي تصدرتها منذ أربعة عقود قوى وشخصيات سياسية وفكرية مشكوك في التزامها الفعلي بمبادئ التحرر وقيم الصمود. وتتعمق هذه المخاوف لتصل إلى حقيقة أن دوافع التطبيع ليست واحدة بالضرورة، بل فيها تقاطعات مشتركة بين المستويين الرسمي والشعبي ويتمثل تحديداً في طبيعة العلاقة مع العدو الاستراتيجي للأمة وأسلوب تعاطي أنظمة الحكم معه، وفيها ما هو خاص يرتبط بالأهداف والمقاصد النهائية لطرفي العلاقة ويتعلق الأمر هنا تحديداً بهوية العدو التاريخي للأمة.

ومهما تقدمت محاولات التطبيع في تحقيق أهدافها إلا أن الوصول إلى تحقيق معادلة "العمق التطبيعي" سيصطدم بعوامل الشد والجذب السياسي والمجتمعي، بما يعني أن نجاحها أو فشلها سيخضع لمعيار التوافق بين المستويين الرسمي والشعبي بشأن هوية الأعداء والحلفاء الاستراتيجيين للأمة والوطن، بيد أن اختلافات النخب الفاعلة في المجتمع وتناقضاتها الحادة يؤكد أن ثمة اختلاف جوهري في المفهوم الحقيقي لماهية العدو، ولا تزال مثار إشكاليات بين أغلب الدول العربية؛ الأمر الذي يبعث على الريبة والشك في مصداقية خطاب المستوى الرسمي والتناقض مع المستوى الشعبي، لأن في خضم هذا الاختلاف ثمة من يجزم بأن مفردات الخطاب الرسمي لا تعدو كونها شعارات تتجمل بها الأغلبية من الدول العربية وعدد لا بأس به من القوى السياسية والاجتماعية.

وبناء على ما سبق، سيكون من المتعذر فهم حقيقة التهافت على التطبيع مع العدو التاريخي للأمة من عرب وغيرهم دون العمل على بلورة تصور موضوعي لثلاث تساؤلات، أولا: حقيقة الصراع العربي- الإسرائيلي ومضمونه… هل هو صراع إرادات وصراع وجود بين دول مستقلة وكيان محتل غاصب لأرض الغير، أم أنه صراع أطراف إقليمية يسعى كل واحد منها إلى فرض رؤيته على الآخر؟ والتساؤل الثاني يتعلق بهوية الأنظمة والقوى السياسية الفاعلة والمؤثرة، هل تملك رؤية مشتركة للأسس التي يجب أن تجابه بها العدو الصهيوني؟ أما التساؤل الثالث يكمن في المآلات المحتملة للتطبيع التي من المحتمل أن تؤدي إلى نتائج غير متوقعة، كأن تنجح في تحقيق الانتقال التدريجي في التطبيع وإدخال الدولة الوطنية في حال من الفوضى والتفكك، لا سيما بعد أن تصبح رهينة لمجمل الاتفاقيات السياسية والاقتصادية والأمنية.

في الواقع، مهما تعددت الرؤى والمبادرات للترويج للتطبيع مع كيان الاحتلال، إلا أن الأمل يبقى في الاعتماد على إرادة الشعوب العربية المجربة للتسوية والغير مجربة في النهوض قدماً في مواجهة هذا المشروع. فالجميع يعلم أن الدول التي أقامت اتفاقيات تسوية مع (إسرائيل) – "كامب ديفيد" و "وادي عربة" - لم يطرأ أي تغيير على وضعها منذ عقود بل ازدادت وتفاقمت الأزمات البنيوية داخلها، وفي الميزان فإن التسوية والتطبيع مع هذا الكيان الاحتلالي الإقصائي يعني تقديم المزيد من الهبات والتنازلات فيما هي تقف وتقول هل من مزيد؟!