Menu
حضارة

حريق النصيرات.. الجرح الذي لا يزال ينزف: من يتحمل المسؤولية؟ 

فادي الشافعي

خاص بوابة الهدف

في لحظة ما من أيام سوق المخيم العادية، قبل أن تدق السّاعة مؤشّرة إلى تمام الواحدة ظهراً: سُمع صوت انفجار، فهرع المتسوقون جرياً نحوه لاستطلاع ما حدث، وقد ظنّوا أنه انفجاراً شنته طائرة صهيونية فذهبوا كعادتهم لتقديم المساعدة، وخلال ثوانٍ انحجبت الرؤية وغرق الناس في سحابة غاز اجتاحت المكان وتبيّن أن الانفجار ناتج عن تسريب لغاز طهي مخزّن في صهريج يتبع لشركة مخبز البنا.

ويقع مخبز البنا الآلي، في وسط مخيّم النصيرات للاجئين، يطلّ بابه الشمالي على السوق المركزي، وتعتبر هذه المنطقة التجارية الأكثر حيوية في المحافظة الوسطى، التي تتكوّن من ثلاثة مخيّمات رئيسية بالإضافة إلى النصيرات غرباً المغازي والبريج شرقاً.

ويخزّن مالكو الشركة الصهريج في الباحة الخلفية، وهي باحة فسيحة تقدر مساحتها بما يزيد عن 10 دونمات، محاطة بسلسلة متنوعة من المحلات التجارية، من بينها منجرة الرزّي، وصيدلية الشفاء، وفي وسط الباحة معملاً لباطون تعود ملكيتهما لعائلتي مخيمر، وأبو يوسف.

ارتدّ النّاس الذين هرعوا نحو الانفجار هاربين جنوباً بعدما اكتشفت أنوفهم أن الانفجار داخلي وناتج عن تسريب للغاز، وخلال ثوانٍ، اشتعلت النيران في أجسادهم وبدأت الأجساد المشتعلة تبحث عن طريقة للنجاة.. يقول تامر المغاري في مقابلة مع بوابة الهدف: " دخلت امرأة عجوز إلى المعرض تحبو وصرخت بي: "الحقني، الحقني، سكّر الباب، غاز، غاز".

المغاري، 28 عاماً، هو شاهد عيان على الحادثة، ومالك معرض اكسسوارات نسائية في شارع فرعي يطل مباشرة على الباحة الخلفية للمخبز، التي وقع فيها الحريق، والمعروف إعلامياً بـ"حادثة النصيرات".

يتابع المغاري:" اندفع الغاز من الصهريج محدثاً دوي انفجار هائل، وبعد ثوانٍ قليل اشتعلت النيران وسمعت سلسلة انفجارات متتالية، فهربت نحو الجنوب، في الاتجاه المعاكس لألسنة اللهب".

بالعودة إلى حالة الطقس في 3 مارس/آذار 2020، وهو تاريخ الحادثة يتبين أن الرياح كانت "جنوبية شرقية خفيفة إلى معتدلة السرعة، تنشط أحياناً" وهو ما يفسّر أن الضرر الأكبر وقع على المنشئات الواقعة في الجانب الجنوبي خاصّة، ومن بينها منجرة الرزي، وجمعية التأهيل والتدريب. 

يروي الناس الذي قابلهم مراسل الهدف، أن أكثر من استشعر الخطورة التي يمثلها وجود الصهريج في هذه المنطقة المزدحمة هو السيد ماجد أبو يوسف، مالك معمل الباطون، يقول كل من اختلط به في محيط البيت والعمل أنه لم يتوقف عند ترداد: "هذا الشيء خطير" وكان يقصد بذلك الصهريج الذي انفجر لاحقًا وأدى إلى وفاته هو وابنه الأصغر عدي. 

وقالت اللجنة المكلفة بالتحقيق في حادثة النصيرات، أن الحريق ناتج عن اشتعال سحابة الغاز الناتجة عن انفجار صهريج الغاز المملوك لمحطة المشهراوي للغاز، والذي تم إحضاره لصالح مخبز البنا، ويحتوي الصهريج على 1350 كجم، وذلك بسبب الضعف الذي اعترى الصهريج بسبب تحويله من ثابت إلى متحرك منذ عام 2004 دون مراعاة المواصفات الهندسية.

يقول عامر أبو يوسف:"كنت مقربًا جدًا من والدي، ودائماً ما كان يحذر من خطورة الصهريج، وقدّم شكوى إلى بلدية النصيرات أكثر من مرة لإزالته؛ إلا أن البلدية لم تستجب لذلك، وكان هذا الصهريج سبباً في استشهاد والدي في تلك الحادثة الأليمة".

