Menu
حضارة

نحو مواجهة حقيقية لوباء كرونا

يوسف مكي

أصبح العالم على مشارف اقتحام الشهر الخامس، منذ بدأ الإفصاح عن انتشار فايروس كرونا، وقد بات واضحا أمام العجز عن اكتشاف مصل مضاد له قريبا، أن علينا التعايش مع هذا الوباء، في الحد الأدنى حتى نهاية هذا العام. 

وإذا ما أخذنا الخط البياني الصاعد لظاهرة انتشاره السريع، فإن التقديرات الأولية أنه سيحصد قرابة خمسة ملايين من البشر، وعشرات الملايين من المصابين بالوباء، قبل انفضاض هذا العام. 

في الشهر الأخير وحده، تضاعف عدد المصابين بالوباء والذين رحلوا إلى العالم الآخر، نتيجة انتشاره ثلاثة مرات. والمصابين به تجاوزوا الثلاثة ملايين من البشر، في حين قارب عدد الراحلين ربع مليون. وليس هناك ما يفتح بوابات الأمل بقرب انفراج المعضلة.
 
كشف الوباء، عن ظاهرة اللامبالاة من قبل المجتمع الدولي، وهي ظاهرة خطيرة حقا. فهذا المجتمع الذي يتبارى في مناقشة قضايا أخرى، كالاحتباس الحراري، والعولمة والجات، لم يحرك ما يستحق التسجيل هنا، سواء من قبل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، أو المؤسسات الأخرى، الناظمة للعلاقات الدولية. بل إن عدوى اللامبالاة تسللت إلى المؤسسات الإقليمية. مع أن الوباء، لم يعد محصورا على بلد بعينه. بل غدا شأنا دوليا، ماثلا في كل لحظة، يكاد الأمر الوحيد الذي يشغل بال البشرية، في هذا المنعطف من التاريخ.
 
وبالمثل، يرصد عدم التنسيق الكافي، بين المؤسسات العلمية، ذات التخصص بنشأة الفيروسات وسبل القضاء عليها. هذه اللامبالاة أمر غريب، حين نستحضر اجتماعات مجلس الأمن، لمجرد وجود فرية بامتلاك دولة من بلدان العالم الثالث، لأسلحة كيمياوية، أو ما يطلق عليه بأسلحة الدمار الشامل، بل ان دول الهيمنة لا تتورع عن التعرض بالعدوان على هذه الدول، تحت ذريعة امتلاكها للأسلحة المحرمة. فتحت أي تبرير، يمكن اقناع شعوب العالم، بأسباب اللامبالاة باستفحال الوباء، وهو يطرق بقوة بلدان العالم الصناعي المتقدم، في عقر داره وفي أهم مواقعه الاقتصادية والمالية.
 
نحن في الواقع، أمام عودة شريعة الغاب، وتوحش غير مسبوق، منذ بدأت البشرية في صياغة المبادئ العالمية، للحق في الحياة والحرية والعيش الكريم. لقد تبين عجز المؤسسات الدولية والإقليمية، في مواجهة هذا الوباء، وعادت النعرات القومية، في دول تعلن أنها تجاوزتها منذ عدة عقود. وتبين أن مؤسسات كالاتحاد الأوروبي، والناتو، بل والأمم المتحدة هي أوهن في هذه الأزمة من خيوط العنكبوت.
 
الخطر الماحق، الذي يفتك بأرواح البشر هذه الأيام، لا يصيب الصحة فقط، بل يقتل الروح، وينشر الخوف والرعب، في كل زوايا الكرة الأرضية. وهو إن استمر من غير مواجهة حقيقية وفعالة، سيعيدنا في السلوك إلى العصر الحجري، وربما إلى ما قبله. هذا التقرير ليس تشاؤما، بل يؤكده سلوك الدول تجاه بعضها، وتجاه حلفاء ما قبل الوباء.
 
هناك حالة غير مسبوقة من الخوف، لدى البشر، مصدرها أن أحدا لا يعلم بالدقة، متى سنكون قادرين على هزيمة الوباء. وهناك أيضا الخوف على المستقبل، الذي لا تشي مؤشراته أنه سيكون واعدا. فالبشرية لا تزال تتذكر أزمة الكساد الاقتصادي عام ١٩٢٨، وكيف قادت إلى حرب عالمية ثانية، كلفت سبعين مليون قتيل، ودمارا هائلا في ربوع المعمورة وتشوهات اجتماعية، وتحولات سياسية كبرى.
 
وفي الزمن القريب، عام ٢٠٠٨ مع أزمة الرهن العقاري، وبسبب عجز مليونين ومائتي ألف من المقترضين عن السداد، في اغلاق مئات البنوك بالولايات المتحدة، ولتتحول الأزمة الاقتصادية الأمريكية، إلى أزمة عالمية، تسببت في انهيار أسواق المال، وطرد ملايين العاملين من وظائفهم. ومن نافلة القول، أن الأزمة الحالية، هي أعمق وأخطر بكثير من سابقاتها، وستلقي ظلالها كئيبة على العالم بأسره لعدة عقود، ما لم يتسارع قادة الدول، والفكر وصناع القرار، إلى العمل الجدي للتخفيف من مخلفات الأزمة.
 
ليس الهدف من هذا الحديث نشر الخوف والذعر، فقد باتا أمرا معاشا، ولكن التحريض على فتح بوابات الأمل. وذلك يحتاج إلى المبادأة، وبحس إنساني عال، في تناول تبعات الأزمة، حاضرها ومستقبلها. بدأ من محاصرة الوباء، وسبل القضاء عليه، إلى معالجة تبعاته المدمرة للأمل في مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
 
البشرية جميعا الآن في قارب واحد، وفي مواجهة طوفان ماحق، فإما أن تتضافر جهودنا جميعا لإنقاذ البشرية، كل من موقعه أو سيجرفنا هذا الطوفان. نحن بين خيارين لا ثالث لهما، إما الاستسلام، أو العمل، وفتح بوابات الأمل، ولا خيار أخر.