Menu
حضارة

البحث عن طوق نجاة

د. محمد السعيد إدريس

جريدة الأهرام

السؤال الذى نعتقد أنه يشغل العالم الآن سواء كان جهراً أم صمتاً هو: هل يمكن الوصول إلى "طوق نجاة" مما نحن فيه الآن.. طوق نجاة ليس فقط من الفيروس القاتل بل من كل ما أوصلنا إلى هذه الحالة التى نحن فيها الآن من "عجز عالمى" و"انكشاف" غير مسبوق لقدراتنا "العالمية" الهشة التى فشلت فشلاً ذريعاً فى مواجهة "الفيروس" الذى استطاع أن يكتسب، منذ لحظات انتشاره الأولى، صفتى "العمومية" و"العالمية"، فهو لم يفرق بين إنسان وإنسان: غنى أم فقير، ذكر أم أنثى، كبير السن أم صغير، أبيض أم أصفر أم أسود، كما أنه لم يفرق بين الدول سواء كانت عظمى مسيطرة أو مهيمنة، أم كانت قوة كبيرة أو متوسطة، أو حتى كانت دولة صغيرة أو صغرى.

 

طوق النجاة الذى نعنيه ليس فقط النجاة من خطر الفيروس القاتل بل النجاة من "عالم ما قبل انتشار هذا الفيروس"، كى يأتى عالم ما بعده خالياً من كل مسببات "التفيرس" (إن جازت التسمية)، وحتى نحول دون سقوطنا البشرى فى ما يسميه بعض العلماء بـ "سيناريو اللعنة".

من الصعب الإجابة على هذا السؤال بـ "نعم" أم "لا" دون أن نجيب على سؤال آخر هو: كيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟

حتماً ستكون لدينا، نحن البشر، فى يوم ما إجابة علمية متخصصة وحاسمة، وليست سياسية، وبعيدة عن "سيناريوهات المؤامرة" المنتشرة الآن بكثرة، تكشف حقيقة هذا الوباء الفيروسى: هل جرى تصنيعه فى معامل إحدى الدول بهدف الإضرار بشعب واقتصاد دولة أخرى عدو، أى أنه ضمن أسلحة "الحرب البيولوجية"، وجرى زرعه على أرض ذلك العدو ومنه انتشر إلى باقى دول العالم، وخرج عن نطاق السيطرة أم هو وليد طبيعى لعمليات جهنمية تتجاوز توصيفها أنها "مجرد جرائم" أدت إلى تمزيق توازنات البيئة ومقومات الحياة على كوكب الأرض وجعلته أقرب إلى الاحتضار، بهدف زيادة ومسارعة "التراكم الرأسمالى"؟ ورغم أهمية حسم الإجابة بعلمية لحقيقة هذا الفيروس وانتشاره الوبائى، إلا أن هناك جانب آخر فى هذا السؤال، لا يقل أهمية، إن لم يكن يزيد، وهو كيف ولماذا وقف العالم عاجزاً عن مواجهة ودحر هذا الوباء الذى أخذ يحصد، دون رحمة، أرواح الآلاف من البشر، وجعل كل إنسان فى أى مكان على الكرة الأرضية معرضاً للإصابة به؟. لماذا لم تستطع ترسانات العالم العسكرية المكتظة، إلى درجة التخمة، بالأسلحة المتطورة وعالية التقدم التكنولوجى، سواء كانت أسلحة تقليدية من دبابات وطائرات ومدافع وذخائر أم كانت أسلحة غير تقليدية: نووية وكيماوية بل وفضائية، مواجهة هذا العدو وقهره، وهى الترسانة العسكرية التى كلفت العالم ملايين المليارات من الدولارات؟ عجز كل هذه الأنواع والكميات الهائلة من الأسلحة المتطورة يفرض سؤالاً آخر هو: ما قيمة هذه الأسلحة طالما تأكد عجزها عن هزيمة عدو يهدد حياة الملايين من البشر دون تمييز ودون سابق إنذار؟ وأين هو "الأمن القومى" و"الأمن العالمى" الذى يتحدث عنه كل نظام حاكم، وأين هى مجالس وهيئات الأمن القومى ومراكز البحوث الإستراتيجية من مواجهة هذا الخطر؟ فنحن البشر أمام غياب كامل وحقيقى للأمن طالما أن حياة البشر أضحت مهددة دون حماية من أسلحة قادرة على قهر هذا "العدو الفيروسى". لم تغب الأسلحة فقط، بل غاب "النظام الأمنى" الكفيل بالتعامل مع هذا النوع من الأعداء أو هذا الخطر الساحق للبشرية وهذا ما نسأل عنه بالتحديد: ما قيمة النظام الأمنى فى كل الدول الذى سمح لهذا الخطر الفيروسى أن يفعل فعله؟

