Menu
حضارة

الدائرة العربية في البالماح

مستعربون في بيروت: عملية الفجر

أحمد مصطفى جابر

نشر هذا المقال في العدد 13 من مجلة الهدف الرقمية

بدأ ظهور وحدات المستعربين "بالعبرية مستعرفيم: מסתערבים" منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وفي البداية نشأ المصطلح من "التدخل הסתערבות" وهو مصدر مستمد من المعنى العربي "التدخل"،  والذي يعبر عن موقف يعيش فيه غير العرب ويتصرفون كعرب في كل شيء.

والمستعرب (المتدخل) يجب أن يكون ذو مظهر شرقي، ويتم اختياره للقيام بهذه المهمة والمطلوب منه أن يقيم لفترة طويلة في بيئة عربية، فهو مجهز بغطاء مناسب – المهنة وتاريخ الحياة - ومطلوب أن يظهر كعربي في الثوب والسلوك والإقامة والعمل واللهو، ويتبنى ممارسات العرب في شرب القهوة، والطعام، والسكن، والاستيقاظ، والانفصال - حول الطقوس والسلوكيات المصاحبة لها –، وهو في هذا كممثل يؤدي دوره على المسرح، لكن لمدة 24 ساعة في اليوم، وقد أشارت الدراسات إن هذا كان يشكل خطرًا عقليًا على المستعربين ومعاناة عصبية، وأحيانا إلى حد الجنون، دون أن نعثر على مثل هذه الحالات في أرشيف البالماح، المصدر الأساسي لتنظيم المستعربين.

عمل أعضاء هذه الوحدات ضمن عصابات صهيونية، وقد كُتب الكثير عن وحدات المستعربين الصهاينة، وتكاد أسماؤها تكون معروفة لدى كل فلسطيني في الأراضي المحتلة، وأكثر من ذلك، كُتب عن تاريخ هذه الوحدات منذ تأسيس الدولة الصهيونية، وعلى مراحل، كشف جهاز الشاباك الصهيوني، عن نشاطات هذه الوحدات وأعمالها فترة الخمسينيات في القرى والبلدات العربية إبان الحكم العسكري الذي فرضته دولة "إسرائيل" الناشئة على الفلسطينيين الذين بقوا في ديارهم إثر النكبة.

رغم ذلك، فإن الأعمال العربية الأصلية حول هذا الموضوع تكاد تكون نادرة، وتعتمد أساسًا على الأرشيفات الصهيونية والتسريبات التي تنتج عن وقوع فضائح أحيانًا، كما قصة أولاد المستعربين في الخمسينيات والجدل الذي دار حول تهويدهم من عدمه؛ كونهم ولدوا لأمهات فلسطينيات مسلمات. والمقالات والدراسات جميعها تقريبًا تناولت فترة ما بعد تأسيس الكيان الصهيوني، ونحن نعلم أن الجهد التجسسي والتخريبي الصهيوني يمتد عميقًا في تاريخ الاستيطان والييشوف اليهودي في فلسطين المحتلة في العهد الانتدابي.

فقد أدركت المنظمات الصهيونية المختلفة أهمية الدور الذي يمكن أن يناط بعملاء لهم خصوصية مهمة في عمليات التخريب والتجسس، ونعني بالخصوصية إمكانية اندماجهم بسهولة في المحيط المستهدف، وبالتالي من المعروف أنه في البداية كان الاعتماد الأساسي على اليهود الشرقيين المستقدمين من الدول العربية، كونهم يتمتعون بملامح عربية، ويتقنون اللغة العربية وخبراء في البيئة والمجتمعات العربية. وقد اتبعت هذه الأساليب لدى منظمات الحركة الصهيونية "هاغاناة" و"إيتسل" و"ليحي"، وأرسلت جواسيسها المستعربين إلى عواصم عربية ومدن عديدة، وساهموا استخباريًا وتخريبيًا، ومن المعروف ربما دورهم البارز في عمليات استجلاب اليهود من العراق و سوريا ولبنان أيضًا، وغيرها.

كان هناك لدى العدو الصهيوني العديد من وحدات التدخل الخفي منها ما هو معروف ومنها ما لا يعرف ربما، على سبيل المثال، هناك وحدة "سيرت ريمون" التي أنشأها أرييل شارون في قطاع غزة، وكان استنساخًا للوحدة 101 التي قادها سابقًا، وعملت "ريمون" بشكل متقطع بين عام 1970 و2005، وأيضًا "وحدة شكيد" المستندة إلى جنود من البدو، لذلك ربما لا يكون دقيقًا وصفها بأنها وحدة مستعربين، فقد تأسست في البداية لمنع تسلل المقاومين والعمليات الانتقامية من ناحية سيناء والأردن، لذلك قررت القيادة الجنوبية إقامة وحدة شكيد التي كانت تحت قيادة تسفيكا عوفر (حل محله بعد عدة شهور ديفيد بن حور)، لكن يعد المؤسس الروحي لوحدة شكيد: "عاموس يركوني"، وهو نفسه عبد المجيد خضر عبد الله المزاريب من قرية بيت زرزير الذي تجند في الجيش الصهيوني عام 1948، بعد علاقات وطيدة للغاية مع عناصر منظمة "الهاغاناه" في كيبوتس نهلال ومع موشيه دايان.

هناك أيضًا "دوفدوفان - الكرز" التي خرجت من رحم "ريمون" متبعة تقاليدها، وعملت في الضفة الغربية،  رغم مشاركتها في العدوان على غزة، وتأسست عام 1986 على يد إيهود باراك، وكانت تحت قيادة شعبة (يهودا والسامرة)، ولكن بدءًا من 2015 أصبحت جزءًا من لواء "عوز" الذي دمج الوحدات الخاصة. ونضيف أيضًا وحدة "شمشون" التي تأسست عام 1988، وكذلك "اليمام" وهي وحدة من حرس الحدود وإن كانت في الأساس وحدة استيلاء وهجوم عسكرية خاصة؛ إلا أنها تحوي قسمًا للمستعربين.

الدائرة العربية في البالماح (الفجر)

رسميًا، تفيد الأرشيفات الصهيونية، أن أول وحدة للمستعربين أسستها منظمة "البالماح" [ اختصار بالعبرية لـ (بلوغوت ماحتس) (سرايا التحطيم)] وحملت اسم "الدائرة العربية"، وقامت بعملياتها في الداخل الفلسطيني، وكذلك في الدول العربية المجاورة بين عامي (1943-1950)، قبل أن يجري حلها لأسباب تتعلق بانتهاء مهامها من جهة في حينه، وإقامة الكيان لتشكيلات تجسس رسمية جديدة، حيث تفيد السجلات أنها أصبحت عام 1948 كوحدة ضمن فيلق الاستخبارات في الجيش الرسمي تحت اسم M18  وتم تفكيكها عام 1950، ويشار إلى أنها آخر وحدة بالماح تم تفكيكها وانضم العديد من أفرادها إلى أجهزة المخابرات الرسمية "بعد تأسيس الدولة".

وكان أول من عمل على تأسيس هذه الدائرة هو يروحام كوهين صاحب كتاب "في وضح النهار وظلام الليل"، الصادر في تل أبيب عام 1969، وهو الضابط الذي كان فيما بعد قد تفاوض مع جمال عبد الناصر أثناء حصاره في الفلوجة، ولا شك أن ما قاله حول هذه المفاوضات يحمل الكثير من الذاتية اليهودية المعتادة، وأسيء تفسيره عمدًا من خصوم عبد الناصر، خصوصًا أن ما يتم تداوله هو ما يزعمه كوهين نفسه عن اللقاء، ولكن هذا ليس موضوعنا هنا. كان يروحام كوهين هذا من أسرة يمنية يهودية، متقنًا للغة العربية، وذا خبرة عسكرية ثرية في عمليات البالماح، والأهم إنه كان يتقن اللهجة الفلسطينية، وربما هذا ما جعله مفاوض الجانب الصهيوني مع عبد الناصر منتدبًا من يجال آلون.

بالعودة إلى المستعربين، فقد كان يروحام كوهين رئيس الدائرة السورية في البالماح، وقد شكل وحدته عام 1943من يهود شرقيين عرب، جعلهم ينتحلون صفات مختلفة، تسمح بأن يعيشوا مددًا طويلة في البلدان العربية دون أن يتم كشفهم، وجاء التأسيس بعد حل الدائرة السورية إثر توقف التعاون مع بريطانيا في ذلك الحين.

يعتبر يغئال ألون، الذي كان قائدًا للقسم السوري ولاحقًا قائد البلماح، مبتكرًا لمفهوم "التدخل" ومسؤولًا عن تطويره في هذا القسم، بينما كان "الدليل المهني" للدائرة، والذي كان مسؤولاً عن توجيه العملاء، وإرسالهم إلى النشاط واستجوابهم عند عودتهم، هو شمعون سوميخ (سمان)، الذي كانت مساهمته حاسمة في تصميم وصياغة وإنجاز القسم، وقد سقط ستة من أعضاء "إدارة الفجر" أثناء نشاطهم الخارجي، ومكان دفن بعضهم غير معروف حتى يومنا هذا.
كانت إدارة الفجر تابعة عضويًا للسرية 7 والكتيبة الرابعة، ولكن في الواقع كان عناصرها تابعين للبالماح  مباشرة، وتم تنسيق أنشطة الدائرة والموافقة عليها، وأحيانًا بإحكام وبشكل فضفاض في بعض الأحيان، مع (خدمة أخبار الهاغاناه) والشعبة العربية من الإدارة السياسية في الوكالة اليهودية  .
من المؤسف أنه لا يوجد معلومات إضافية حول هذا التاريخ، وتفاصيل تأسيس هذه الوحدة، وهويات شخوصها، ولكن، كما ذكرنا تطالعنا الصحافة الصهيونية بين حين وآخر بمزيد من النبش في الأرشيفات لتظهر المزيد من القصص التي تضيء على تلك الأنشطة وتكشف جانبًا من أسرارها؛ من ضمن هذه الكشوف، ما نشره موقع مكور ريشون الصهيوني اليميني، حول "عملية الفجر" ومهمة عدد من عملاء وحدة المستعربين الذين اندسوا بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، بل وخاضوا طريق اللجوء معهم.

تعود هذه القصة إلى الحياة عبر كتاب صهيوني اسمه "سري - أسطورة إسرائيلية" ؛ "يتتبع تاريخ القسم العربي" في البالماح، ومؤلف الكتاب الذي يتتبع هذا الموضوع هو ماتي فريدمان الصحفي الذي يكتب في وول ستريت جورنال ونيويورك تايمز وواشنطن بوست.

ويقول مؤلف الكتاب أن الأهمية التاريخية لعمله تكمن في ما اتضح أنه: ماضي أحد أجهزة الاستخبارات الأكثر رعبًا في العالم، "بداية متواضعة للتقليد الطويل والخصيب"، على حد تعبير المؤرخين بيني موريس وإيان بلاك: "رابط مباشر بين البدايات الصغيرة والهواة لعمل المخابرات البحرية، والجهود الأكثر شمولاً، والمهنيّة التي بذلت بعد عام 1948".

يركز فريدمان في كتابه على فترة حرجة للكيان الصهيوني استمرت 20 شهرًا من كانون ثاني/يناير 1948- آب/أغسطس 1949، وتدور أحداثها بين مدينتين تبعدان عن بعضهما البعض 130 كيلو مترًا، هما حيفا الفلسطينية وبيروت اللبنانية.

في كتابه، الذي يركز على أربع شخصيات من حوالي 25 عميلاً عملوا للدائرة العربية على مر السنين، اعتمد فريدمان على المقابلات مع اسحق شوشان (الوحيد من المجموعة الباقي على قيد الحياة) وآخرين وعلى ملفات من أرشيف جيش العدو الصهيوني، بما في ذلك الملفات التي ألغي تصنيفها السري لأول مرة بناء على طلب الكاتب؛ ووثائق من محفوظات تاريخ الدفاع وحركة الكيبوتس، وشهادات مسجلة لم ينشرها أشخاص حضروا الأحداث ولكن ماتوا سابقًا، ومقالتان تاريخيتان شهدتا عملية الفجر وموضوع "الدائرة العربية": غلاف بالماح السري، من قبل المؤرخ زفيكا درور، تم نشره في عام 1986 من قبل وزارة الحرب وهو تاريخ رسمي أكثر، والثانية القصة التاريخية للقسم العربي في البالماح وكتبت من قبل الجاسوس جمال كوهين، في نهاية حياته، ونشرت في عام 2001.

كحال جميع اليهود الشرقيين في حينه، عاش مرشحوا الدائرة العربية في البالماح على هامش المجتمع الذي سعت الصهيونية لبنائه، مجتمع يحتفي بالاشكناز الأوربيين ويهمل ويحتقر الشرقيين، بل والنظر إليهم أحيانًا كجزء منشق عن مجتمع العدو، أي المجتمع العربي، وتلك طبعًا قصة طويلة، ولكن الصهيونية لم تعدم طريقة لاستخدامهم، كفائض بشري يعوض العدد لدى الأشكناز، من إسكانهم في القرى العربية الحدودية المهجرة لملء الفراغ، وصولاً إلى تجنيدهم في أعمال التجسس، وهكذا، وصل ممثل البالماح إلى هؤلاء الأشخاص ليعرض عليهم إخراجهم مما هم فيه من عوز ومهانة، ليصبحوا سلاحًا لـ"إسرائيل"، وتلك قصة طالما رأيناها.

كان من هؤلاء حبقوق كوهين وشقيقه جملئيل [توفي عام 2002 و كان أحد كبار عملاء الموساد وعمل في دول عربية وفي أوروبا، وهو مؤلف كتاب "السرية الأولى - قصة الشعبة العربية في بالماح". واسحاق شوشان، ولا نعرف الكثير بعد عن أصلهما وفصلهما، سوى أن اسحاق جاء عام 1942 إلى حيفا وهو مراهق قادمًا من حلب شمال سورية، بينما ولد حبقوق وشقيقه في اليمن، ونشأ الرابع يعقوب كوهين في أزقة القدس ، والتقوا في القسم العربي من البلماخ، حيث أصبحوا عبد الكريم ويوسف وإبراهيم وجميل، وكانوا أول من يتخفى، ورحلوا إلى لبنان في حافلات منفصلة للاجئين محاولين تبرير نزوحهم في حافلة مليئة بالرجال المسنين والنساء والأطفال، وليس الشباب الفلسطينيين الذين بقوا للقتال في حيفا في أغلبهم كما هو معروف، كان هؤلاء اللاجئين فارين من حيفا التي سقطت بيد الهاغاناة؛ المهم أنهم وجدوا مبررًا للجنود اللبنانيين يبرر تخليهم عن باقي الشباب الذين بقوا للقتال منضمين إلى المقاومة الفلسطينية ولجيش الإنقاذ، حتى وصلوا إلى بيروت.

يشير التقرير أن هؤلاء الجواسيس انقطعوا عن الأخبار بسبب عدم وجود وسيلة اتصال معهم وظنوا لفترة من الوقت أن فلسطين وقعت كلها بيد العرب، دون أن يعلموا بأن دولة الكيان قد أُنشئت بالفعل، وبعد الحصول على معدات الاتصال، اكتشفوا أن "دولة إسرائيل" كانت على قيد الحياة وأن وضعها جيد في الحرب، وتم إخفاء هوائي الجهاز كمنشأة غسيل على السطح، في مبنى في قلب بيروت، وتم وضع البنية التحتية الأولية لأنشطة المؤسسة التجسسية المستقبلية. ويقول فريدمان في كتابه: إن هؤلاء الأشخاص تم تجاهلهم عندما فقدوا شروط إقامتهم في لبنان عام 1950، ولم يحتفل بهم أحد لأنهم لم يناسبوا أسطورة البالماح بمحتواها الأشكنازي، حيث أن "دولة إسرائيل" تريد أن تكون أوروبية، وتدور القصة الصهيونية حول هرتزل في فيينا، المحرقة، الاشتراكية، الكيبوتز، وفي مثل هذه القصة لا وجود ليهود من حلب أو اليمن أو بغداد أو دمشق؛ فالصهيوني كما نعلم لا يتحدث العربية، بل اليديشية، مع الإنكليزية أو الألمانية والفرنسية ولغات أوربية حتمًا، واليهود العرب لا يرتبطون ارتباطًا وثيقًا بالرواية الصهيونية.

طبعًا، يسعى الكتاب في جانب منه لإظهار مظلومية اليهود الشرقيين في الدولة الصهيونية، وكيف تم إهمالهم، بينما كما يلاحظ؛ سعوا لكي يكونوا "يهودًا جيدين" وفعلوا ما بوسعهم ليقاربوا الأسطورة الاشكنازية.

رغم إننا نعلم أن الوحدة "الدائرة العربية" تأسست رسميًا من قبل البالماح عام 1943، يشير المؤلف إلى أن الوحدة بدأت فعليًا عام 1941، في خضم الحرب العالمية الثانية، بعد أن غزا الألمان فرنسا، حيث كان يخشى أن يأتوا إلى "إسرائيل" من الشمال، حيث أصبحت سوريا ولبنان حينها تحت سيطرة حكومة فيشي الموالية للنازية، وأدرك البريطانيون، الذين كانوا يحاولون يائسين تجنيد جواسيس للعمل عبر خطوط العدو، أن اللغة في فلسطين تتركز على عدد قليل جدًا من الأشخاص الذين يمكن أن يشبهوا شعوبًا مختلفة: في الكيبوتز كانوا بولنديين، مجريين، أرجنتينيين والمزيد.

من أجل سد الثغرة، وتحسبًا للاجتياح الألماني كان هناك "الدائرة الألمانية" التي تهدف إلى اتخاذ إجراءات في حالة سقوط البلاد بيد النازيين. في عام 1943، كَلّفَ يغال ألون يروحام كوهين، أحد أعضاء الإدارة، بإنشاء "قسم عربي" في البالماح لجمع المعلومات الاستخبارية. كان القصد من الوكلاء الجدد استبدال المخبرين العرب الذين عملوا من أجل المال، وتنقل كوهين في جميع أنحاء البلاد بحثًا عن مرشحين مناسبين؛ أعضاء من الطوائف الشرقية عازمين على إثبات أنفسهم للبالماح الأشكنازي، في الغالب، وكانوا يفتقرون إلى الحد الأدنى من التأهيل المناسب، حيث عكف على تدريبهم شمعون سومخ- الذي أصبح على مر السنين جاسوسًا، وعَلّمَ إيلي كوهين أيضًا أسرار مهنته - كان دليلهم إلى الثقافة العربية والإسلامية، وعلّمهم مدرب آخر كيفية تفكيك وتجميع الأسلحة، ولقنهم مدرب ثالث مبادئ التخريب. ويشير الكاتب أن الميزانية كانت شبه معدومة وكانوا مدفوعين ببدلاً من المال بإثبات صلاحيتهم اليهودية. ويكمل: "بدأت الإدارة العمل دون الحاجة إلى كاميرا، وعندما أُرسلوا لإطلاق النار على مواقع عسكرية في سوريا، اقترضوا من شخص لديه كاميرا Minox باهظة الثمن. قال لهم القادة، مازحين، ولكن بجدية: ليس سيئًا إذا لم تعد من العملية، ولكن يجب أن تعود الكاميرا"، وكان سامخ (الشرقي) هو العقل المدبر للقسم، ولكن فوقه كان هناك اشكنازي كما هو الحال دومًا.

في المرحلة الأولى، تم إرسال العملاء السريين إلى مدن مختلطة في فلسطين، وبشكل رئيسي إلى حيفا، كمدينة ميناء تجذب مواطنين من دول مختلفة، كان من السهل لعب لعبة تبادل الهوية والانتقال من جانب إلى آخر. يتذكر فريدمان قائلاً: "نحن نتحدث عن حقبة ما قبل الدولة وفي تلك المرحلة، لم يكن من الواضح من سيحكم المدينة عندما يغادر البريطانيون، وتحدثت القيادة اليهودية عن الأهمية الكبيرة لحيفا: فبدونها نحن كانتون، ومعها نحن دولة لديها ميناء للعالم الخارجي".

ويروي الكاتب قصة إحدى العمليات في 28 شباط/ فبراير 1948، حيث تم إرسال يعقوب كوهين وإسحاق شوشان إلى حيفا، متنكرين في زي عمال التحميل في الميناء، حيث ورد للبالماح أن سيارة موجودة في شارع الناصرة معدة للتفجير في هدار الكرمل، تم إرسال يعقوب كوهين وإسحاق شوشان للتجول في الحارة التحتا ومرا عن عمد عبر نقاط التفتيش العربية عدة مرات، حتى يعرفهما الحراس، واكتشفا أخيرًا أن السيارة المفخخة كانت في مرآب أبو شام متنكرة في سيارة الصليب الأحمر؛ دخل جاكوبا كوهين المرآب بسيارة محطمة  مفخخة، وقدم نفسه كعربي من نابلس وطالب بإصلاح سيارته، رفض الحاضرون وطلبوا منه انتظار المدير بدأ المستعرب يصرخ: "كيف تجرؤ على التحدث هكذا لمقاتل عربي جاء من نابلس؟ سوف أتأكد من محاسبتك !"عندما رأى عدم انتباه من الميكانيكيين قام بتفعيل آلية التفجير المؤقت وغادر إلى سيارة إسحاق التي كانت تنتظر في الخارج، بعد وقت قصير من الابتعاد، انفجرت السيارة التي تركوها في المرآب، تلتها السيارة التي كانت معدة للتفجير، وقُتل حوالي ثلاثين شخصًا وأصيب سبعون آخرون.

