Menu
حضارة

جريمة النصيرات: عن المسؤولية القضائية والأخلاقية.. أين موقع الإنسان؟!

د. وسام الفقعاوي

النصيرات الحريق حريق النصيرات

خرج أخيرًا تقرير لجنة التحقيق الخاصة بحريق النصيرات الذي أودى بحياة 22 شخصًا حتى اللحظة، وعشرات الإصابات غير الأضرار المادية والمعنوية الكبيرة، وما بين الشكل والمضمون الذي جاء عليه التقرير، نجد أن هناك إجراءات منها ما يجب أن يُتخذ قبل أن تُعقد اللجنة أو تتشكل أصلًا مثل إقالة المجلس البلدي، الذي لم يكن ينتظر قرارًا من حركة حماس ليقال، أو القصور أو الخطأ في منح التراخيص التي هي مُسنة في قوانين وقرارات، لأن السؤال المنطقي هنا: لماذا لم تطبق وتنفذ أصلًا؟ وأين كانت الجهات الرقابية المختصة عن ذلك؟ خاصة، وأن حادثة النصيرات لم تكن الأولى، لجهة انفجار صهريج غاز، فقد سبقها انفجار صهريج خان يونس، لكن لحسن الحظ، إنه كان في منطقة خالية، وبعد أن طار لأكثر من 500 مترًا من مكانه وقع في منطقة خالية، وإلا لكنا أمام جريمة لا تقل عن جريمة النصيرات، وهذا على سيبل المثال لا الحصر.. أو القصور أو التأخير في القيام بالواجبات والمهمات المناطة بالأجهزة المختصة، لأن هذا التقصير لا يتعلق بجهة بعينها، ولا يحتاج لجريمة بحجم جريمة النصيرات ليدلنا عليها، بل يطال الخدمات الاجتماعية والصحية إجمالًا التي طالت حياة الكثير من الناس، أو نقل موظف من مكان عمله إلى عمل آخر، لأن السؤال المنطقي، هو: هل من كان مسؤولًا عن حياة الناس في موقع كبير سيكون أكثر حرصًا ومسؤولية في موقع صغير؟! وصولًا لتغييب البعد الشعبي في اختيار ممثليه في مجلسه المحلي والبلدي، التي ستعيد تشكيله ذات السلطة التي تتحمل المسؤولية عن ما حدث، بحسب ما خرجت به لجنتها المشكلة؟! وغير ذلك، من الملاحظات التي يجب أن تستوقفنا أمام المسؤولية القضائية لجريمة متكاملة العناصر، يجب أن يودع المتسببين بها في السجن ويخضعوا لإجراءات قانونية واضحة، لا أن يخضعوا لإجراءات شكلية فاضحة، ستعيدهم كي يكونوا في مواقع قريبة أو شبيهة لتلك التي ارتكبوا منها جريمتهم، كي يزيدوا من جرائمهم تلك، طالما ضمنوا الحضانة والحماية والرعاية!! فأين موقع المسؤولية الأخلاقية، إن لم يكن للمسؤولية القضائية موقعًا؟!

قد تكون الأسئلة التي لا تقل أهمية عن ما سبق هنا، بل يسبقها حتمًا، هو أين موقع الإنسان في عقل السلطة؟ وماذا يمثل لها؟ وهل له قيمة حقًا؟ وهل هو مُكرمًا فعلًا؟ وهل وهل... وهل هدم "الكعبة" حجرًا حجرًا أهون من قتله؟ لنصل لسؤال فارق حقًا: هل الإنسان بالنسبة للسلطة موجود أصلًا؟
عندما ترتعد فرائص السلطة من كاتب أو رسام أو فنان أو مختلف تنظيميًا أو فعلًا شعبيًا.. فتسارع لاعتقاله أو قمعه أو تهشيمه، ولا ترتعد فرائصها وكل حواسها وأدوات قمعها المادية والمعنوية، لجريمة بمستوى جريمة النصيرات، راح ضحيتها العشرات ولا زال مسلسل الضحايا مستمر.. نعرف، أن هذه السلطة لا تعترف بوجود الإنسان أصلًا إلا كوصل كهرباء أو ماء أو ضريبة أو أو... أو سارق لحق لها.. لنصل لسؤال: لماذا أوجد الإنسان السلطة أصلًا؟ هل لتلغي وجوده؟ أم لتخلق له وجودًا محترمًا ومقدرًا؟
في حالتنا الفلسطينية إجمالًا، وطوال تجربتنا وفي صراعنا المديد مع العدو الصهيوني، الذي يعمل على إنهاء وجودنا، كان سؤال الإنسان غائبًا أو مُغيّبًا، لذلك كانت النتائج أدنى بكثير من كل التضحيات العظيمة التي قُدمت، بل تم الحط من تلك التضحيات وإهدارها وتجاوزها، في مسارب ودهاليز الحزبيات المقيتة وتقديم الخاص على العام والتسويات المهينة وصراع المصالح والامتيازات الشخصية وغير ذلك بالطبع.      
بتكثيف واضح، لا وجود ولا كرامة لحركة أو حزب أو سلطة أو مقاومة.. لا تعترف بوجود الإنسان وكرامته وحقوقه.. لأنه هو أصل وجودها جميعًا.. فإذا نفت وجوده انتفى وجودها.. وهنا موقع جريمة النصيرات بالضبط.