Menu
حضارة

تحليلعودة الحدود القومية: هل أسقط كورونا معاهدة شنغن بالضربة القاضية

بوابة الهدف - أحمد مصطفى جابر

هل تستيقظ أوروبا على سقوط اتحادها بعد أن تجاهلت دول هذا الاتحاد وثيقته التأسيسية الخاصة بالتضامن وقت الكوارث وعمدت إلى إغلاق حدودها القومية، في تصرف يشير بشكل غير مباشر إلى ذات تصرف رئيس حكومة بريطانيا ونظريته الداروينية –الاجتماعية المتعلقة بـ"بمناعة القطيع" على حد زعمه؟

حيث في الوقت الذي يواجه فيه العالم كارثة ربما غير مسبوقة –لجهة طبيعة العدو على الأقل- نجد أن معاهدة شنغن تترنح ويختفي مفهوم التكامل في القارة لصالح السياسات الإغلاقية الخاصة، لتتقوقع الدول على نفسها من جديد.

من المعروف أنه تم إنشاء منطقة شنغن ، التي تضم 26 دولة أوروبية ، في عام 1995 بالتوقيع على اتفاقية سياسة الهجرة، والتي ألغت الحاجة إلى جوازات مرور العابرة فيما بينها وألغت بشكل فعال أي نوع من فحص الحدود، وكان ذلك الإنجاز كبيرا ونوعيا في حينه حتى قبل شهر واحد عندما بدأ هذا النظام ينهار تماما.

حتى أنجيلا ميركل التي اعتبرت نفسها أكبر المدافعين عن سياسة الحدود الأوربية المفتوحة وجدت نفسها في خطابها الأخير تنعي موقفها هذا بفرض الإغلاق الحدودي مع فرنسا والدنمارك والنمسا وسويسرا ولوكسمبورغ ، بعد صعود موجة الفيروس في ألمانيا، تحت شعار "حماية السكان" كما قال وزير الداخلية، ليتراجع مفهوم السكان (الأوربي) إلى مساحته الأصلية مؤكدا "يجب أن نعمل من أجل مصلحة شعبنا" وطبعا هذه السياسة لم تبدأها ألمانيا ولكن كسقوط أحجار الدومينو التسلسلية كان لابد أن يصل الأمر إلى هنا.

طبعا تعتبر سياسة الحدود المفتتوحة جزءا أساسيا من أيدلوجية ميركل وهو الأمر الذي جعلها طوال أسابيع تمنع وزرائها من انتقاد هذه السياسة وهو ما اعتبر العديد من النقاد الألمان إنه أضاع وقتا ثمينا حتى قررت المستشارة اتخاذ هذه الخطوة منذ أيام.

يزعم البعض أن السبب في تردد ميركل هو أن اعترافها بضرورة إغلاق الحدود يعني الاعتراف بإفلاسها السياسي وقد بنت حكمها على هذه القاعدة، لتجد نفسها ما بين أخلاق الانفتاح على العالم مقابل الحاجة إلى الحماية من التهديدات، وهذه الكفة ترجح مع اتساع نطاق نفوذ كورونا.

ولعل هذا الأمر يعكس بشكل صحيح كيف تحول كورونا إلى عامل سياسي في النطاق العالمي والأوربي ليظهر كأبرز اللاعبين في حقل تحديد السياسات، كطرف مهيمن ما يتيح أيضا الاستنتاج المنطقي أن معركة كورونا ليست فقط المعركة الأخيرة لميركل بل لكل الزعماء السياسيين في أوربا وربما العالم طبعا. حيث يبدو هؤلاء في معركتهم ضد الفيروس كأنهم يخوضونها من أجل مستقبلهم السياسي ومستقبل أيدلوجيات الحكم التي اتبعوها.

