Menu
حضارة

رفيقة عبد الغني: صورة فلسطين ما زالت مطبوعة في مخيلتي

انتصار الدنان

بيروت _ بوابة الهدف

ما زال الفلسطينيون يناضلون من أجل عودتهم إلى أرضهم واسترداد ما سلبه منهم العدو الصهيوني بالقوة، لكن قصص اللجوء لن تنتهي ما داموا لم يحرروا أرضهم، ويعودوا إليها، فالمشوار ربما قد يطول أو قد يقصر، ولا يبقى للذين خرجوا أطفالًا غير الصور الجميلة التي انطبعت في مخيلتهم من أرضهم، والصور الهمجية التي ارتكبها العدو الصهيوني بحق الكثيرين منهم، من قتل، واعتداء على الأملاك، وطرد بالجملة، ليحل محلهم أشخاص لا ينتمون إلى تلك الأرض.

أحد عشر عامًا كان عمرها عندما تركت فلسطين لاجئة منها إلى لبنان، لتعيش ويلات اللجوء البري الذي لاقت فيه الصعاب والتعب، والجوع والعطش، لتستقر في النهاية بمخيم عين الحلوة، جنوب لبنان. كل تلك السنوات التي مرت بمعاناة كبيرة في بلد اللجوء لم تنسها أرضها التي هجرت منها، ولا مدارج الطفولة الأولى، وصرخات الأطفال حين كانوا يلعبون أمام الدار. رفيقة حمادة عبد الغني من بلدة السميرية بفلسطين، كما عرفت، وهي من مواليد العام 1935، وتحفظ كل تفصيل في بيتها وأرضها، كما ما زالت تنطبع في مخيلتها مشاهد اللجوء التي عاشتها، وفي بلد اللجوء، وبعدما تفتحت مداركها، وصارت شابة تزوجت ابن عمها في لبنان، فقد لجأت عائلتها كلها في وقت واحد، وإلى مكان مشترك. العائلة لم يفقد أفرادها بعضهم البعض، لكنهم فقدوا بيوتهم وأرضهم، فقد فقدوا الوطن، وهذا يكفي.

تقول رفيقة:" لقد كنا في بلدنا بفلسطين أصحاب أراض، فقد كانت لدينا أرض كبيرة، وكنا نزرعها بأنواع الخضار المختلفة التي كنا نبيعها، ونصدرها إلى عكا وحيفا، وغيرها من المدن الفلسطينية، وكان أقاربنا أي العائلة كلنا نسكن في بيوت متجاورة في بلدنا، فكلنا كنا نعيش في حي واحد، وليس بيننا أي شخص من غير العائلة، إلى أن أرغمنا على ترك بلدنا، وهجرتنا من فلسطين، ولجوئنا إلى لبنان".

تتابع، أذكر حين "هجم علينا العدو الصهيوني مدجّجًا بالسلاح، كنا في بيتنا نتجمع حول أمنا، إذ كانت أمي تعلم بالحرب التي تدور في فلسطين، لذلك فقد كانت تخبئنا في البيت، وطلب منا الخروج من البلدة وإلا سنقتل جميعنا، حينها قررت العائلة الخروج من البلدة خوفًا على أرواحنا، وتركنا كل ما نملك، خرجنا بالملابس التي كانت تغطي أجسادنا".

91473798_705538106921746_1512237098495639552_n.jpg
 

وأكملت "من بلدتنا توجهنا نحو ترشيحا، ومن ترشيحا توجهنا إلى بلدة قانة، جنوب لبنان، وهناك مكثنا مدة شهر تقريبًا، نمنا تحت الأشجار، وبعد أن تركنا بلدة قانة توجهنا نحو صور، وبقينا فيها مدة أسبوع، ومن ثم جئنا إلى مخيم عين الحلوة، وسكنا الخيام التي عانينا فيها مر العيش، وعند وصولنا إلى المخيم كانوا يوفرون لنا المأكل والخبز حتى نأكل، لكن بعد مدة زمنية شعر الناس بضيق، إذ إن (الأونروا) لم تكن تقدم لنا سوى المأكل، وحاجة الناس أكثر من ذلك بكثير، لذلك قرر الرجال والنساء سواء على الخروج إلى المناطق القريبة من المخيم للبحث عن عمل، وبالفعل بدأ الناس يخرجون من المخيم والبحث عن عمل، وبالفعل وجد المعظم عملًا، لكنهم كانوا يعملون بأعمال الزراعة، واستطاعوا من خلال عملهم توفير حياة كريمة نوعًا ما".

تتابع كلامها قائلة: "بعد مكوثنا في الخيام لسنوات بدأت العوائل في الخيام تبني الحجار حول خيامها على علو منخفض لتحميها من مياه الأمطار، ورد العواصف عنها التي كانت تقتلعها، وبعد ذلك شعرنا أن العودة مشوارها طويل جدًا، لقد كنا نظن أننا خلال أسابيع معدودة سنعود إلى أرضنا وبيوتنا، لكننا مازلنا في اللجوء منذ واحد وسبعين عاما، ولا نعرف إلى متى سيستمر هذا اللجوء".

تضيف: "تعاملنا مع وضعنا الجديد في الحياة بشكل طبيعي، لأن الحياة ستستمر، وبسبب ذلك تزوجنا وعشنا حياتنا الطبيعية، لن من يعيل الحاجة رفيقة عبد الغني"، فتقول: "إن لدينا أرض في المخيم نستخدمها لإيجار مولد كهرباء يضخ الكهرباء في المخيم، كما نعمل في بيع الخضار".

وقالت "كبرت كثيرًا في بلاد اللجوء، كنت صغيرة، وكنت أحلم بأن تكون حياتي مختلفة، لأنني كنت في بلدي، لكن بعد أن طردنا الصهاينة، وسرقوا منا أرضنا، وتهنا في اللجوء، شعرنا بالإهانة، وذقنا مرارة العيش، وفقدنا الحياة الكريمة التي كنا نعيشها في البلاد".

تذرف الحاجة رفيقة دمعًا حزينًا على الحياة التي عاشتها في المنفى وفي الغربة، وعلى الأرض التي تخاف أن تموت بعيدة عنها، وتقول: "أتمنى أن أعود إلى فلسطين، ويكون موتي فيها، وأدفن بأرضها، كما كانت ولادتي، وكانت صرخاتي الأولى تصدح فيها".