Menu
حضارة

تسخين وتبريد المواقف الإسرائيلية على الجبهات

حلمي موسى

رغم انشغال إسرائيل الظاهر بالاتفاق النووي الإيراني إلا أن اهتمامها الساخن يتركز على دول الطوق، خصوصاً الجبهة الشمالية، وعلى الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وجاء سقوط أربعة صواريخ على هضبة الجولان المحتلة واصبع الجليل والغارات والقصف الإسرائيلي لمواقع في العمق السوري لتظهر أن الذراع الإسرائيلي موجّه إلى المحيط القريب. كما أن تطورات الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة تدفع الكثير من المعلقين للتساؤل عما إذا كانت الأوضاع تقترب من نشوب انتفاضة أم لا.

ومن الواضح أن العمليات الإسرائيلية، سواء التي ينفذها الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة أو تلك التي ينفذها المستوطنون تخلق توتراً يساعد على الاعتقاد بأن شيئاً ما قد ينفجر بشكل واسع. حدث هذا مع تصاعد التهديدات في الأسبوع الفائت بكسر التهدئة من جانب فصائل فلسطينية إذا ما وقع مكروه للمحامي الأسير محمد علان المضرب عن الطعام. وتشير الطريقة التي تعاملت بها إسرائيل مع قضية الأسير العلان وصولاً إلى قرار المحكمة العليا الإسرائيلية بإلغاء قرار اعتقاله الإداري إلى رغبة إسرائيلية في منع التصعيد.

وواضح أن قرار إسرائيل عدم التصعيد في الأراضي المحتلة مقابل قرارها التصعيد في الجبهة الشمالية يشهد على تطلعات إسرائيل المتناقضة في الجبهتين. ففي الجبهة السورية عمدت إسرائيل قبل إطلاق الصواريخ إلى رفع حالة التأهب وإجراء مناورات عسكرية واسعة وإشاعة أجواء بأنها تتدرّب على سيناريوهات احتلال مناطق في سوريا رداً على عمليات موجهة ضدها. وحينما أطلقت الصواريخ أوحت أنها تدرس الأمر لكن كثيرين قالوا بأن الرد على حوالي 14 موقعاً في مناطق جنوب سورية يبين أن النية كانت مبيتة وأن لا توازن بين إطلاق الصواريخ والرد الإسرائيلي.

وهنا ربما يكمن الفارق إذ إن إسرائيل تريد الإيحاء بأن كل ما يجري على الجبهة السورية ليس سوى محصلة للاتفاق النووي مع إيران. وهي تقول علناً أن ارتياح إيران الاقتصادي والسياسي سيدفع إيران إلى تعزيز مساعيها للضغط على إسرائيل من الجبهتين اللبنانية والسورية. ولهذا السبب أعلنت إسرائيل أنها في ردّها على قصف الصواريخ ترد بشكل واسع على رسالة إيرانية محددة مغزاها أنها لن تسمح بجرها إلى جبهة جديدة. ولكن ما هو أهم من ذلك الاعتقاد الإسرائيلي بأن تسخين الجبهة السورية واتهام إيران بالوقوف خلف ذلك يسمح لمعارضي الاتفاق في الكونغرس الأميركي بامتلاك ورقة تتعلق بالحاضر الملموس وليس فقط بالمستقبل المجهول. وواضح أن إسرائيل أرادت من وراء تصعيدها العسكري والإعلامي هناك إثبات أن إيران تستغلّ الاتفاق لتعزيز حضورها وبالتالي مواجهتها لإسرائيل في هذه الجبهة.

وليس مستبعداً أيـــضاً أن سعي إسرائيل لتخــــدير الحلــبة الفلســــطينية ينبع في جانب منه من رغبة في عدم الاضطرار للصدام في جبهتين في آن. ومعــــروف أن إسرائيل تركّز ديبلوماســــياً وإعلامياً على الاتفاق النــــووي من أجل الحيلولة دون إقــــراره في الكونغرس. وهي في الوقــت نفسه تحــــاول أن توفـــر لأعضاء الكونغرس، عبر التصعيد في سوريا، ذخـــيرة جديدة في مواجهة الاتفاق.

ولكن إلى جانب ذلك هناك مأزق واضح في الجانب الفلسطيني. فأفق التسوية مسدود حتى في توجهاته الجزئية. وتبدو السلطة الفلسطينية في رام الله في حيرة من أمرها وهي تجد أن مساعيها الديبلوماسية لم تقيّد كثيراً جهود إسرائيل الاستيطانية. كما أن الوساطات الدولية، وخصوصاً الأوروبية، لم تسهم حتى في توفير جسر يمكن مده بين الحل السياسي الطامح إلى إنشاء دولة والذي تتبناه السلطة الفلسطينية والحل الاقتصادي النافي للدولة الذي تتبناه حكومة اليمين في إسرائيل. وما يزيد الطين بلة في نظر السلطة أن المساعي الدولية لم تعد تخيف إسرائيل بشكل جدي ما يشكل إحباطاً للآمال التي علقت على هذه المساعي.

وهنا تدخل غزة على الخط وهي الواقعة تحت حصار اقتصادي وجغرافي وسياسي خانق. وتقريباً يكاد يكون حكم حماس في غزة مخنوقاً من كل الاتجاهات بما فيها الداخلية الفلسطينية. فإضافة إلى الخنق الذي تمارسه السلطة جراء خلافها واختلافها مع حماس هناك الأعباء المعنوية والمادية لبقاء مليوني فلسطيني تحت الحصار. ورغم أنه تجري بين حين وآخر محاولات هنا وهناك لتنفيس الاحتقان ولمنع الانفجار سواء عبر إجراءات إسرائيلية أو عبر فتح معبر رفح من الجلي أن هذه المحاولات غير كافية.

وربما أن هذا ساعد بعض الجهات الدولية على محاولة التفكير بحل جزئي أبعد مدى يتمثل في إبرام اتفاق تهدئة مع حماس. ولكن مثل هذا الاتفاق، رغم كثرة المساعي التي يجري الحديث عنها، ورغم الرغبة المعلنة أو المستترة لدى الطرفين، يواجه مصاعب شديدة. فلا إسرائيل ولا حماس معنيتان بالتوصل إلى اتفاق منفرد بينهما بسبب عواقب ذلك على سياسة كل من الجانبين. إذ أن إسرائيل تحمل راية العداء للإسلاميين وتطالب أميركا وأوروبا بعدم التعاطي معهم. كما أن حماس تحمل راية المقاومة ويرى بعض قادتها أن مثل هذا الاتفاق كفيل بكسر هذه الراية.

وهكذا يرى معلقون أن إسرائيل وحماس قد تكونان بحاجة للسلطة الفلسطينية في رام الله أكثر من أي وقت مضى إذا أرادتا فعلاً التوصل لاتفاق. وبديهي أن أي اتفاق كهذا، إن تمّ التوصل إليه بموافقة السلطة، سينطوي على اضطرار الطرفين الفلسطينيين للتوافق في ما بينهما.

المصدر: السفير