Menu
حضارة

عن السياسات

خاص بوابة الهدف

تتيح التغيّرات التي اُلحقت بنمط الحياة البشرية في ظل إجراءات الطوارئ فرص هائلة لاكتشاف حقائق مهمة حول السياسات العامة وعوامل تشكّلها.

التراكم الكمي لتغير وقائع حياة أكثر من ٣ مليار إنسان، لن يمر دون أن يؤثر في الأفكار والعادات والانحيازات والمواقف. فالحالة حتى وإن كانت مؤقتة إلا أنّها لن تمر دون تداعي على جانب الوعي لدى هذه الكتلة البشريّة، والأهم أنّ مجموع التغيرات الفرديّة في غرف الحجر وفي البيوت الصغيرة التي تلحق بالوعي كما الجسد، ستكون ذات تأثير أساسي في تخليق أنشطتنا الجمعية كجماعاتٍ بشرية في مرحلة ما من هذه الأزمة أو مما يليها زمنيًا.

بفعل تغير احتياجاتنا وأفكارنا واهتمامنا، تتحرك العضلة الجديدة في هذا العالم، القطاع الطبي، بفروعه المحلية ومراكزه الدولية، وعلى غرار أي حقل أو جسم، يجري النزاع حول حقيقة الدور المطلوب من الطب ومنظوماته، إنقاذ الأرواح ومنح فرصة متساوية وعادلة بالعلاج، أم الربح كما تقترح المنظومة الرأسمالية، أو حتى الاخضاع كما تقترح النظم الشمولية، وفي هذا الصراع تصبح المعاطف البيضاء سلعة ولاعب سياسي ومناضل اجتماعي إنساني، في واحدة من أوضح وجوه الصراع على شكل الحياة الإنسانيّة وتنظيمها.

وإذا كان الطبيب الإنسان الفرد يلعب دوره في اتجاهات هذا الصراع ونتائجه، فإن السلوك الفردي البسيط واليومي لكل فرد بشري له دوره أيضًا، فمساحة المرض فعلاً وبالمعنى الحرفي للكلمة هي مساحة للنضال السياسي والمجتمعي، يتوقف الكثير اليوم على قراراتنا الصغرى حول استهلاك الطعام والطبخ، ومساعدة الجار، والتزام قواعد المسؤولية الجماعية والحجر، وكذلك حول الآراء التي نعبر عنها والمنابر التي نختارها.

إذا كان لهذه الأزمة من ايجابية هي كونها اختبار عميق لحقيقة قناعاتنا وانحيازتنا الاجتماعيّة والسياسيّة، فالتهديد المباشر للحياة، أو لنمط العيش، قد يشكل اختبارًا حساسًا لمواقف سابقة اخترناها حول علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين وبمجتمعنا وبالسياسات الناظمة لهذا المجتمع. فأن تكون في خندق الإنسانية والقيم التقدمية اليوم لا يتصل فقط بالشعار السياسي، بل وبشكلٍ أكبر بخيارات كانت تبدو أقل أهمية، حول استهلاك الوقت والطعام والطاقة، والاستعداد للتنازل عن المكتسبات الشخصية لأجل النجاة الجماعية.

الأمل اليوم هو أن يتخذ المزيد من الأفراد قرارات أكثر إنسانية، هذا ما سيعطي العالم فرصة أكبر للنجاة، نجاة الجميع، فيما تمثل الانحيازات نحو الذات الفرديّة، ومكاسبها الآنية مخاطر أكبر على المجموع البشري، فالأمر إلى حدٍ كبير يشبه التصويت الانتخابي من خلال السلوك، نحن اما نصوّت لنجاة البشر من خلال سلوك أكثر عدلاً ومسؤولية تجاه المجموع، أو لهلاكهم من خلال سلوكيات وقرارات أكثر أنانية، ستزهق أرواحنا جميعًا في نهاية المطاف، سواء بالفيروس الحالي أو غيره.