Menu
حضارة

مُشاهَدات يوميّة من الحَجر (2): نحنُ والكورونا والاستعمار

محمد كناعنة

خاص بوابة الهدف

في بدايَة الأزمة ضحكنا وتناولنا النُكت حولَ الوباء، كانَ أمرًا طبيعيًا هذا التصرّف في ظل غياب إدراك حقيقي لِخطورة هذا الوباء، وفي جانب من هذا التصرّف كان حاضرًا مفهوم "محاولة قهر القهر" وهو ما يعني محاولَة تجاوز الأزمات والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية في مقدمتها، هذا المفهوم الذي فسَّرهُ هنري برجسون الفليلسوف الفرنسي، فالسُخرية وقت الأزمات تحمل في طياتها هروب من الضغوطات النفسية النابعة حتمًا من واقع سياسي إجتماعي/اقتصادي مأزوم وهو ما يُعرف بعلم الاجتماع بـ"سوسيولوجيا النكتة".

في مَرحلة ما خرجنا لنُشاهد الكورونا وبعدها إستعدنا نكت من الانتفاضة وخرجنا لنُشاهد حظر التجوال وتحديد الحركة فباتَت حركتنا أنشط من السابق، لم يعد الأمر مُضحكًا وبدأنا نتساءل: متى سَتنفجر قُنبلة هذا الوباء، كورونا، في مجتمعنا الفلسطيني في الداخل تحديدًا؟

فمُنذُ الإعلان من قِبل وزارة الصحة الصهيونية في 21 فبراير شباط الماضي عن أول إصابَة لمستوطن صهيوني بفايروس كورونا وَقد كان ضمن أحد عشر صُهيونيًا على متن سفينة "دايموند برنسيس" عند الشواطئ اليابانية، تَوالت الأنباء والأخبار عن مُصابين بهذا الوباء هذا عدا عن حالَة الهلع التي طغت على فئات ليست بالبسيطة في التجمع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، ومع بداية شهر آذار وإرتفاع عدد المُصابين تَبَيَّن وكأنّ لا إصابات في المُجتمع الفلسطيني في الداخِل المحتل، التقارير اليوميّة كانت تتعاطى مع الأرقام من دونِ ذكر للمجتمع الفلسطيني، أقيمت مراكز فحص وتم ترتيب مراكز للحجر وللفحوصات ومراكز لاستيعاب المُصابين ومن كل هذه المراكز لم يبنى مركز واحد في المجتمع الفلسطيني، هذا التَجَمّع الفلسطيني الأصيل في أرضِهِ، لَم يبادر حتى الآن إلى بناء جهاز صحي خاص بهِ كما باقي المرافق الحيويّة، ليسَ فقط أنّ كيان الإستعمار لا يسمح ويُعيق ويعرقل وهذا صحيح بل هُناك قصور ذاتي جزء منهُ له طابع سياسي/حزبي للقوى السياسية العربية، مُرتبط بالموقف من رَفض فكرة الإستقلالية بدعوة الإندماج كمواطنين متساوين في الدولَة، وهذه الدولة التي يخدم في جهازها الصحي ما يُعادل 40% إلى 45% من الفلسطينيين، وبكل تأكيد لهؤلاء دور كبير في هذه الأزمة ورغم ذلك لَم يسلموا من عنصرية الكيان ليسَ فقط تصريحات بنيامين نتنياهو وزمرته بل ومن المؤسّسة برمتها حينَ يتم تغييب الفحوصات عن المجتمع الفلسطيني وحصر الفحوصات في التجمعات الاستيطانية الكبرى، والآن مع نهاية شهر آذار وتشديد المراقبة على المصالح والحركة في كل البلاد نرى بشكل واضح تقاعس شرطة الاحتلال في تطبيق التعليمات في القرى والمدن العربية وتشديدها في التجمعات الصهيونية وهذا يأتي في الدور التاريخي للشرطة الصهيونية التي تقمع وتنكل بالفلسطينيين في الداخل وتتهاون مع منظمات الاجرام العاملة في المجتمع الفلسطيني وتتهاون مع المصالح العربية وخرق التعليمات أيضا في المجتمع الفلسطيني لأن هذا الخرق يضر بالفلسطينيين أنفسهم أولاً.

وهل هُناكَ من كانَ يعتقد أنّ جهاز "الموساد" الصهيوني يأتي بالآلاف من أجهزة فحص الكورونا وأجهزة التنفس الاصطناعي لعيون "المواطنين" العرب الفلسطينيين في البلاد، هذه سياسة الاستعمار ورؤيتها في التفوق العرقي والحق بالحياة للمُستَعمِر (بكسر الميم).

التنظيم على أساس نقابي/قومي سيعطي قوة للمجموعة القومية المعنية، حينَ تتنظم تُصبح قوة تأثير فاعلَة وناشطة ومؤثّرة، قد لا يكون الآن مكان نقاش هذه الرؤية، المرفوضة سلفًا، من تيار الاندماج، ولكن حتمًا أزمة الكورونا قد تؤثر بإتجاهين، الأول السير أكثر من بعض القوى بإتجاه الاندماج وهذا ما يخدم رؤيتها السياسية وهذا النهج سيواجه من قبل الاستعمار بذاته برؤيتهِ الكولونيالية لعلاقتهِ مع "مواطنيه" من غير اليهود والثاني محاولة التنظيم على أسُس نقابية/قومية وهذا الخيار سيواجَه من المؤسّسة بذاتها ومن القوى العربية الرافضة لهذه الرؤية حيث تعتبرها محاولَة "للإنفصال" وهي برأيهم تغذي التباعد عن المجتمع الصهيوني/الاسرائيلي، ويبقى أيضًا العامل الذاتي ضعيف في هذه المرحلة ولكن قراءة صحيحة للأزمة قد تحتم المبادرة لمثل هذا الخيار.