Menu
حضارة

في زمن الكورونا: "صفقة القرن" بين التجميد والتطبيق؟

م. تيسير محيسن

نُشر هذا المقال في العدد 12 من مجلة الهدف الرقمية

كان الرئيس محمود عباس شجع عليها في أول لقاء له مع ترامب، و"أسقطها" البعض قبل إعلانها بوقت كبير. للأسف، من الواضح أننا لا زلنا نتعامل مع "صفقة القرن" بوصفها "اقتراحًا" نظريًا جاء في وثيقة معلنة، وليس بوصفها "عملية جارية" بالفعل منذ فترة طويلة تحت أقدامنا وأمام أعيننا، ربما منذ وعد بوش الابن 2004.

بعد حوالي 4 سنوات من التلويح بها وشهرين من إعلانها رسميًا.. لا زالت "صفقة القرن" تحتل حيزًا كبيرًا من النقاش (وباء كورونا بدأ يسحب الأضواء عنها، وربما يجعل منها شيئًا من الماضي، شأنها شأن كثير من الأشياء الأخرى). في هذه المقالة نحاول أن نجيب على بعض التساؤلات المتعلقة بالصفقة؛ من أين جاءت؟ وإلى أين يمكن أن تأخذنا؟ وكيف نواجهها في الواقع؟

دعوني أجمل في فقرة قصيرة أبرز الأقوال والعبارات التي وردت على ألسنة قادة وخبراء وسياسيين بخصوص هذه الصفقة. استخدمت تعبيرات ومترادفات عديدة تباينت مضامينها تبعًا للشخص الذي يطلقها؛ فهي تارة "صفعة"، وتارة ثانية "صدمة" وثالثة "سرقة"، ورابعة "صرعة" وخامسة "صفاقة" وسادسة "فرصة".

هذا وقد وسمها البعض بالمولود الميت أو المشوه تعبيرًا عن رفضها والاستعداد لإسقاطها أو التهوين من خطرها وتأثيراتها الضارة. وفي تحليلات أكثر عمقًا ثمة من اعتبرها نتاج سياسة "إمبراطورية مأزومة"، أو حصاد مر في مرحلة ما بعد القومية العربية وفشل القومية الدينية "الإسلام السياسي" في المنطقة، وهي بهذا المعنى تمثل لحظة فاصلة بين مرحلتين في تاريخ الصراع والمنطقة. 

استغرق التلويح بالصفقة زمنًا طويلًا، ومع التسريبات والتكهنات شاع كثيرًا أنها ربما لا تعدو أن تكون مجرد "تخيلية" تاجر عقارات، ومع الإعلان الرسمي عنها زعم البعض أنها جاءت لتنقل "التخيلية" إلى خطط وخرائط وجداول زمنية.

إذا كانت الصفقة تمثل انتصارًا مذهلًا لليمين الصهيوني، حيث اعتبرها أحد قادته  "إعادة صياغة" للنزاع، و"نقلة نوعية"، فإنها تشكل في ذات الوقت "الفصل الأخير" لمسيرة طويلة من "الخيانة" الغربية والمسمار الأخير في نعش حل الدولتين.

إلى ذلك، يمكن تسجيل الملاحظات التالية: الصفقة تعزز مشروع حل الدولة الواحدة، كما تعزز "حل معضلة غزة عبر سيناء" أو تكريس انفصالها مع تسريع ضم الصفة الغربية. الصفقة تكسر المنظور الأمريكي للصراع وطرق حله، وتتبنى الرواية الصهيونية وتتجاهل معاناة الفلسطينيين، صيغت بنبرة وصائية استعلائية استعمارية. الصفقة "استهزاء بالجهود الدولية لحل الأزمة المستمرة" وهي نوع من "الوساطة غير الشريفة"، وأن من شأنها أن تديم الصراع فحسب.

ولأن العالم برمته رفضها واستنكر مضمونها وطريقة صياغتها والإعلان عنها؛ فهي خطة "مصممة للفشل"، لا تلبي طموحات الفلسطينيين طبقًا لأقوال دنيس روس، وهي ليست خطة سلام على الإطلاق؛ بل مهزلة من البداية إلى النهاية طبقًا لمارتن إندك.

