Menu
حضارة

هل الديمقراطية فى أفــول؟

د.جلال أمين

قرأت أخيرا كتابين مهمين، وثيقى الصلة أحدهما بالآخر، وأعتقد أن موضوعهما يهم القارئ العربى.

أحد الكتابين من تأليف طارق على، ذلك الكاتب والناشط السياسى الفّذ، وهو بريطانى الجنسية من أصل باكتسانى، سمعت اسمه لأول مرة منذ نحو نصف قرن، فى سنة 1968 عندما قامت تلك الثورة الشهيرة فى فرنسا، ثم امتدت إلى دول غربية أخرى كثيرة، وعرفت باسم «ثورة الطلاب» وذكر فيها اسم طارق على كواحد من أهم خطبائها وكان عمره وقتها لا يتجاوز 25 عاما، ثم ظهر له الكثير من الكتب والروايات، وهو الآن من المشرفين على أهم مجلة يسارية فى بريطانيا هى «نيولفت ريفيو» Newleft Review.

كتابه الذى أريد أن أتكلم عنه الآن صدر هذا العام بعنوان «الوسط المتطرف - The Extreme Centre» ويشرح فيه ما حدث للاحزاب اليسارية فى الدول الغربية وما اصابها من ضعف وذبول فكريا وعمليا حتى اصبحت تنتمى أكثر فأكثر لا لليسار ولا لليمين بل إلى الوسط، لكن حتى هذا الوسط أصبح يلعب فى الحياة السياسية دورا معيبا للغاية إذ تخلى عن مسئوليته التقليدية فى الدفاع عن حقوق الفقراء أو الضعفاء، ومال أكثر فأكثر إلى خدمة سياسات يمينية بل ومتطرفة فيبعدها عن مصالح الفقراء ومن ثم استحق أن يوصف بـ «الوسط المتطرف».

يقول طارق على إن هذه الظاهرة عامة تنطبق على بريطانيا التى كانت سياستها فى عهد تونى بلير (العمالى) مجرد امتداد لسياسات ثاتشر (المحافظة)، كما تنطبق على الولايات المتحدة التى اصبح من الصعب مع مرور الوقت التمييز فيها بين برنامجى الحزب الجمهورى والحزب الديمقراطى، كما زاد التشابه فى فرنسا بين الاشتراكيين والمحافظين، وبين التحالفات المختلفة فى ألمانيا وبين يمين الوسط ويسار الوسط فى الدول الاسكندنافية.. الخ.

أما الحديث عن «الموجة الثالثة» أى نمو تيار ثالث جديد يتميز عن اليمين واليسار القديمين، فقد ظهر مع الزمن أنه سراب أو عمل دعائى أكثر منه وصفا لتغير حقيقى.

يذكر طارق على عدة أمثلة واقعية لتشابه المواقف بين الاحزاب سواء بين حزب معارض وحزب حاكم أو بين مواقفها عندما تتولى الحكم بالفعل، وسواء بين سياساتها الداخلية أو الخارجية. ان مواقفها متشابهة من قضية التفاوت المتزايد فى الثروة والدخل، وإزاء معاملة المهاجرين الزاحفين من بلاد أوروبا الشرقية أو من بلاد الجنوب الفقيرة إذ تتفق هذه الاحزاب فى اعتبار هؤلاء المهاجرين منافسين للعمال الوطنيين ومصدر تهديد لمستوى معيشتهم يجب التصدى له بحزم.

الظاهرة مهمة كما أن عمومها وانتشارها فى مختلف الدول الغربية يستدعى البحث عن تفسير عام لها، وطارق على يجد هذا التفسير فى انتصار الرأسمالية أو على الأقل زيادة درجة تجبرها أو توحشها على الاخص بعد سقوط الحكومات الاشتراكية فى دولة بعد أخرى فى أواخر الثمانينيات.

يقول طارق على إن انصار الرأسمالية كانوا يدافعون عنها قبل ذلك بنوع من الاستحياء ويتجنبون استخدام اسمها الحقيقى (الراسمالية)، فيستخدمون بدلا من ذلك وصفا ألطف هو (الديمقراطية). أما الآن فقد زال الحياء وأصبح الدفاع عن الرأسمالية وحرية السوق يجرى بجرأة مقترنا بالادعاء بانه لم يعد للنظام الرأسمالى بديل وأن الداعين إلى نوع أو آخر من الاشتراكية أو المدافعين عن القطاع العام هم (ديناصورات) محافظة تنتمى إلى عصر قديم تمت إبادته. وفى ظل هذا الانتصار الحاسم للرأسمالية لم يعد أمام اليساريين القدامى إلا الانضمام للطرف المنتصر، فينسحب بعضهم من ساحة النزال انسحابا تماما، ويغير الباقون جلودهم حتى وان زعموا بأنهم لايزالون ينتمون إلى المعارضة أو إلى نوع جديد من اليسار أو إلى نوع أو آخر من «الوسط» وإن كان هذا الوسط فى رأى طارق على ليس أقل تطرفا من اليمينيين التقليديين.

الكتاب الآخر يذهب إلى أبعد مما ذهب إليه طارق على إذ أن الأمر فى نظر كاتبه لا يقتصر على أفول النظام الحزبى بل هو أفول الديمقراطية كلها. الكاتب ايرلندى متخصص فى العلوم السياسية «بيتر مير -Peter Mair» توفى قبل أن ينشر كتابه فى 2013 واسم الكتاب « ان تحكم فى فراغ - Ruling The Void» وعنوانه الفرعي: انحسار الديمقراطية الغربية - The Hollowing of Western Democracy» .

يبدأ المؤلف كتابه بالقول إن السياسيين سواء كانوا محبوبين أو مكروهين يثق فيهم الناس أو لا يثقون أصبح تأثيرهم فى حياة الناس أضعف بكثير مما كان فى الماضى وتدهورت مكانتهم فى نظر الناس هذا التدهور نتج عن عدة عوامل منها انصراف الناس أكثر فأكثر عن السياسة وتوجيه اهتمامهم بدلا من ذلك إلى مشروعاتهم الخاصة ومنها ما طرأ من تطورات على سلوك الاحزاب السياسية (كما شرحه كتاب طارق على ) ومنها ايضا خضوع الدولة لمؤثرات خارجية أو لقرارات تصدرها مؤسسات دولية كالاتحاد الأوروبى مثلا أو صندوق النقد الدولى أو منظمة التجارة الدولية.. الخ، مما يقلل من أهمية ما تتخذه الدولة بمفردها من قرارات.

يقدم الكتاب ارقاما بالغة الدلالة على الانخفاض الملحوظ فى عدد المشتركين فى الانتخابات العامة كنسبة من اجمالى من لهم حق التصويت خلال الخمسة والعشرين عاما الأخيرة.

فيذكر مثلا أن هذه النسبة فى بريطانيا فى سنة 2001 كانت أقل منها فى أى وقت منذ عرفت بريطانيا النظام الديمقراطى ويقدم ما يدل على انخفاض مماثل فى فرنسا وإيطاليا والنرويج والبرتغال واسبانيا وسويسرا والنمسا وفنلندا لكن المشاركين فى الانتخابات فضلا عن انخفاص نسبتهم اظهروا ايضا ميلا واضحا لتغيير ولائهم بالانتقال من التصويت لحزب إلى التصويت لحزب آخر.

يلاحظ المؤلف ايضا انخفاضا ملحوظا فى عدد المنضمين لاى حزب من الاحزاب خلال العشرين سنة الأخيرة من القرن العشرين فى 13 دولة من أعرق الدول الأوروبية فى الديمقراطية سواء كنسبة من اجمالى المشتركين فى الانتخابات أو حتى كأعداد مطلقة للاعضاء فى الاحزاب السياسية ويستخلص المؤلف من ذلك أن السياسة بالمعنى المعروف قد تحولت من نشاط يسهم فى الناس إلى نشاط يتفرج الناس عليه.

يعترف المؤلف قرب نهاية الكتاب بأن معظم دول العالم اليوم يمكن أن توصف بالديمقراطية إذ من الممكن اطلاق هذا الوصف على 63% من مجموع الدول المستقلة، ويعيش فيها 58% من اجمالى سكان العالم لكن أى ديمقراطية هذه بالضبط؟ ففى الوقت الذى تحولت فيه دولة بعد أخرى إلى تبنى «النظام الديمقراطى» اصبح من اللازم أكثر من أى وقت مضى إعادة تعريف ما نقصده بـ «الديمقراطية» بعد كل هذه التغيرات التى طرأت على موقف الناس من السياسة، وموقفهم من حكوماتهم، وموقف الحكومات من الناس وتضاؤل الفوارق بين الاحزاب المتنافسة بل وتضاؤل سلطة الدولة نفسها سواء كانت ديمقراطية أو لم تكن.

المصدر: الأهرام