Menu
حضارة

هل خان غانتس المشتركة حقًا؟ عودة إلى حقيقة الجنرال

بوابة الهدف - أحمد مصطفى جابر

قد يكون صحيحًا القول، أنّ نتائج الحملة الانتخابية  الصهيونية الثالثة، أسفرت عن فشل الحملة التي قادها الجنرال بني غانتس، وسقوطه كليًا مستسلمًا لبنيامين نتنياهو، والأصح أيضًا أنّ غانتس في الواقع لم يخن مبادئه، كما تزعم دعاية اليسار الصهيوني، أكثر المتضررين من "خيانته" بل كان مخلصًا لهذه المبادئ تمامًا حتى لو اضطره الأمر للكذب وإعلان عكسها في فترة الحملة.

حتى لو حقق غانتس انتصارًا ساحقًا كما كان يتمنى، لكان عاد إلى وضعيته الأساسيّة، فعند الحديث عن يسار ويمين في الكيان الصهيوني، يبرز طرف ثالث ينتمي إليه غانتس، جنرالات الكيان المحتل، مجرمو الحرب الموسومون، يمينيون بالفطرة والممارسة، يلجؤون إلى شعارات قد تبدو غريبة عنهم في سبيل المسعى الأسمى، الوصل إلى السلطة، وهو مسعى يميني أيضًا.

وبالتالي خلال هذه الحملة، ومن نتائجها وما تتمخّض عنه المفاوضات الائتلافية، كان نتنياهو يعرف خصمه، ويعرف أن مآله إليه، ومن خدع إنما خدع بإرادته، رضي تمثيل دور عشيقة مؤقتة لاضمانات لها، فقط في سبيل إغاظة الزوجة وفي النهاية العودة صاغرًا إلى البيت اليميني حيث ينتمي حقًا.

غانتس عبر عن هذا أكثر من مرة، سواء شخصيًا أو عبر حليفه السابق يائير لابيد الذي قال إنّ المطلوب من القائمة التصويت لمرة واحدة فقط، منديل رخيص يستعمل مرة واحدة، وأكد أزرق-أبيض أنه حزب صهيوني ولا يشكّل حكومة برعاية القائمة المشتركة "المعادية للصهيونية" كل هذا والمشتركة تسمع وترى، لكن بلا بصيرة، لا تتردد بالتوصية لغانتس وهي تعرف أنه سيرميها، وهو يعرف أنها تعرف، ولكن هذا لا يشكل فرقًا.

كما وعد يائير لابيد قبل الانتخابات بأنّ يركز الأزرق الأبيض على "الأغلبية اليهودية"، وهي عبارة صححها في وقتٍ لاحق إلى "الأغلبية الصهيونية" التي تقول في تعريفها: "غالبية الأحزاب التي تؤمن بفكرة أو مبدأ الدولة اليهودية". وعندما سئل يعلون (المنشق لاحقًا) عن المشتركة في مؤتمر يشيقا قال "لن نضعهم في الائتلاف، هل سنتعاون معهم لإرسالنا ونحن ثلاثة رؤساء أركان على المحكمة الدولية؟".

كيف يتصرف غانتس حقًا؟ في الواقع إنّ حملته للإطاحة بفساد نتنياهو كانت حقيقيّة، ولكنه يتجاهل متعمدًا أنّ هذا الفساد هو في جوهر النظام الصهيوني، وبالتالي يظهر من جديد أنّه خاض هذه الحملة محمولاً على طموحات اليسار المتآكل بالثأر والوصول إلى السلطة، وأحلام لابيد المطرود من جنة نتنياهو، ورغبة بدت في البداية غير شخصية لديه شخصيًا لدرجة أنّ البعض ظنه مدفوعًا دفعًا وبخجل للعمل السياسي.

وفي الواقع عودة غانتس للقبول بخدمة متواصلة لنتنياهو لـ18 شهرًا جديدة تنسف مزاعمه كلها، حيث سيكون بيدقًا ونائبًا للفاسد الأكبر، ورضي أن يكون جليسًا "للشرير"، وفي هذا كذب ومارس الخداع والانتهازية، وبدى كجبانٍ أخلاقي كبير.

لم تسقط أخلاق غانتس في خيانته للقائمة المشتركة والحلفاء اليساريين الذين سرعان ما انفضوا عنه، فهذه هي أخلاق الرجل، وهو يدرك أكثر من غيره طبيعة التحالف المتوتر والمتناقض الذي بناه، والذي كان في الواقع جسرا يمكن عبوره لمرة واحدة للوصول إلى مكان ما في دائرة السلطة، تماما كما كانت المشتركة، صوتًا لمرة واحدة، يساعده في تشديد الضغط على نتنياهو وليس للحلول محله.

لم يخن غانتس القائمة المشتركة، فهم بالنسبة له "غوييم" لا يمكن مطابقة الموقف منهم مع الممارسة الأخلاقية الصحيحة لجنرال من شعب الله المختار، بل مجرد أدوات لا ينطبق عليها أي مثال أخلاقي، ولا تستحق أي معاملة تفضيلية أكثر من حجر يسند له قدمه في صعوده إلى القمة، وكما قال جوناثان كوك "من الواضح أنّ كتلة غانتس تمقت مواطني إسرائيل الفلسطينيين أكثر من "ملك الفساد" الذي سعت للإطاحة به". وقد برر مرارًا وتكرارًا أنّ ما دفعه لتغيير مساره هو "إسرائيل بحاجة إلى حكومة وحدة "طارئة" للتعامل مع وباء الفيروس التاجي"، ولكن إذا كان غانتس يكره العرب أكثر من كراهيته لنتنياهو، يبدو أنه يخاف منهم أكثر من خوفه من كورونا. عنصرية غانتس لا تحتاج إلى دليل أو تفسير، كما قلنا تلك طبيعة المحتل الفاشي بتمثلاته جميعًا على اليسار واليمين ولكن هل يمكن قبول حجج المشتركة ومناوراتها؟ هل يمكن التبرير لها؟ هل يمكن الزعم أنهم ضحية خيانة غانتس، وليسوا ضحية قبولهم بالخداع، وسذاجتهم السياسية، ونزوعهم السلطوي أيضًا؟.