Menu
حضارة

في عالم شديد الصخب والتعقيد: المجتمعات المدنية في بؤرة الاستهداف

م. تيسير محيسن

مرة أخرى يعود الاهتمام بالمجتمع المدني إلى صدارة المشهد العالمي ليس بوصفه مقولة نظرية، معيارية أو تحليلية، يختلف حولها الدراسون والخبراء، بل بوصفه فضاء حقيقيًا للفعل المدني يتعرض للتقليص والتهديد من قبل جهات عدة.

لعقود طويلة ظل مفهوم "المجتمع المدني" محل خلاف نظري شديد، إلى أن شاع بين المهتمين معنى مشترك ومتفق عليه إلى حد كبير. ينظر إلى المجتمع المدني بوصفه فضاءً عامًا، يقع بين الدولة والسوق والعائلة وتتسم مكوناته، متعددة الأشكال والأحجام والأدوار، بالاستقلالية والطوعية والمؤسساتية.  

يترافق صعود الاهتمام بالمجتمع المدني وتقليص فضاءاته أو إعادة النظر في مكوناته ووظائفها مع أفول نجم الليبرالية الجديدة منذ أزمة 2008/2009، وعلى وجه الخصوص مع صعود الشعبوية اليمينية. مذ ذاك يشهد العالم إخفاقًا بينًا لنظرية "السوق"، ركودًا لفكرة الديموقراطية، ويعاد إحياء المشاعر القومية وتبرز مظاهر متنوعة من الاستبداد والقمع.

من بين التدابير والإجراءات الهادفة لتقليص الفضاء المدني، تحتل استراتيجية التشكيك في "الشرعية" حيزًا واسعًا في أكثر من مكان في العالم. وتشمل ترويج فكرة أن المجتمع المدني لا يمثل إلا نفسه، ولا يعبر عن الإرادة الشعبية، باعتباره غير منتخب، ويتلقى تمويلاً خارجيًا، وبالتالي يصبح مساءلاً من قبل مصادر هذا التمويل وليس من قبل جمهوره المحلي، وهو ما يجعله يقدم "أجندة" الممول وأولوياته على الأجندة والأولويات المحلية. أيضًا تشتمل الاستراتيجية على الاتهام بأن مجموعات ومكونات المجتمع المدني ما هي إلا واجهات لتنظيمات سياسية لها أجندات فئوية وتحمل أيديولوجيا حزبية. أخيرًا، يتهم القائمون على النشاط المدني بأنهم "جماعات أجنبية وغير تمثيلية ونخبوية"، يتقاضون مرتبات عالية، ويتمتعون بمزايا كبيرة مثل السفر المتكرر ومظاهر البذخ وغير ذلك.    

بالمقابل، يجب الاعتراف بأن "كيل التهم" للنشطاء وتقييد بيئة عمل منظمات المجتمع المدني يأتي من قبل زعماء شعبويين وأحزاب يمينية وأنظمة استبدادية وأخيرًا من قبل كيانات عالمية كانت تقدم التمويل والدعم للمجتمع المدني. صحيح أن المجتمع المدني قابل للنقد، ويعتريه خراب في الكثير من جوانبه ونواحيه، إلا أن الاستهداف الأخير يراد منه قمع الصوت البديل، المعارضة السياسية عبر استغلال وتوسيع الانقسامات داخل صفوفه وأيضًا إشغال الناس العاديين عن التعامل مع القضايا والنقد الجوهري الذي تثيره مجموعاته ومكوناته، بالتركيز وتسليط الأضواء وأحيانًا بالتضخيم والمبالغة في إظهار أوجه القصور الحقيقية والمزعومة في المجتمع المدني وإبراز سوءات نشطاءه.

