Menu
حضارة

ترامب وحروب النفط

هاني حبيب

نشر هذا المقال في العدد 12 من مجلة الهدف الرقمية

"بوسعي أن أقول لكم أن أسعار النفط الآن عند المستوى الذي كنت أحلم به"، هكذا صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للصحفيين بعد مكالمة هاتفية مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بشأن انهيار أسعار النفط في الآونة الأخيرة، وكأنه بذلك يشير إلى أن انخفاض أسعار النفط من شأنه أن يزود الناخبين الأمريكيين بأسعار بنزين رخيصة، وهو ما يسعى له ترامب لزيادة نسبة المصوتين له باعتبار أن ذلك منجزًا من إنجازاته.

واقع الأمر، أن هناك انهيارًا بأسعار النفط، وأن هناك بنزين رخيص للمواطنين الأمريكيين، إلا أن ذلك ليس سوى وجه واحد من وجهي العملة، أما الوجه الآخر، فقد تجاهل ترامب متعمدًا أي حديث عنه، لأن الاعتراف به يعني نجاح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في توجيه ضربة حاسمة للاقتصاد الأمريكي عمومًا وقطاع الطاقة على وجه الخصوص، عندما رفض هذا الأخير الطلب السعودي في الاجتماع الأخير لأوبك للاتفاق على تخفيض إنتاج النفط، أثر تراجع الاقتصاد الدولي نتيجة لكورونا، حيث ظل الإنتاج النفطي الروسي بنفس المستوى، بينما قامت السعودية بضخ المزيد من النفط، في محاولة لإغراق الأسواق التي لم تعد بحاجة حقيقية إلى المزيد من النفط، أدى إلى خفض الأسعار بنحو الثلث في الأسواق الدولية.

هذا الانهيار في أسعار النفط، يدفع للحديث عن ما يسمى "بنقطة التعارض" في إنتاج النفط، والتي تبلغ أربعين دولارًا بالنسبة لروسيا، بينما تبلغ الضعف عند السعودية، بينما روسيا ونتيجة للعقوبات الاقتصادية باتت قادرة على خفض الأسعار لسنوات ست أو عشرة قادمة، خاصة وأنها لا تعتمد على النفط فقط، في قطاعاتها الصناعية والتصديرية، بينما السعودية على خلاف ذلك تمامًا، فهي تعتمد حصريًا على النفط.

وبالعودة إلى ترامب، فإن تراجع أسعار البنزين يعني بالمقابل احتمالات كبيرة لإفلاس أو تراجع دخل كبرى الشركات النفطية الأمريكية التي تعيش على أسعار أعلى للنفط، وإذا عرفنا أن تكلفة استخراج البرميل النفطي في الولايات المتحدة الأمريكية تتراوح بين عشرة و25 دولارًا، بينما في السعودية وإيران والعراق، لا تتجاوز التكلفة 10 دولارات، لعرفنا كيف أن انهيار أسعار النفط تعتبر كارثية للاقتصاد النفطي الأمريكي، وتقول صحيفة لوموند الفرنسية بهذا الصدد، أن نصف الشركات في قطاع النفط والغاز الصخرية الأمريكية مهددة بالإفلاس خلال عامين، وهو ما سيترك آثاره على البنوك ( القدس العربي 13 مارس 2020).

انخفاض أسعار النفط إلى هذا المستوى غير المسبوق خلال العقدين الأخيرين، يعني إفلاس بعض الشركات النفطية الكبرى، وتراجع إنتاج عددًا آخر منها، وهذا يترجم اقتصاديًا بمزيد من تراجع أسعار البنزين، بينما تتزايد البطالة في أوساط أوسع من الناخبين الأمريكيين!