Menu
حضارة

لننهض ونقاتل

بوابة الهدف الإخبارية

خاص بوابة الهدف

ما لا ندركه في عالم اليوم أن البشريّة على تقدمها الهائل تقنيّا، إلا أنّ قدراتها في المجالات الأكثر حيوية تراجعت، الطعام الذي نتناوله اليوم أسوأ بكثير مما تناوله الناس في قرون سابقة، وقد تراجعت قدرة النظام الطبي على حمايتنا، بعد أن خسر سنوات من سباقه مع الفايروسات، بسبب التوزيع الخاطئ والخبيث لموارد الجنس البشري.

اختار من يقود هذا العالم أنّ الرصيد البنكي لقلة من سكان هذا العالم هو أكثر أهمية من غذاء المليارات وصحتهم، ومن مستقبل كل جيل قادم، فعمليًا تم تصميم المحاصيل الغذائية والمنتجات الحيوانية وتلك الصناعية وفقًا لمعايير تتحرى فرص الربح فحسب، وتحيل أجسادنا لمكائن لاستهلاك الكربوهيدرات والسكريات والمواد المسرطنة، الجلوتين واللكتوز، وما هو أسوأ، وبالمحصلة فما نأكله اليوم هو وصفة لصناعة مجموعة هائلة من أخطر الأمراض، ومن رغب بتناول طعام صحي نقي من الملوثات عليه أن يدفع الكثير من المال وهو أمر ليس في مواتاة معظمنا.

الإشكال الأساسي في تعاملنا مع انتشار الفيروس الحالي هو اعتباره خطأ الفايروس، أو طفرة غريبة وخطر استثنائي اذا نجونا منه سنكمل مسيرنا، ربما سنقتني مزيد من أجهزة التنفس، ربما أيضًا ستتنازل المنظومة الحاكمة وتقرر منح وزارات الصحة بعض المال لإنفاقه على تحسين قدرات المستشفيات.

العلة هنا أننا في عالم تستحيل فيه الحياة الصحية، وأنّ معدل أعمارنا وطاقة أجسادنا المتدنيّة وصحتنا النفسية المهددة على نحوٍ دائم، لا يتناسب أبدًا مع ما وصلته البشرية من تقدم علمي وتقني، وأنّ الأخطار مثل فيروس كورونا ستزيد ولن تقل، طالما يتم إدارة الصحة والعلاج والغذاء والإسكان بوصفها سلع وليس احتياجات بشرية أساسيّة، تعتبر تلبيتها مسؤولية جماعية أولى.

عزيزي الإنسان أيًا كان عمرك أو اسمك أو جنسك أو عرقك أو لغتك أو دينك، ليكن في علمك أنّ الطعام الصحي واللائق، والسكن الملائم لجسدك ونفسيتك، والعلاج الأفضل الذي تحتاجه، هي حقوق لك سواء عملت وجنيت المال أو لم تعمل، وأنّ أي منظومة ستنكر عليك هذا الحق عليك قتالها، والعمل بكل إصرار لتحطيمها واستحضار ما يمكنه أن يوفر لك ولغيرك هذه الحقوق.

استثنائية الحدث الذي تمر به البشرية يجب أن تكون هي استثنائية وعينا البشري المشترك بما يحدث لنا، واستعدادنا الجماعي للكفاح ضده ومقاومته، وتقديرنا لكون هذا الخطر دائم ومتجدد، ومكمنه ليس ما أكله رجل أو سيدة في سوق شعبي  في الصين، ولكن ما نأكله في كل يوم في بيوتنا ومطاعمنا، وما نشتريه من المتاجر، وما نفعله بخياراتنا السياسية والاجتماعية.

سابقًا كانت القوى السياسية تطالب الناس بالانحياز لقيم معينة بوصفها أكثر عدالة تجاه الآخرين، أو أكثر ديموقراطية أو أفضل للمستقبل، الآن الخيار هو الانحياز لحياتك وحياة أطفالك وكبار السن في عائلتك، لأجل هذه الأرواح العزيزة عليك، ولأجل كل روح بشرية علينا أن ننهض ونقاتل.