Menu
حضارة

«الإسلاموفوبيا» والأهداف من ورائها

عبد الإله بلقزيز

سيقت صناعة «الإسلاموفوبيا» في الغرب لتبرير التّحريض على العرب والمسلمين، ابتداءً، ثمّ للتّسويغ للاعتداء عليهم تالياً

قد يكون مبعث المشكلة في النظرة الغربية إلى الإسلام أنها هبطت، في معدلها المعرفي، من معرفة كان ينتجها المستشرقون المتخصصون إلى «توصيات» يدبلجها «خبراء» كل معرفتهم بالإسلام؛ هو معرفتهم بجماعات «الإسلام الحزبي» و«الإسلام الجهادي».

وهذا صحيح من غير مرية؛ لذلك كان من ثمراته المُرة أن ساءت معاملة المواطنين الغربيين للمهاجرين العرب والمسلمين المقيمين في الديار الغربية.

ولكن الأسوأ من انحطاط المعرفة الغربية، وصيرورتها أحكاماً منمطة بأقلام الباحثين الخبراء الجدد، أن هذه الأخيرة باتت تلقى تصريفاً واسعاً، على صعيد الرأي العام، من طريق وسائط الصحافة والإعلام وشبكات المعلومات، على نحو لم يكن متاحاً لمعارف المستشرقين قبل عقود أربعة.

ولقد آذن هذا التصريف واسع المدى لتنميطات الباحثين الخبراء لا بتوسعة نطاق تأثير مواقفهم في الرأي العام، فحسب؛ بل هو آذن بتوظيف مادتهم «البحثية» في مواد دونها قيمة من مقالات وتحقيقات منشورة، ومن برامج إعلامية ومناظرات متلفزة حول الإسلام والعرب والمسلمين هي، اليوم، الغذاء الثقافي للمجتمعات الغربية في كل ما خص الإسلام: ديناً وتراثاً ومجتمعات.

ولقد اقترن بنزول هذه «المعرفة» من بيئة النخب الباحثة إلى ميدان الإعلام اصطباغها بصبغة المجال الذي انتهت إليه وأصبحت موضوعاً من موضوعاته الأثيرة: أعني صبغة الإثارة والتضخيم والتهويل. هكذا تحول الإسلام والعرب والمسلمون - لأغراض سنومئ إليها- إلى هاجس هجس به الإعلام الغربي وعي الناس؛ وذلك بأن حولهم إلى بعبع مخيف، موحياً بأنهم جميعاً مسؤولون عن أفعال الإرهاب، بدعوى أن ذلك من تعاليم دينهم؛ متهماً إياهم بحمل مشاعر الكراهية تجاه الغرب والغربيين وقيمه المدنية، وبأن ذلك من صميم مشروعهم لفرض الأسلمة على غيرهم.

ولما كانت الفكرة النمطية السائدة في وعي المواطنين الغربيين عن المسلم أنه ذلك الكائن المتعصب، الذي لا يجد حرجاً في إتيان فعل الإرهاب بدعوى «الجهاد»؛ الذي يضرب زوجته ويحرمها حقوقها، ويرفض قيم الغرب...، فإن التربة الذهنية والنفسية العامة كانت مهيأةً لاستقبال خطاب إعلامي مسموم عن الإسلام والمسلمين وتصديقه.

ولقد أصاب الإعلام ذاك نجاحاً كبيراً في اغتنام حوادث الإرهاب، هنا وهناك، كي يضغط أكثر على مشاعر مخاطبيه وأعصابهم، وكي يكتسب الصدقية لحملاته اليومية.

الأنكى من فعل التهويل الإعلامي، وما يقترن به من إخافة، ركوب الإعلام ذاك موجة التأليب والتحريض ضد العرب والمسلمين، في أخباره والتحقيقات والبرامج، والإمعان في ذلك حد الإسراف. كثيراً ما يكون التحريض هذا من مواد مكذوبة لا دليل عليها، ولكنه قد يأتي - أيضاً- من طريق توظيف الصور.

إذا كان هدف التهويل الإخافة وبالتالي، حمل المهول على الشعور بأنه في حالة دفاع عن النفس ضد خطر يحدق به، فإن الهدف هذا مجرد لحظة انتقالية نحو التأسيس لهدف أبعد: عدوان الخائفِ على مخيفِه. والهدف هذا لا يعد من المبالغ فيه إلا متى حصل الانتقال من مجرد التهويل إلى التحريض. لهذا سيقت صناعة «الإسلاموفوبيا» في الغرب؛ لتبرير التحريض على العرب والمسلمين، ابتداءً، ثم للتسويغ للاعتداء عليهم تالياً.

لا يقوم الإعلام الغربي بأدوار السوء هذه من جانب واحد أو بالتلقاء؛ بل يفعل ذلك في ارتباط عضوي بالمؤسسة السياسية الحاكمة وبجدول أعمالها السياسي، من غير أن نستبعد، تماماً، إمكان حيازته مساحةً من الاستقلالية عن إملاءات المؤسسة وتوجيهاتها؛ وهي الاستقلالية التي توفر لقوى ذلك الإعلام إمكان التأثير في القرار أو تكييفه مع الخيارات التي تسعى فيها؛ إذ وظيفة ذلك، في المقام الأول، تهيئة الرأي العام لاستقبال سياسات قادمة (تجاه بلدان العالمين العربي والإسلامي) من غير المفاجأة بها، مقدمةً لتسويغها وتبريرها وجعلها، في تقدير المواطنين الغربيين، مشروعةً تماماً وشكلاً من الدفاع عن النفس ضد خطر واقع أو داهم. هكذا يقدم الإعلام المعادي، بهذه الوظيفة التي ينهض بها، السخرة السياسية لمصلحة نخب حاكمة معادية.

على أنه سيكون من المبالغة تحميل الغرب، رمةً، مسؤولية هذا السيل الهائل من التهويل والتحريض؛ فالغرب ليس كليةً مغلقة وموحدة؛ بل هو موطن تناقضات وتباينات في الآراء والمصالح لا حصر لها. ولذلك، فإن مسؤولية فئة قليلة من ذوي المصلحة في العدوان على العرب والمسلمين- من ممثلي الاحتكارات- ينبغي ألا تسحب على شعوب الغرب كافة، حتى وإن كان الأغلب فيها متحسساً من الإسلام.

على أن الذي لا مرية فيه، هنا، أن المايسترو الذي يدير أوركسترا العداء والتحريض ضد العرب والإسلام هو «اللوبي» الصهيوني في مجتمعات الغرب ودوله؛ هذا وحده له مصلحة مما يفعل، وقد تلتقي مصلحته مع مصالح النخب الحاكمة ومن وراءها من قوى، وقد لا تلتقي فيجِد جداً؛ كي يوجه سياساتها نحو الأهداف التي ترسمها الشبكات الصهيونية.