في غضون ذلك، باتت مجموعة من الأسئلة تشكل الشغل الشاغل للمهتمين والقائمين على منظمات المجتمع المدني: كيف نواجه الشعبوية؟ كيف نجدد مصادر "شرعيتنا"؟ كيف نرد على الحملات المسعورة والهجمات العدائية من قبل الحكومات وبعض الأطراف الأخرى؟ في كثير من بلدان العالم باتت منظمات المجتمع المدني عالقة بين بيروقراطية معادية وقطاع أمن مشبوه وسكان متشككين وحكومة غاضبة وقطاع خاص غير مهتم. وربما نظرًا لضعفها؛ باتت منظمات المجتمع المدني هدفًا لهجوم كل الأطراف؛ في سياق معقد يشهد تزايدًا في مظاهر الاستبداد والمشاعر القومية وارتدادات أزمة الاقتصاد المتعثر تعبيرًا عن الغضب والاحباط أو إعادة توجيه الاحتقانات في غير ما يجب أن توجه إليه؛ أي الأسباب الحقيقية للأزمة وهي الأنظمة الفاسدة والمستبدة والنيوليبرالية المهيمنة.

وقبل أن نتطرق للحالة الفلسطينية، يجدر التنويه إلى أن محددات "شرعية" منظمات المجتمع المدني تتمثل فيما يلي: (1) القضايا التي تعمل عليها؛ لوحظ أنه كلما ابتعدت المنظمات عن أنشطة "الحشد والتأثير" نحو الأعمال الخيرية وتقديم الخدمات والإغاثة الإنسانية، كلما نجت من الملاحقة والتشهير والتضييق. (2) الهوية والماهية من حيث التمثيل المباشر والقيادة الرشيدة وامتلاك رؤية شاملة وتقدمية للتغيير. (3) الأدوات وأساليب العمل والمقاربات استنادًا إلى المرتكزات التالية: المساءلة المجتمعية، المحافظة على الاستقلالية، ضمان الشفافية بشأن الأهداف والأساليب. (4) تستمد الشرعية كذلك من أولئك الذين تعمل معهم المنظمات، سواء كانوا جهات فاعلة أخرى في المجتمع المدني، أو حلفاء أو شركاء رسميين وغير رسميين، من القطاعين العام والخاص أو من كيانات إقليمية وعالمية. (5) أخيرًا، تبني منظمات المجتمع المدني "شرعيتها" على ما تحققه من تأثير وما تتركه من أثر وما تمتلكه من نفوذ. تدلل بعض التجارب أن المنظمات تصبح أكثر "صمودًا" في مواجهة التحديات وأكثر قدرة على تجديد الشرعية والمحافظة عليها، كلما كانت أكثر مساءلة من قبل جمهورها المحلي.

فلسطينيًا، تزداد الحاجة إلى مجتمع مدني أكثر "صمودًا" وقدرة على البقاء والاستمرار والمقاومة والمساهمة الفاعلة في الاستجابة للتحديات الثلاثة التي تواجه الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ وهي: تعزيز الصمود والمواجهة، حماية الهوية الوطنية، تنمية حس المواطنة.

يواجه المجتمع المدني في هذه الآونة تضييقًا وتقييدًا لعمله؛ تراجع مصادر التمويل واشتراطه سياسيًا، حملة تحريض إسرائيلية مسعورة، انقسام سياسي شديد الوطأة، تجزأة وفصل جغرافي يتكرس.

في ظل انعدام فعالية المؤسسات المركزية، مؤسسات السلطة والمنظمة، وضعف القطاع الخاص، تقع على عاتق منظمات المجتمع المدني الفلسطيني مهمة بناء الصمود وتعزيزه والمحافظة على التماسك الاجتماعي والتفاعل بين تجمعات الفلسطينيين المختلفة. لكن هذه المنظمات تعاني مما عاناه المجتمع ككل من تقويض وإضعاف، وربما كانت هي ذاتها أحد عوامل التقويض وهو ما نسميه "ظاهرة الأنجزة الباذخة" وما تتضمنه من انقطاع لجذورها المجتمعية، واندراجها ضمن نسق العولمة الليبرالية، وبروز حالات مؤكدة للفساد وإهدار الأموال وتغليب الاعتبارات الفئوية والشخصية في عملها. ومع كل ذلك، تظل هذه المنظمات هي الحامل الأساسي لفكرة الصمود شرط إعادتها إلى الحاضنة الشعبية، أي إلى المجتمع المدني الأشمل والأوسع. 