يذكر أن ماجد أبو يوسف عمل في وقت مبكر في قطاع الغاز والبترول في دولة قطر حسب شهادات عائلته، وخبرته في هذا المجال ساعدته لاستشعار خطر تخزين الغاز في مكان مكتظ بالسكان أكثر من أي شخص آخر في محيطه.

بعد 16 يومًا، أعلنت لجنة التحقيق بالحريق، قرارات التي توصلت إليها نتيجة التحقيق، ومن بينها إعفاء رئيس بلدية النصيرات من مهامه وإحالته للجهات القضائية المختصة، وحل مجلس البلدية وتكليف وزارة الداخلية باتخاذ الإجراءات اللازمة لفصل الضابط رئيس قسم الأمن والسلامة في محافظة الوسطى بالدفاع المدني من مرتبات وزارة الداخلية والأمن الوطني وإحالته للتحقيق الجنائي، واتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف الضابط "مفتش الأمن والسلامة" في محافظة الوسطى بالدفاع المدني عن العمل وإحالته للتحقيق الجنائي.
ودعت اللجنة إلى إغلاق كافة النقاط العشوائية لتوزيع الغاز، وكذلك إغلاق كافة المنشآت الخطرة ومتوسطة الخطورة غير الحاصلة على التراخيص اللازمة أو التي تفتقد لشروط الأمن والسلامة، وإغلاق مخبز البنا وشركة المشهراوي للغاز نهائياً، وإحالة ملفهما للجهات القضائية؛ وأقرت اللجنة بوجود قصور من البلدية والدفاع المدني في منح التراخيص والجولات الميدانية. 

وأشارت اللجنة إلى أن بلدية النصيرات ممثلة برئيسها والمجلس البلدي وقسم الحرف لم يولوا الاهتمام الكافي بإلزام المنشآت الخطرة مثل المخابز بالحصول على الترخيص الذي يضمن إجراءات الأمن والسلامة، حيث هناك العديد من المخابز وغيرها يعمل بدون ترخيص.

في سياق متابعة "الهدف" للحادثة وأولويات المعالجة، كان من المفترض أن بعض إجراءات اللجنة يجب أن تتخذ قبل أن تعقد اللجنة أو تتشكل أصلاً من بينها إيقاف المجلس البلدي، والتأكد من مدى تطبيق  القوانين والقرارات التي تمنح بموجبها التراخيص ومراقبة مدى تطبيقها وتنفيذها من قبل جهات مختصة مهنية، تقدّم سلامة الإنسان على اعتبارات المصالح التي تتداخل بين رأس المال والسلطة، خاصة أن حادثة النصيرات لم تكن الأولى، وسبق ذلك انفجار صهريج في خان يونس، ومن قبيل الصدفة كان محيط الانفجار خالياً من السكان، وهذا على سيبل المثال لا الحصر.

إن القصور أو التأخير في القيام بالواجبات والمهمات المناطة بالأجهزة المختصة، لا يتعلق بجهة بعينها، ولا يحتاج لجريمة بحجم ما حدث بالنصيرات ليدلنا عليها، بل يطال الخدمات الاجتماعية والصحية إجمالًا التي طالت حياة الكثير من الناس، ولا يمكن أن تكون معالجة هذا القصور، مثلاً؛ بنقل موظف من مكان عمله إلى عمل آخر، قد يكون فيه مقصر أكثر، كما أن إن المطلوب هو إعادة تفعيل البعد الشعبي في اختيار ممثلي المجالس المحلية والبلدية، فما الفائدة من إعادة تشكيل مجلس بلدي من ذات السلطة التي تتحمل المسؤولية عن ما حدث؟

أمام هذه الحادثة الأليمة والمؤسفة، والتي بلغت الخسائر البشرية والمادية فيها حتى كتابة التقرير 25 شهيداً، و49 جريحاً، بالإضافة إلى تضرر 30 محلاً و40 بسطة و18 مركبة، وهذا ما يتطلب تفعيل سبل الوقاية والحماية وتفعيل القوانين والقرارات المتعلقة بأرواح وممتلكات الناس، والتصدي لكل المخالفات والخروج عن القانون وفقها، وعليه؛ فإن حادثة بحجم حادثة النصيرات تتطلب أن يودع المتسببين بها في السجن ويخضعوا لإجراءات قانونية واضحة، لا أن يخضعوا لإجراءات شكلية فاضحة، ستعيدهم إلى مواقع مسؤولية قريبة أو شبيهة بتلك التي لم يتمكنوا من القيام بمسؤوليتهم وواجبهم الوطني والاجتماعي وهم على رأسها.