في معناها التاريخي هي "محاولة لحسم مسألة لم يكن بالإمكان حسمها نهائيًا طوال قرن من الصراع"، وفي معناها النفسي-الشخصي هي "تخيلية تاجر عقارات مغامر"، وفي معناها السياسي "إنحياز كامل للرؤية الإسرائيلية والضغط من أجل تطبيقها".

من أين جاءت؟

جاءت "الصفقة" نتاج تحولات وأحداث كبرى فلسطينية وإسرائيلية وإقليمية ودولية وخصوصًا أمريكية، بهذا المعنى الصفقة ليست مجرد حدث عابر وإنما تحول بنيوي في المواقف والتحالفات والتداعيات على النحو التالي:

(1) "انعدام قدرة" النظام السياسي الفلسطيني الناجم عن فشل مسيرة التسوية وبدائلها. تولدت حالة من التجزئة والتفتيت شجعت اليمين الإسرائيلي وحليفه الأمريكي المدعوم بالجنون القيامي لملايين المسيحيين الإنجيليين، على وضع مخططات الانتقال من التسوية إلى التصفية.

(2) من الظواهر التي تشهدها المنطقة في أعقاب تعثر مسيرة التحول الديموقراطي ما بات يعرف بالهرولة العربية نحو إسرائيل والتطبيع معها، أو جهود بناء حلف عربي-إسرائيلي في مواجهة إيران. إن كل خطوة في هذا الاتجاه يقابلها سحب من رصيد "المسألة الفلسطينية" تقدمة لصالح حكومة نتنياهو. ما كان لهذا أن يحدث لولا فراغ القوة الناشئ في المنطقة بعد خروج مصر وانهيار العراق وسوريا وضعف الجزائر وانشغالها ودخول ثلاث قوى على الخط (إيران، تركيا، إسرائيل) لملىء هذا الفراغ؛ المرتبط بالنهاية المحزنة للمد القومي العربي الناجم عن هزيمة الناصرية، وصعود الإسلام السياسي، وتسيّد أنظمة فاسدة ومستبدة.

لا يمكن الفصل بين "الصفقة" وبين مجرى الأحداث في المنطقة منذ سبتمبر 2001، إذ تندرج فيما يمكن أن نطلق عليه "إعادة هيكلة الشرق الأوسط" طبقًا للرؤية الأمريكية التي قاربتها ثلاث إدارات من زاويا مختلفة دون المس تقريبًا بجوهرها. أطلق بوش الابن المارد الديني في إطار حملته المسعورة على "الإرهاب" وقوض بنيان العراق، بينما أطلق أوباما الوحش الطائفي، وقوض فرص التحول الديموقراطي ومعه بنيان مجموعة أخرى من الدول. جاء ترامب ليكمل ما بدأه سلفاه. 

(3) كشفت الانتخابات الإسرائيلية في ثلاث جولات عن حقيقة ساطعة: بالرغم من الخلاف مع نتنياهو، فإن قيم اليمين السياسية والأيديولوجية وتوجهاته هي التي تهيمن على الساحة الإسرائيلية (باستثناء القائمة المشتركة)؛ علاوة على غياب الجدل حول قضايا سياسية أساسية. تحظى أجندة اليمين الإسرائيلي بدعم يميني وشعبوي دولي واسع؛ يعزز خطابه السياسي ويدعم إجراءاته العملية.

الصفقة نتاج صعود الترامبية:

في الواقع، الترامبية نتاج تحولات هائلة في المجتمع والنظام الأمريكيين على مدى عقود طويلة سابقة، جعلت من الولايات المتحدة "إمبراطورية في أزمة". الترامبية ليست ظاهرة فريدة، وإنما هي جزء من سياق كوني يميني، بمثابة فوضى عارمة تقوض نظام العولمة ووضع نهاية لليبرالية الجديدة وخصوصًا مقولتي "السوق والديموقراطية" دون تبني بدائل جوهرية أكثر إنسانية.

في جميع الأحوال لا يمكن فصل سياسة الولايات المتحدة عن "أزمة الرأسمالية" التي جاء ترامب للتعامل معها من منطلق شعبوي مقرون بجموح قومي متنامي؛ إذ من سمات هذه الرأسمالية المظهر الاستعماري الحربي ما فوق الجديد، والفاشية المستدامة بوصفها شرطًا ضروريًا لاستمرار التشكيلة الرأسمالية؛ التي تشهد تناقضات حادة بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، بين المركز والأطراف، بين الرأسماليات التقليدية والصاعدة، بين الإنتاج والطبيعة (البيئة)، بين الإنتاج والاستهلاك.

من جانب آخر، الترامبية نتاج تقاطع ثلاث ديناميات مرتبطة بطبيعة النظام الأمريكي: الاستقطاب الأيديولوجي والسياسي بين حزبين كبيرين وتأثيراته على منظومة الحكم، تشققات الهوية في "مجتمع سياسي" يشهد تفاوتًا اقتصاديًا حادًا، وتعميق سياسات الهوية؛ وتآكل المعايير الديمقراطية على مستوى النخبة والجمهور.

بالتأكيد ترتبط "الترامبية" في جانب من جوانبها بشخصية ترامب نفسه؛ شبه المتعلم، الكاذب والمخادع (زئبقي وغير موثوق به)، الذي لا يمكن التنبؤ بردود أفعاله، الديماغوجي المتعصب والعنصري والمعجب بالحكام الأتوقراطيين. يمتلك نظرة تبسيطية للعالم، ولا يراه إلا بوصفه عالمًا منقسمًا بين رابحين وخاسرين من منظور تاجر عقارات. صحيح أن ترامب ليس المثال المعاصر الوحيد للشعبوية اليمينية والوطنية والحمائية، لكنه بالتأكيد الأشد خطورة على النظام الدولي وعلى القيم التي تحكمه. فيما ذكر بعض ما يفسر موقفه وموقف إدارته عمومًا وتجاه المسألة الفلسطينية علاوة على انفصال السياسة عنده عن القيم بصورة سافرة.

إلى أين تأخذنا الصفقة؟

يفترض زمن الكورونا تجميد "السياسة" لصالح كل ما هو خاص بمكافحة الفيروس. من المحتمل أن يتوقف الحديث العلني عن الصفقة، لكن ثمة خشية أن تواصل إسرائيل ممارساتها العدوانية، بما في ذلك تبني استراتيجية "الإجهاز والتبديد" لكل مفردات مشروعنا الوطني وأيضًا مفردات "وجودنا" المادي والرمزي فوق هذه الأرض:

  1. الكف عن مواجهة الصفقة بوصفها اقتراحًا نظريًا أو مخطوطة منشورة، وإنما بوصفها سياسة شاملة وممارسة عملية تجري في الواقع
  2. أن نجعل من الإعلان عن الصفقة حافزًا لصحوة فلسطينية تبدأ بالمراجعة والنقد وتنتهي بإعادة صياغة مفردات ومسارات الوحدة والوفاق على مستوى النظام السياسي ومجتمع الضفة الغربية وقطاع غزة وعلى مستوى مجموع الشعب الفلسطيني ومكوناته المختلفة في مختلف بقاع الأرض.
  3. الامتناع عن المبالغة في ردود أفعالنا وتجاهل الوقائع من حولنا والمطالبة بالعودة إلى ما ثبت عقمه أو قصوره أو فشله من رهانات أو تكتيكات أو وسائل وأدوات، وكي يواصل العالم موقفه الرافض للصفقة علينا أن نستمر في مخاطبته باللغة التي يقبلها وليس بالتطرف والمغالاة.
  4. إعادة الاعتبار لروايتنا التاريخية وتظهيرها بلغة يفهمها الآخرون، وعلينا ألا نواجه أشقاءنا العرب "المهرولين" نحو التطبيع بالسب والشتم، وإنما بفتح مسارات الحوار والتنبيه لمخاطر إسرائيل اليمينية، والتركيز على أن إيران ليست هي العدو (على القيادة الإيرانية أن تقدم من جانبها أدلة على ذلك).
  5. اتكاءً على ما أحدثته الصفقة من صدمة، فلنعمل على تجديد الصلات بين النضال الوطني والتحرري، والنضال من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وإعادة الاعتبار للمسألة الفلسطينية بوصفها قضية العرب الأولى!