Menu
حضارة

كلمات في وداع عوني صادق

محمد العبد الله

الكاتب الراحل عوني صادق

لم أكن أتوقع أن أكون في موقع رثاء لصديق وأخ ورفيق درب امتدت العلاقة بيننا على مدى أربعة عقود ونيف . انقضى أسبوع على توقف ذلك القلب عن الخفقان، هذا القلب الذي نَبَضَ حُباً ، للإنسان وللحياة في وطن حر يعيش فيه المواطن / ة ، بكرامة وعزة نفس.

منذ اللقاء الأول الذي جمعنا في أواخر سبعينات القرن الماضي بمدينة الكويت وحتى اليوم قبل الأخير لدخوله المشفى في عمان قبل شهر تقريباً،وهو بحالة إسعافية حرجة، لم ننقطع عن التواصل. بل أن تلك السنوات من عمر علاقتنا كانت تعبير عن تطابق وجهات نظرنا وتماهي أفكارنا في العديد من القضايا والرؤى – رغم تباين وجهات نظرنا فيما عصف بمنطقتنا منذ 2012-. ولاأبالغ إذا قلت أن ليوم الخميس من كل أسبوع نكهة خاصة مع قراءة مقالته الأسبوعية على موقع جريدة الخليج الإماراتية .

عوني صادق المولود عام 1941 في قرية " مجدل الصادق " الواقعة شرق مدينة الرملة في فلسطين المحتلة عام 1948، عاش معاناة عدم الاستقرار في سنوات شبابه ، فقد تنقل مابين الضفة الغربية و الأردن وسورية والكويت والعراق والإمارات، ليستقر به المقام أخيراً في عام 1991مع عائلته في عمّان. انتسب لجامعة دمشق وتخرج في كلية التجارة " الاقتصاد " ومارس العمل الوظيفي بتلك الشهادة في عدة أماكن ، منها " شركة نفط الكويت"، و" المؤسسة العامة للإسمنت "في سورية، بعد عودته القسرية من الكويت لدمشق في منتصف عام 1979 التي عمل فيها  لفترة لم تستمر طويلاً.

على مدى ستة عقود، كتب عوني المقالة السياسية التحليلية في عدد من الصحف والمجلات العربية، أذكر منها "مجلة الطليعة وصحيفة الوطن بالكويت، مجلة الهدف، مجلة الأزمنة العربية" في الإمارات، صحيفة القدس ، وصحف الدستور والوحدة والأسواق في الأردن، كما نشر عدداً من الدراسات النقدية الأدبية "دراسات عربية". لكن السنوات الخمس عشرة التي أمضاها في الكويت، كانت أغنى فترات كتابته، والتي أتاحت تعريفه بجمهور كبير من القراء والقارئات. كتب المقالة والتقرير البحثي وأحياناً الافتتاحية لسنوات عديدة في مجلة " الطليعة " الكويتية التي كانت التعبير السياسي عن حركة القوميين العرب، وأثناء كتابته في المجلة التقى الفنان المُبدع الشهيد "ناجي العلي". عن هذه العلاقة يتحدث عوني في الاحتفالية الـ " 28 " للفنان ناجي العلي التي أقامها منتدى الفكر الديمقراطي في عمّان  يوم 29/8/2015 (أثناء حرب 1967حزيران التحقت كاتبا متطوعا في مجلة (الطليعة) الكويتية، وكانت لسان حال القوميين العرب في الكويت. دخلت المجلة ووجدت فيها ناجي، وكانت المرة الأولى التي ألتقيه فيها على مستوى شخصي. كانت زياراتي للمجلة في تلك الفترة مرة واحدة في الأسبوع أسلم فيها ما كتبت، وأتنقل بين مكاتب المجلة أجالس هذا وأحادث ذاك، ومن ضمنهم بطبيعة الحال ناجي. لقد رافقت ناجي العلي في مواقع العمل لفترة قصيرة، وجمعتنا خارج العمل صداقة قامت أساسا على القناعات المشتركة والموقف السياسي الواحد ). كذلك، كتب عموداً يومياً  تحت عنوان " آفاق عربية " في صحيفة " الوطن " الكويتية طوال ثلاث سنوات ونصف تقريباً. كانت المواقف السياسية النقدية، والأفكار التقدمية/الثورية التي وسمت كل كتاباته قد دفعت العديد من السفارات العربية والقوى السياسية الرسمية " كويتية وفلسطينية وخليجية " للضغط على الحكومة الكويتية لكتم هذا الصوت. لهذا، أقدمت الأجهزة الأمنية الكويتية على توقيف وإبعاد الكاتب المناضل، بعد وضع الأصفاد في يديه ومعاملته بطريقة لاإنسانية لخارج الحدود الكويتية في أواخر شهر أيار / مايو 1979. وهو مانددت به مجلة " الطليعة " في العدد رقم 609 الصادر يوم 29 / 5 / 1979 بموقف واضح من خلال مقالة حملت عنوان ( أنت تبقى وهم ذاهبون ) أقتبس هنا بعضاً مما جاء فيه ( يوم أمس غادرنا الزميل عوني صادق الكاتب السياسي العربي المعروف، ولأنه معروف إلى حد الوضوح والصدق جاءت مغادرته بناء على أوامر وزارة الداخلية دون إبداء الأسباب ).

