Menu
حضارة

بعد أن ينقشع غبار الوباء

علي محمد فخرو

يخطئ من يعتقد بسبب العجز وقلة الحيلة، أن هذا الفيروس الصغير سيكون مدخلاً لحل إشكاليات الإنسان الكبرى

بعد فترة لن تطول سينقشع غبار فيروس «كورونا»، ومعه ستهدأ النفوس، وتتراجع المخاوف والمبالغات، وستفتش وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي عن موضوع آخر تهتم به، وسيساعدها جيش من الكتّاب، وأصحاب الحضور الشعبوي الديماغوجي، وإعلام الثرثرة على الانتقال إلى ذلك الموضوع بيسر.

ومع ذلك، وكتمرين ذهني على الأقل، دعنا نطرح السؤال التالي: ما الحالة النفسية والذهنية والسلوكية التي ستكون عليها حالة البلايين من الناس العاديين، وهم الذين عانوا أكثر من غيرهم ويلات وفواجع ذلك الوباء الفيروسي؟

لو أننا فتشنا عن الجواب في تاريخ البشرية، لنتعلم من دروسه وعبره، لأفحمنا قول لورنس دورل «بأن التاريخ هو إعادة مكررة لأساليب حياتية خاطئة» أو قول فريدريك هِبل: «كان من الأفضل لو أن الإنسان اهتّم بتاريخ طبيعته أكثر من اهتمامه بتاريخ أفعاله»، أو قول غوته:

«الخطيئة تكتب التاريخ، بينما تبقى الطيبة في صمت مطبق». على ضوء تلك الانطباعات يشعر الباحث في التاريخ عن جواب بأن دروس تاريخ الحاضر، تاريخ الآن، بكل أهواله وما يفعله في حياة الملايين اليومية، لن تكون دروساً تغييرية للمستقبل المنظور، على عكس ما يقوله البعض من أن التاريخ هو علم التغيّر.

لعل ما يفسر ذلك هو قول سايرل كونولي من «أن ذاكرتنا ليست أكثر من بطاقات فهرس، ما إن ينتهي الرجوع إليها، حتى تُّخل وتُّفسد، ترتيبها سلطة لا يمكن السيطرة عليها». وفي عالمنا الذي نعيش لن تكون سلطة واحدة فقط، وإنما سلطات لا حصر لها.

من هنا نستطيع التنبؤ بألم وبحسرة، وعلى عكس ما يظن الكثيرون ويرددون الآن، بأنه ما إن تنقشع الغمّة الوبائية الحالية حتى تعود الأغلبية الساحقة من البشر العاديين إلى سلوكاتها وعصبياتها وتحزباتها وغمغماتها السابقة، ونسيان وجوه وأسماء من سهّل قدوم الوباء الكارثي، ومن أخفق في مواجهته.

ستنسى الأغلبية العظمى خطابات ومواقف وتبريرات رؤساء الطوائف الدينية والمذهبية، ورؤوس القبائل والعشائر والعائلات المتنفذة، وقادة الأحزاب الخالدين، ومالكي مؤسسات الثروة الاقتصادية والمالية. وستعود الحياة السياسية الرتيبة، المختطفة من كارتيلات أقلية متفاهمة على توزيع الخيرات والنفوذ والأرض ومن عليها فيما بينها، ستعود كما كانت، غير قادرة على تخطي خلافاتها وصراعاتها، وغير مؤهلة ذهنياً وأخلاقياً؛ للعمل مع بعضها.

منذ قرون والمفكرون الواعون يكتبون عن شتى الظروف والعوامل التي قادت إلى قابلية جموع البشر لقبول الذل والاستبعاد أو الهيمنة من قبل أقليات تمارس كل ذلك باسم الدين أو الانتماءات التاريخية أو الخلفية الشرعية الكاذبة أو غيرها من الشعارات. ويستغرب المفكرون من مرور القرون على وجود تلك الظاهرة. كل ما يحدث هو تغير أشكالها وطرق ممارستها وأساليب تزييف شعاراتها؛ لكن الجوهر يبقى متجذراً في حياة جموع البشر.

لكن شيئاً فشيئاً تتضح الإجابات عن تلك الأسئلة. ليست العلة في ذات الإنسان الطبيعية، ولكنها تكمن فيما يبنيه الإنسان من مؤسسات مجتمعية.

إنها مؤسسات من مثل العائلة والدين والمذهب والمدرسة والنادي والحزب والنقابة والحكم وغيرها.

جميع هذه المؤسسات مملوءة مع مرور الوقت بالعلل في علاقاتها الداخلية؛ بحيث تصبح غير ديموقراطية وغير محكومة بالقيم الإنسانية، وعلى الأخص قيمة العدالة. وتنتهي، هي الأخرى، مختطفة من قبل أفراد أو أقليات.

المشكلة كبيرة وبالغة التعقيد، وهي قد تكوُنت عبر القرون وتجذّرت في عقول ونفوس وأرواح البشر؛ ولذلك يخطئ من يعتقد، بسبب العجز وقلة الحيلة، بأن هذا الفيروس الصغير سيكون مدخلاً لحلّ إشكاليات الإنسان الكبرى.

ومع ذلك فملابسات ونتائج كارثة وباء «كورونا» يمكن أن تساهم في إمكانية انتقال الملايين إلى الخطوة الأولى في الدرب الطويل؛ من أجل إصلاح تركيبة وعلاقات وممارسات كل المؤسسات التي أوجدها الإنسان؛ إذ إن إصلاحها سيكون مدخلاً لإصلاح الإنسان نفسه، ليقاوم كل أنواع الأوبئة الصحية والمادية والمعنوية في مسيرته الإنسانية المتعثرة.