بعد 25 عاماً وصل النظام السياسي الفلسطيني إلى ما وصل إليه اليوم من عجز وانعدام قدرة، في إطار مشروع "التسوية"، في ظل محددات؛ أبرزها الصراع على الهيمنة في الحقل السياسي، وكذلك مجمل الممارسات الاحتلالية الظاهرة والخفية، وأخيرًا تأثيرات المشهد الإقليمي. في غضون ذلك، سادت مجموعة من الأوهام أو الأحلام الطوباوية؛ وهم السلطة ومنافعها، وهم السيادة وتباعاتها، وهم التنمية وعوائدها، زينت للفاعلين السياسيين النزول عن الجبل طمعًا. انشغل هؤلاء في إدارة صراع مفتعل بينهم، سعيًا وراء المكاسب والمناصب تاركين لعدوهم فرصة الانقضاض على كل عوامل قوتهم ومخزونهم الكفاحي وتصفية حساباته معهم.

أسفر الصراع على الهيمنة عن اضعاف قدرة المجتمع على البقاء والصمود والمواجهة، كذلك أدى النزاع بشأن السيطرة السياسية إلى تحطيم النظام السياسي وتهميش مكوناته وإبطال فعاليتها.

من كل ما سبق، نستنتج أن التحدي الرئيس الذي يواجهنا إلى يومنا هذا لا زال يكمن في مواجهة السلوك العنصري الاستيطاني لدولة الاحتلال من جانب، وحالة العجز وانعدام القدرة الناجمة عن التجزأة والتفتيت الذاتي. إن الاستجابة الفعالة لهذا التحدي تتطلب:

 

(1) إثبات الجدارة والأهلية الوطنية باعتبارها شكلاً من أشكال ممارسة السيادة، تعزيز حرية الاختيار والقدرة على تمثيل الآخرين، وتشكيل مجتمع سياسي تتعزز فيه المساءلة والمشاركة وممارسة النقد، وأيضًا إنشاء مؤسسات قوية وشاملة وديمقراطية، تستند إلى سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.

(2) بناء إجماع ينظم التنوع ويمنع تحويل الصراع والتنافس السياسي إلى جبهة عداء مستحكم بين الفاعلين السياسيين ييعبر عن ذلك باستراتيجية موحدة تحتوي المخاطر المرتبطة بالتفتت المجتمعي والهوية الوطنية.

(3) تعزيز الصمود والقدرة على المواجهة في مجتمع يعيش جدل التفكك والبناء تحت وطأة ممارسات احتلالية عدوانية، وانقسام طال أمده وتجذر، وابتزاز تمارسه المعونة الخارجية وأوضاع إنسانية متردية، تضعف ركائز مجتمع الصمود وتزداد انكشافًا أمام المؤثرات الخارجية أكثر وأكثر. ثمة جانبان للصمود:

 

حماية الهوية الوطنية: أي ترميمها وتطويرها والحفاظ عليها في مواجهة حالة التفتت والتشرذم والانقسامات السياسية والأيديولوجية (الهوية الوطنية بشقيها السياسي والثقافي هي الجانب التحرري في فكرة الصمود).

 

تنمية حس المواطنة: أي بناء المواطن الفعال، ضمن شرطها التاريخي (الاستقرار والسيادة: مأسسة وسيادة قانون ومشاركة سياسية عبر الانتخابات والمساءلة) وتشكل الشق البنائي في فكرة الصمود

بمقدور منظمات المجتمع المدني أن تعمل على "وصل" ما انقطع بين الفلسطيينين عبر برامجها المختلفة وباستخدام التكنولوجيا المتطورة، وتعزيز الجانب الثقافي والتراثي في الهوية، وأيضًا المساهمة في عمليات بناء الإجماع والتوافق السياسي وبناء المواطن الفعال وتعزيز المشاركة وحوار السياسات ومحاربة الفساد. وكي تفعل ذلك بكفاءة، عليها أن تجدد فعاليتها السياسية "أي قدرتها على تغيير علاقات القوة الاجتماعية لصالح الفئات المقهورة والمهمشة والفقيرة".  

 

[1] باحث وكاتب سياسي/غزة، عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني