Menu
حضارة

عن النفط ولحمنا المحروق

خاص بوابة الهدف

في حالة الحجر تبدو العناوين المتاحة للكتابة متشابهة للوهلة الأولى، فالجائحة وأخبارها وأخطارها تصبغ كل العناوين بصبغتها، كما لو أن الجميع لا يستطيع إلا أن يكتب عن كورونا.

هذا قد يكون صحيح مع بداية انتشار الفيروس، لكن اليوم يمكن القول إن الأزمة المرضية لم تعد حدثًا بقدر ما أصبحت مسرحًا للأحداث، أي واقع جديد تحدث فيه الكثير من الأشياء، ضمن بيئته وبشروط جديدة استحدثها إلى جانب تلك الشروط القائمة والناظمة للأحداث ولعلاقات السلطة والثروة والإنتاج والقهر.

حين انهارت أسعار خام تكساس النفطي بالأمس، لم يكن فيروس كورونا المستجد قد أصاب أحد آبار النفط، ولكن الركود الاقتصادي الآخذ بالتعمق ترك مفعولاً طبيعيًا على أسواق صُممّت بغرض الزيادة اللامنتهية في معدلات الاستهلاك تحت مسمى النمو الذي افترض زيادة هائلة ودائمة في معدلات حرق الإنسان للنفط.

انخفاض الاستهلاك البشري للنفط هو ضرورة وليس كارثة، ذلك ما تفرضه احتياجات البشرية المستقبلية لهذا المورد، وضرورات الحفاظ على التوازن البيئي لأجل استمرار الحياة البشرية على هذا الكوكب، وما يحدث حاليًا هو وقوع تباطؤ تاريخي للاستهلاك، تحول إلى كارثة اقتصادية لرأس المال الذي يُصرّ على جني ربحه من الهدر والحرق المستمر لكل موارد الكوكب؛ فزيادة الاستهلاك هي الهدف، وليست تلبية الاحتياجات البشرية.

تلك المعادلة الشهيرة عن موت الملايين جوعًا في هذا العالم، وملايين أخرى تخمةً، ليس محض خلل أخلاقي أصاب الأفراد، ولكنها جوهر العملية الرأسمالية واقتصاديات السوق؛ فتكديس الملايين والمليارات في أرصدة وجيوب أرباب رأس المال تتطلب المزيد من الإنتاج، حتى عكس اتجاه الحاجة البشرية، والمزيد من الدفع شبه الاجباري للبشر باتجاه استهلاك هذه المنتجات أي كانت.

إن الاجابة على هذا التحدي لا تكمن في البحث عن آليات لاستعادة النمو الرأسمالي المستند على النمط سابق الذكر، ولكن في البحث فيما تحتاجه البشرية حقًا، وهو بالتأكيد ليس مزيدًا من السيارات الفارهة والهواتف المحمولة واليخوت الخاصة، بل ما يمكن تسميته الثلاثي الذهبي؛ الأمن الغذائي، والرعاية الطبية، والسكن، ما لم تتوفر هذه الضرورات البيولوجية الثلاثة لكل إنسان على هذا الكوكب، فنحن بالتأكيد لا زلنا لم نخطو الخطوة الأولى لنستعيد إنسانيتنا التي استلبها وحوش رأس المال.

ليحترق النفط وسعره، فربما يسعف ذلك البشرية في وقف العدوان المسعور على اليمن؛ من وحوش الثروات النفطية. فنحن، أي أغلبية بشر هذا الكوكب لم نعرف من هذا النفط والمال المرتبط به؛ إلا مجازر تذبحنا ومدافع وطائرات تحرق لحمنا الحي في العراق و اليمن وفلسطين.