حتماً هناك ملايين من البشر، خاصة فى الدول العظمى والكبرى مالكة ترسانات أسلحة الدمار الشامل يتساءلون: ما قيمة القنبلة النووية فى مواجهة هذا الخطر، وما قيمة ترسانة الصواريخ الباليستية، وما قيمة كل القطع البحرية والأساطيل وأسراب الطائرات الرابضة والصامتة والعاجزة عن فعل شئ لمواجهته أمام هذا الخطر الفيروسى؟ لماذا كان كل هذا الاستثمار فى صناعة وامتلاك كل هذه الترسانات من الأسلحة ولماذا كانت كل هذه الجيوش التى لم تستطع حتى عن حماية نفسها من خطر هذا الفيروس؟

كل هذه الأسئلة وغيرها، تقودنا إلى ضرورة التعرف على عالمنا الهزلى وأمننا الهزلى وأسلحتنا الهزلية ومعاركنا وصراعاتنا الأكثر هزلية، واستثماراتنا غير المحدودة فى صناعة تلك الأسلحة واقتنائها وفى حروبنا وصراعتنا، المكتسبة منها والمفتعلة، التى قادتنا جميعاً إلى هذا الوضع المأساوى، إذا كنا قد بدأنا نسأل ونفكر فى "عالم ما بعد كورونا" الذى يجب أن يكون حتماً مختلفاً تماماً عن عالم ما قبلها، وإذا كنا حريصين فعلاً أن نصل إلى "طوق نجاة"، فعلينا أن نتذكر بداية بعض معالم "العجز المأساوى" ليس فقط العجز عن مواجهة الخطر الفيروسى بسبب غياب "الرعاية الصحية الشاملة" والطب الوقائى وتخلف المؤسسات العلاجية والمراكز العلمية الطبية عن توفير العلاجات واللقاحات اللازمة لمحاصرة الخطر الفيروسى والقضاء عليه، ولكن بالأساس بسبب غياب أولوية كل هذه الأمور عند صانع القرار والطبقات الحاكمة فى تلك الدول التى كانت، ومازالت لديها أولويات أخرى تراها أكثر أهمية على نحو ما كشف الرئيس الأمريكى وإدارته عند الصدمة الأولى وعلى نحو ما فعلت دول أوروبية أخرى.

الرئيس الأمريكى دونالد ترامب تعمد أن يكذب على شعبه فى بداية تفشى الفيروس ويقول أن بلاده بعيدة عن خطر الغزو الفيروسى، وعندما بدأت الحقائق المؤلمة تفرض نفسها اتجه الأمريكيون إلى تحميل المسئولية للآخرين واتهامهم الصين أولاً إما بأنها لم تعلن بوضوح حجم المأساة والضحايا أو أنها المسئولة عن "تخليق الفيروس"، ثم اتهامهم الدول الأوروبية ثانياً خاصة إيطاليا ومن بعدها فرنسا لأنها تأخرت فى إبلاغ الأمريكيين بـ "الغزو الفيروسى". الولايات المتحدة فعلت ما هو أكثر من ذلك عندما عزلت نفسها كلياً وأغلقت أبوابها وأوقفت كل رحلات الطيران من وإلى أوروبا، وحاولت احتكار تجارب واعدة لشركة أمريكية علموا أنها توشك أن تصنع عقاراً مضاداً للوباء، ولم يتردد الرئيس الأمريكى فى أن يعلن أن هذا العقار فى حال امتلاكه "سيكون حصرياً للأمريكيين دون غيرهم"، ولم يفكر لحظة أن يقدم أى نوع من المساعدات الطبية لأوروبا المنكوبة، ولم يرد بخاطره وإدارته رفع العقوبات، ولو مرحلياً أو حتى جزئياً عن دول تئن تحت ضغوط هذه العقوبات وتحت ضغوط وطأة الانتشار الفيروسى، خاصة إيران وفنزويلا. ولم تكن أوروبا أكثر جدارة فى مواجهة "الخطر الفيروسى". فمع وطأة الكارثة بدأ "الانتقاء العلاجى" بإعطاء الأولوية العلاجية لصغار السن والشباب، وتركوا كبار السن والمتقاعدين ليواجهوا المصير المحتوم، ووصل الخلل عند رئيس الحكومة البريطانية ليفرض على حكومته تبنى نظرية "مناعة القطيع" بترك الفيروس يفعل أفعاله بحيث يكسب الشباب والأقوياء المناعة ويقضى على الضعفاء وكبار السن ويخلَّص الحكومة من أعبائهم.