عوني صادق – وله من اسمه نصيب – كان صادقاً مع ذاته ومع قرائه. حافظ على ثوابت لم تتأثر بالمتغيرات أو الإنقسامات أو بمرض " المساومات والتنازلات ". آمن بالعنف الثوري المنظم وبأرقى أشكاله وأكثرها فاعلية وجدوى :الكفاح المسلح ، كأسلوب ونهج عمل أساسي لتحرير فلسطين. غالباً ماكان يقول لي ساخراً "ماذا يعني النضال بكل أشكال المقاومة؟؟ " مضيفاً " إذا لم يتم التأكيد على الكفاح المسلح كأسلوب رئيسي في النضال لتحرير فلسطين من بحرها لنهرها، فذلك النضال هو لكسب موقع تفاوضي وليس لإنجاز التحرير". وإذا كان هذا الثبات والالتزام التاريخي بأسلوب النضال الرئيسي الذي مارسته الفصائل الفلسطينية المسلحة، يلازم الراحل في مقالاته وأبحاثه، فإنه وبذات الوقت، لم يحجب عن رؤيته لواقع تلك القوى والفصائل العديد من سلبياتها وأزماتها و" ميوعة " مواقفها السياسية التي كان يسميها "حمالة أوجه". وقد كتب الكثير في نقدها الثوري بهدف تصويب مسارها وتصليب مواقفها. لذلك ، اتخذ موقفاً رافضاً لكل الدعوات و"التنظيرات" والإتفاقيات التي طرحتها بعض القوى والهيئات السياسية والدول، سواء ماسمي حينها "برنامج النقاط العشر/البرنامج المرحلي" و"لقاءات السلام والتعايش" واتفاقيات " كامب ديفيد، ووادي عربة، وإعلان المبادئ في أوسلو ". ونظراً لدور الكيان الصهيوني الاستعماري التوسعي، فقد تابع الفقيد الراحل بنية هذا الكيان السياسي، العسكري، والاجتماعي، وقَدَّمَ في مئات المقالات المتخصصة بهذا الجانب رؤية تفصلية ، نقدية وثورية، في قراءة المشهد داخل فلسطين المحتلة بكل تفاصيله، انطلاقاً من موقف حَكَم توجهاته التي تندرج تحت عنوان "إعرف عدوك". هذه المعرفة تطلبت من الراحل المتابعة اليومية لكل مايصدر من صحف ونشرات وتقارير عن الندوات والاحصائيات عن مراكز الأبحاث والمؤسسات السياسية والأمنية داخل الكيان من أجل تحليلها ووضعها في سياق "معرفة وضع العدو من أجل بناء استراتيجيات مجابهته " كما كان يكرر دائماً.

