Menu
حضارة

تفكيك الذاكرة الفلسطينية

نبيل سالم

حملات التحريض على الشعب الفلسطيني كله، تهدف إلى تفكيك الذاكرة الفلسطينية، وتصوير الصراع الفلسطيني «الإسرائيلي» على أنه صراع بين «دولة حضارية» تسعى إلى خير كل المقيمين فيها، ومجموعات غير حضارية تحاول النيل منها.

معظم العرب الذين قاموا بالتصويت للقائمة المشتركة، يدركون جيداً أن قيادتهم السياسية والجماهيرية، تلغي شرعية «الدولة اليهودية»، وتعلن دعمها الدائم لجميع أعداء «الدولة» الذين يحاولون بعنفهم وأدواتهم تقويض وجودها وأمنها. هم يفعلون ذلك على الرغم من اعترافهم العميق بمساهمة «الدولة اليهودية المتحضرة والمزدهرة» في تحسين جودة حياة العرب الساكنين بها، وعلى الرغم من رغبتهم في الاندماج بها.

بهذه العبارات، يستهل الصحفي «الإسرائيلي» دان شيفطان، مقاله في صحيفة «يسرائيل هيوم»، الذي نشر في أواخر الشهر الماضي، مقدماً لنا صورة حية عن محاولات أقلام الحركة الصهيونية، ليس التحريض على الفلسطينيين فقط، وإنما تزييف الواقع، والمساس بالحقائق التاريخية للصراع الفلسطيني «الإسرائيلي»، وإظهار الاحتلال باعتباره «دولة حضارية» لا هم لها سوى تحسين ظروف العرب الساكنين فيها، وهي مغالطة مقصودة تنسف التاريخ الفلسطيني برمته، وتحاول طمس الشخصية الوطنية الفلسطينية.

ويمعن الكاتب «الإسرائيلي» في تسويق أكاذيبه قائلاً: «لقد تحدثنا سابقاً عن الرغبة الإيجابية لدى الجمهور العربي بالاندماج»، ويضيف قائلاً: إن موقف الفلسطينيين يستند إلى ما سماه الادعاء أن الشعب اليهودي ليس شعباً، إنما مجموعة دينية؛ ولذلك ليس له الحق في تقرير المصير، كما ليس له أي جذور قومية وتاريخية في «أرض إسرائيل»، وهي أرض لم ترسم لها الحركة الصهيونية حدوداً محددة كما هو معلوم، ولا تكتفي بالأراضي الفلسطينية المحتلة، وإنما ترسم حدودها مجموعة الأساطير الصهيونية المعروفة، التي تعد «أرض إسرائيل» بالمفهوم الصهيوني تمتد ما بين النيل والفرات.

ويمضي الصحفي «الإسرائيلي» دان شيفطان في محاولاته تبديد الحقائق التاريخية، عندما يقول: إن الفلسطينيين يرون بالمشروع الصهيوني على أنه مشروع كولونيالي، وليس شعباً عاد إلى أرضه، وأنهم يتحدثون عما اسمه محتل غريب يطالب بالتمتع بثمار الجريمة التي اقترفها، وهي جريمة الكولونيالية، واصفاً طرح القائمة المشتركة التي فازت بالكثير من مقاعد «الكنيست» في الانتخابات الأخيرة، حل القضية الفلسطينية؛ وفقاً للقرار 194، القاضي بحق العودة للاجئين الفلسطينيين، بأنه إرجاع لعقارب الساعة التاريخية إلى الخلف ، محاولاً نزع الشرعية عن القيادات السياسية الفلسطينية، خصوصاً أعضاء القائمة المشتركة؛ لكونهم يطالبون بتصحيح الظلم التاريخي بحق الشعب الفلسطيني، الذي يبدأ بتحقيق حق العودة، والسماح للاجئين بالعودة إلى قراهم،؛ حيث يعد هذا الصهيوني المطالب الفلسطينية بأنها عبارة عن أحلام لا يمكن تحقيقها، وتهدف فقط إلى تقويض الوجود اليهودي.

ما يقوله شيفطان يتماهى مع ما يتفوه به بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء «الإسرائيلي» عندما يصف أعضاء القائمة المشتركة، على الرغم من تحفظات الكثير من الفلسطينيين على المشاركة في اللعبة السياسية «الإسرائيلية»، بأنهم يدعمون الإرهاب، واصفاً نتائج الإنتخابات الأخيرة بأنها أدت إلى حكم أقلية داعمة للإرهاب سيطرت على برلمان «إسرائيل» على حد تعبيره.

أما وزيرة الثقافة والرياضة ميري ريجيف، فقد مارست التحريض على طريقتها؛ عندما كتبت على موقعها في «فيسبوك»: «التصفيق لجانتس، لبيد، اشكنازي، بوجي وليبرمان، لقد نجحتم. دخلتم كتب التاريخ بالخطوة السفلى التي عرفتها «الديمقراطية الإسرائيلية»،. لقد حققتم مبتغاكم. أقلية يهودية مع قائمة داعمي الإرهاب». يستشف مما سبق وهو في الواقع قليل من كثير، أن «إسرائيل» تشهد تصعيداً كبيراً في خطاب الكراهية ضد الفلسطينيين، ولا سيما على خلفية سَنّ قانون الدولة القومية في يوليو/‏تموز 2018، الذي أعلن «إسرائيل» دولة للشعب اليهودي، وحطّ من شأن اللغة العربية من لغة رسمية إلى لغة ذات «وضع خاص».

إن حملات التحريض على الشعب الفلسطيني كله، إنما تهدف إلى إنكار الهوية الوطنية الفلسطينية، وتفكيك الذاكرة الفلسطينية، وتصوير الصراع الفلسطيني «الإسرائيلي» على أنه صراع بين «دولة حضارية» تسعى إلى خير كل المقيمين فيها، ومجموعات غير حضارية تحاول النيل منها.

لكن ما تنساه أو تتناساه الحركة الصهيونية، ومشروعها الاحتلالي العنصري الإجلائي في فلسطين، هو أن ذاكرة الشعوب لا يمكن محوها، وأن الشعب الفلسطيني المقاوم منذ أكثر من مئة عام للمشروع الصهيوني على أرضه، يتوارث انتماءه لوطنه جيلاً بعد جيل، وأن الذكرة والعقل الفلسطينيين غير قابلين للتدجين مهما طالت سنوات الصراع بين الشعب الفلسطيني ومحتلي أرضه وأعدائه التاريخيين.