Menu
حضارة

الإستراتيجية الإسرائيلية "الحقيقية" الجديدة!

طارق الشيخ

رنة مميزة على تليفونى المحمول تعلن وصول رسالة تحمل أخبارا جديدة :"صدور وثيقة معلنة جديدة عن إستراتيجية الجيش الإسرائيلى فى حدث هو الأول منذ عقد الخمسينيات!" قفزت تلك الرسالة على شاشة تليفونى المحمول فكان لها تأثير "جرس الإنذار" الذى يوقظ العقل من غفوته وانشغاله.

فدون سابق إنذار أو سبب مباشر مفهوم نشر رئيس أركان الجيش الإسرائيلى، جادى آيزنكوت، وثيقة "إستراتيجية الجيش الاسرائيلى".

ولأننا فى زمن الحروب الدعائية والألاعيب الرمزية، ولأن الوثيقة صادرة فى الشرق الأوسط، ومن إسرائيل، فمن غير المرجح أن تكون تلك الوثيقة "صادقة"، وسربت بعض وسائل الإعلام خبرا مفاده أن الوثيقة "العلنية" المنشورة، من 33 صفحة، لها ملحق "سرى" يتمثل فى وثيقة أخرى أحيطت بالسرية.

وقد وصفت وسائل الإعلام الإسرائيلية ما قام به آيزنكوت بأنه "صنع تاريخا"، وبأنه "تجرّأ على تنفيذ ما لم يجرؤ على تنفيذه كل أسلافه : فقد صاغ ما يشبه "نظرية أمن" لدولة إسرائيل، واستخلص منها استراتيجية عمل للجيش. وهذه خطوة استثنائية، لأن المرة الأخيرة التى صودق فيها على نظرية أمن لإسرائيل كانت فى الخمسينيات، حينما صاغ النظرية وأقرها ديفيد بن جوريون".

حملت الوثيقة الكثير من الرسائل الموجهة مثل : وجود خطة من أربع سنوات لتطوير الجيش الإسرائيلى وزيادة قدراته لرفع مستوى الجيش بشكل مرتب، إنطلاقا من توقع الهدوء على الجبهة السورية، لأن الجيش السورى أصبح لا يشكل تهديدا خلال السنوات القادمة (5 إلى 10سنوات). والتشديد على عقيدة "الصدمة والرعب" فى الجبهة الشمالية (أى ضد لبنان) إنطلاقا من أن ما سيتم حشده فى مواجهة الجبهة الشمالية سيخدم أيضا باقى الجبهات. و"الصدمة والرعب" ضد لبنان، تشمل تدمير آلاف الأهداف يوميا، باستخدام ذخيرة ذكية ودقيقة بكميات هائلة بالإضافة إلى القنابل الذكية، الجراحية، التى يرتفع ثمنها بأضعاف عن مثيلتها التقليدية. وتم التنبيه إلى أن مستوى الميزانية اللازمة لتغطية النفقات يستدعى الاستثمارات الدائمة والباهظة فى التنمية ورفع المستوى.

وقالت الإستراتيجية الجديدة بأنه بعد أربع سنوات سينفذ الجيش بعضا من مهامه فى المناطق المقصوفة بالنار بوسائل "روبوتية": بداية من الطائرات بدون طيار، وصولا إلى المركبات غير المأهولة التى تتحرك على طول الحدود وانتهاءً بالسفن التى يتم تحريكها عن بُعد.

والنظرية الجديدة تتأسس على إدراك أن المخاطر التقليدية وغير التقليدية على إسرائيل فى "الدائرة الأولى"(أى تلك المحيطة بإسرائيل) "تتراجع". وبالمقابل، فإن مخاطر الفضاء الإلكترونى، والمخاطر ما دون التقليدية، مثل الإرهاب، فى "صعود".

ومبدأ "نظرية الأمن القومى" الأول الذى ظهر فى الوثيقة هو "الارتكاز على استراتيجية أمنية دفاعية"، موجهة "لضمان وجود إسرائيل، وخلق ردع فعال، وتحييد المخاطر قدر الإمكان، وتأجيل الصدامات والحروب". وهناك مبدأ "عسكرى هجومى" آخر خاص بالجيش يقضى باستحالة هزيمة العدو باستخدام الدفاع. والمبدأ الثالث هو التعاون الاستراتيجى، ويشمل تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة وتطوير علاقات إستراتيجية مع دول مركزية أخرى.

أما الأكثر أهمية، فكان تجاهل ذكر إيران فى التقرير كمصدر تهديد لإسرائيل، وهو ما يدعم وجود تقارب إيرانى أمريكى فعلى متبوع بـ"تفاهم" إسرائيلى إيرانى تحت مظلة أمريكية. أما ما يتفاهم ويتقارب بشأنه ويسعى لاقتسامه "هؤلاء" فهو باختصار : الوطن العربى وشعوبه وثرواته!! وبعبارة أخرى، لقد أجمع "أعداء العرب" على أن الوقت قد حان لإقتصاد جهدهم وإستغلال الفرصة لتجديد وتنمية قدراتهم فى فترة "الراحة" الحالية التى تتمثل، من وجهة نظرهم، فى حالة الإضطراب والإنقسام والتفكيك الذاتى التى تمر بها الدول العربية حاليا!! الرسالة واضحة وعلى كل عربى إدراكها قبل فوات الأوان.

دارت تلك الأفكار فى ذهنى فنحيت تليفونى المحمول جانبا ونظرت إلى الأفق فى صمت.

المصدر: الأهرام