وللتأكيد على الثوابت/الأفكار التي حكمت مواقفه تجاه قضية النضال الوطني الفلسطيني، سأعيد مانشره على صفحات جريدة الوطن الكويتية يوم 20 / 8 / 1987 تحت عنوان ( ناجي العلي: وما قتلوه وماصلبوه ولكن شبه لهم..) والتي لم يُعبّر فيها عن موقفه تجاه جريمة إطلاق الرصاص على الفنان المُبدع الشهيد ناجي العلي، فقط، بل ليؤكد من خلال ماكتبه على المُشترك الذي تماهى به مع ناجي، وهذا مايشعر به كل من عَرف ناجي وعوني " الأول بريشته والثاني بقلمه " يكتب عن ناجي بمقالته تلك ( ناجي العلي استحق القتل لأنه استعصى على الترويض وعمليات غسل الدماغ، وفشلت معه "جهود التطوير" فظل يفهم الوطنية بأنها التمسك بالميثاق الوطني وتحرير كامل التراب الفلسطيني، لم يستوعب عقله حكمة "انقاذ مايمكن انقاذه" ولم يقتنع بأن " السياسة فن الممكن "لم يقبل برامج التضليل والتزوير الجارية على كل المستويات، ولم يمتلك قدرة الفهم على دور اللقاءات المتزايدة مع "الأخوة الصهاينة" على طريق تحرير فلسطين وإقامة الدولة المستقلة، وباختصار لم تصبه نعمة "الأمراض التنازلية" التي هبطت على الكثرة من الراسخين في العلم والسياسة). إن كل من قرأ وتابع ماكتبه الراحل يستنتج أن ماسجله بموضوعية عن "مبررات عملية الاغتيال لدى القتلة " للمُبدع الشهيد، هي ذات المبادئ التي التزم بها في كل مقالاته. وحتى التشابه / المُشترك بينهما، لم يكن بالأفكار، والزهد بالحياة، وببساطة العيش ، وبعفة اليد التي عرفتها شخصياً في الفقيدين. في مقالة مجلة " الطليعة " الذي حمل عنوان " أنت تبقى وهم ذاهبون" إضاءة على جانب من شخصية الفقيد "...لقد اختار الجانب الأبقى.. جانب الجماهير رغم كل الاغراءات التي تُقدم عادة لأصحاب الأقلام الكبيرة من قبل السلطات العربية، ولأنه لم يكن صحفياً محترفاً، كانت الصحافة لديه تتجلى في أنقى صورها، كانت كلمة حق يراد بها حق الجماهير.. لا أي شيء آخر). وتظهر أوجه التشابه بينهما في الطريقة التي تركا فيها الكويت، عانى الإثنان من "الإبعاد" الذي قامت بتنفيذه الحكومة استجابة للضغوط التي مارستها عدد من الجهات الخارجية والداخلية. وكانت المُدة التي فَصَلَت بين تنفيذ قراري الإبعاد ست سنوات وبضعة أشهر . فقد غادر ناجي الكويت "مكرهاً " إلى لندن بأواخر عام 1985 ليتابع عمله هناك مع جريدة " القبس".

وفي ذات الاتجاه، وبمقدار ماكان الفقيد مسكوناً بفلسطين وتحررها، كان عروبياً وتقدمياً، بامتياز. بتلك الروح القومية التقدمية، واجه بعدد كبير من المقالات كل مشاريع الاستعمار والهيمنة والاحتلال التي تعرضت لها أجزاء عزيزة من الوطن العربي الكبير. ولنا في مقالاته أثناء حصار العراق وبعد احتلاله خير دليل على ذلك. حلل واستنتج ضرورة الوحدة العربية كرد ليس على التجزئة فقط، بل وعلى أهميتها في توفير عوامل تحرير فلسطين وكل بقعة أرض عربية تم احتلالها، مؤكداً على أن النضال القومي والوطني لايقل أهمية عن النضال الاجتماعي، لهذا ،كانت الطبقات الفقيرة والمهمشة، المقياس الدائم في صحة أي تحليل. إذ أن النضال ضد كل أشكال الاستغلال والاضطهاد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري كان المعيار الذي يلتزم به الراحل في كتاباته. واحتوت آلاف المقالات والدراسات التي سطرها الفقيد على التزام ثابت لم يتزحزح بأن " الاستعمار والصهيونية والرجعية العربية" هي حلف أعداء جماهير الأمة وناهب ثرواتها .

في الختام، ليست كلماتي هذه رثاءً لصديق وأخ ورفيق درب، لأن عوني صادق لم يمت، بل فارقنا جسداً، فهومقيم في العقل والروح. ماقصدته بهذه القراءة السريعة والمختزلة جداً، هي التوقف عند نموذج متميز من الرجال المناضلين، أصحاب الفكر والرؤية التي بوصلتهما : تحرير فلسطين ووحدة الأمة العربية ونهضتها وانعتاقها من التبعية والهيمنة الاستعمارية ومن كل أشكال الفساد والاستبداد والتخلف .

سلام لك وسلام عليك ياعوني في عليائك وأنت تلتقي من أحببت وهم كثرٌ، وسأذكر بعضًا منهم: جورج حبش ، غسان كنفاني، وديع حداد، ناجي العلي، صابر محي الدين، ناجي علوش، حنا مقبل وباسل الأعرج.