وهذا ما دفع المستشفيات البريطانية إلى إغلاق أبوابها أمام هؤلاء بحجة أنها لم تعد قادرة على استيعاب المزيد من المرضى ولا تملك الأعداد الكافية من الأسرة وأجهزة التنفس الصناعى وأن عليهم إلتزام بيوتهم. وعندما قرر حلف شمال الأطلسى "الناتو" التحرك لمواجهة "الخطر الفيروسى" جاء تحركه انتقائياً على نحو ما ورد على لسان أمينه العام ينس ستولتنبرج الذى أعلن أن الحلف سيسرع من وتيرة تسليم المساعدات الطبية "إلى الحلفاء الذين يعانون أكثر من غيرهم من وباء فيروس كورونا". وقد اعترفت رئيسة المفوضية الأوروبية أوزولا فون دير لاين الخميس الماضى، بعد تفشى الخطر، أن الاتحاد الأوروبى "فشل فى دعم إيطاليا فى الأيام الأولى من أزمة فيروس كورونا"، وقالت فى حديث لصحيفة "لاريبوبليكا" الإيطالية "يجب الاعتراف بأنه فى الأيام الأولى من الأزمة، وفى ظل الحاجة إلى استجابة أوروبية مشتركة، لم يفكر الكثيرون سوى فى مشاكلهم الخاصة فى الديار".

ويبدو أنها كانت تتحدث مواربة عن الموقفين شديدى السوء لألمانيا وفرنسا وتقاعسهما عن سرعة تلبية المساعدات الطبية لإيطاليا وإسبانيا المنكبوتين بالفيروس تحت ذريعة الاحتياجات الداخلية لهذه المعدات.

على العكس من ذلك تماماً كان الموقفان الصينى والروسى بل والكوبى أيضاً فقد سارعوا فى تقديم الخبرات الطبية والعلاجية السريعة إلى الدول المنكوبة سواء فى إيران أو إيطاليا أو إسبانيا، بل وصلت طائرات الإمداد الطبية الروسية إلى الولايات المتحدة نفسها، وزاد الرئيس الصينى تشى جين بينج على ذلك بالدعوة إلى "بناء مجتمع عالمى له صحة عامة" والتأكيد على أن مواجهة الوباء والانتصار عليه "لن يكون إلا عن طريق التضامن العالمى والجهود المشتركة"، وتحدث فى رسائل لرؤساء فرنسا وإيطاليا وملك أسبانيا، خاطب فيها العالم كله بالحديث عن أن "مصير البشرية جمعاء مصير مشترك" وأن "أمن الصحة العامة تحدٍ مشترك" وأن التغلب على التحدى "لن يتأتى إلا من خلال التضامن والتنسيق".

نموذجان متعارضان تماماً من التصدى للخطر الفيروسى لم ينشأ كل منهما حتماً من فراغ، فكل منهما كان ومازال محصلة لتفاعلات عالم مختلف من النظم والقيم والممارسات وعلى العالم الذى يئن الآن من خطر الوباء أن يمعن التفكر فى التدبر فى أداء هذين النظامين للتعرف على أسباب القصور وأسباب النجاح لعله يصل إلى "طوق نجاة" ويؤسس لعالم جديد أكثر جدارة بالبقاء يسمونه الآن بـ "عالم ما بعد كورونا".