شينغن تتهاوى بسرعة إذا، ففي 11 آذار بدأت سلوفينيا بإغلاق جزئي للمعابر مع إيطاليا بالذات، بما فيها شبكة السكك الحديدية الحيوية، كذلك بولندا، أعلنت في 13 آذار بأنها ستسمح فقط للمواطنين والمقيمين بدخول أراضيها، وقال رئيس الوزراء مورافيتسكي "إن الدولة لن تتخلى عن مواطنيها"، مؤكدا أنه "في الوضع الحالي لا يمكننا أن نبقي الحدود مفتوحة للأجانب"، و في سويسرا ، وهي ليست عضوًا في الاتحاد الأوروبي ولكنها مدرجة كجزء من معاهدة شنغن ، أعلنت الحكومة في 13 آذار قيود الحدود. وقالت وزيرة العدل كارين كيلر - سوتر إن تقييد حركة المرور في إيطاليا يتم لمنع المرضى الإيطاليين من طلب المساعدة الطبية في سويسرا! وفي الدنمارك أغلق في 14 آذار، و لا يُسمح للأجانب بالدخول دون سبب كاف.، وهو ما فعلته المجر أيضا.

وفي إسبانيا ، أعلن وزير الداخلية إغلاق جميع المعابر الحدودية البرية، كما أعلنت جمهورية التشيك وإستونيا واليونان ولاتفيا وليتوانيا وسلوفاكيا إغلاق الحدود. واتخذت دول أوروبية أخرى ليست جزءًا من معاهدة شنغن مثل ألبانيا وبلغاريا ورومانيا وصربيا ومقدونيا الشمالية خطوات مماثلة.

هذا الأمر لم يكن مريحا للسياسيين الأوربيين خصوصا من أنصار التكامل، حيث وفي مؤتمر صحفي في بروكسل يوم 13 آذار وقبل موجة الإغلاق، حذرت المفوضة الأوروبية أورسولا فان دير ليدين دول الاتحاد الأوروبي من إغلاق حدودها من جانب واحد محددة بدقة معنى الإغلاق اقتصاديا وصحيا " يجب أن يعمل السوق الموحد والخطوات الأحادية الجانب ليست شيئًا جيدًا لأنها تخلق تأثير الدومينو. هذا يمنع المعدات الهامة من الوصول بسرعة إلى المرضى والفرق الطبية. وأخيرًا ، قد يتراكم كل هذا إلى إعادة نشر الحدود الداخلية في وقت تحتاج فيه التضامن بين الدول" وطبعا يمكن الوصول بسهولة إلى الاستنتاج السياسي لهذا التصريح.

وفي محاولة يائسة لإنقاذ ما تبقى من معاهدة شنغن ، اقترحت فان دير ليدين(حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الألماني) في 16 مارس فرض حظر دخول لمدة ثلاثين يومًا إلى الاتحاد الأوروبي بأكمله، وكانت الفكرة الواضحة هي أنه إذا تم إغلاق الاتحاد أمام العالم الخارجي ، فلن تضطر البلدان الموجودة داخلها إلى إغلاق حدودها، ومن المفارقات ، قبل بضعة أيام فقط ، أدانت نفسها قرار الرئيس الأمريكي ترامب بحظر الرحلات الجوية القارية عندما قال : "فشل الاتحاد الأوروبي في اتخاذ إجراءات وقائية في الصين والمناطق المتضررة الأخرى ، مما أدى إلى إصابة العديد من الناس في الولايات المتحدة. من أوروبا ".وتبدو هذه الإدانة بشكل واضح غير متناسبة مع قرارات الإغلاق داخل الاتحاد.

الآن السؤال البارز هو هل أظهر كورونا مدى هشاشة وضعف الاتحاد الأوربي ، وهل من الممكن أن تعود الأمور إلى طبيعتها بعد انتهاء الأزمة؟ وإلى أي مدى كما يتساءل صحفي ألماني سيدمر كورونا الوعي الأوربي بالاتحاد وأهميته وهو وعي بني وتأسس على مدى سنوات طويلة ومفاوضات لاحصر لها؟