عملية أخرى أقل نجاحًا، كانت محاولة اغتيال أحد القادة العرب في حيفا، العلامة المجاهد محمد نمر الخطيب، وهو عالم من قادة الإخوان المسلمين في فلسطين وكان من أتباع المفتي أمين الحسيني، وأسس جمعية الاعتصام، ومؤلف كتاب "من أثر النكبة"، وكانت محاولة اغتياله في 19 فبراير عام 1948، ضِمن ما أسماه العدو الصهيوني عملية زرزير، حيث نصب له كمين من عربتين للبالماح، وتم إطلاق 32 رصاصة على سيارته (يزعم البالماح أنه تم إطلاق مئات الرصاصات) شَمال حيفا، وذلك أثناء عودتُه مِن دمشق مُحملاً بالأسلحة، وَأُصيب بإحدى الرصاصات في رِئَته وَثلاثة في كتفه الأيسر، مما أدى لبقائه خارج فلسطين طَوال فَترة الحرب، وَأسفرَ ذلكَ الهجوم عن مَقتل أحد الرُكاب وَإصابة آخر، وقد توفي الشيخ الخطيب عام 2010.

بعد احتلال حيفا وجدت البالماح الفرصة مواتية لإرسال العملاء إلى لبنان "كلاجئين" وتشغيلهم عن بعد، هكذا قطع العملاء شوطًا طويلاً إلى بيروت، وعاشوا هناك لمدة عامين تحت قصص التغطية وحاولوا على وجه الخصوص استخراج المعلومات من الأفراد العسكريين والحكوميين، وتم نقل كل معلومة مهمة إلى المستويات العسكرية والسياسية في الكيان، من بين أمور أرسلوا خريطة لأهداف محتملة في لبنان، وتشمل أفعالهم إعداد خطة لاغتيال رئيس الوزراء اللبناني رياض الصلح، الذي كان يعتبر متطرفًا للغاية في موقفه من" دولة إسرائيل".

كانت أبرز عمليات المجموعة تفجير سفينة اغريس، وهي سفينة عسكرية ألمانية كانت تُلقب بـ "يخت هتلر"، وكانت تستخدم من قبل الزعيم النازي وبعض زملائه في الرحلات البحرية، خلال الحرب العالمية الثانية، خدمت السفينة في البحرية الألمانية، وبعد ذلك تم إخراجها من المعدات العسكرية وبيعها إلى كيان خاص أرسلها إلى الشرق الأوسط، في أيلول/سبتمبر 1948، حيث قلق الصهاينة من أن يتم تجديدها واستخدامها ونقلها إلى الجيش المصري، مما حدا بمراقبتها من العملاء في بيروت وكلف إيلا ريكا بمهمة تخريب السفينة بمساعدة ألغام مغناطيسية مفخخة، وارتحل مع مجموعة صغيرة بسفينة من حيفا وغادروها قبالة شاطئ بيروت، حيث كانت بانتظارهم مجموعة المستعربين المتخفية، وتم ربط لغمين مغناطيسيين بالسفينة اغريس لينفجرا بعد أسبوعين ونصف فقط، تحديدًا في 17 أيلول/ ديسمبر، وكان الضرر الذي لحق بها كبيرًا، وتم بيعها كخردة. فيما بعد قبض على اثنين من المستعربين، هما عزرا وداود، ولم نتوصل إلى هويتهما الكاملة، ويقال بحسب إحدى التقارير أنهما تم شنقهما، ولكن لم نتوصل إلى ما حدث لهما.

حول تفكيك الوحدة العربية، لا يوجد الكثير من المعلومات، مع العلم أن البالماح نفسها تم حلها عام 1948، واستمرت الإدارة العربية في العمل باسم مختلف حتى عام 1950، ولكن عندما تم تنظيم الاستخبارات العسكرية، وجد أن تدريب الوحدة لم يكن جيدًا، وأن عملاء بيروت لم يكونوا قادرين على الاقتراب من الهيئات الحاكمة في لبنان، ولم يكن لديهم مصادر عميقة، واستأجروا كشكًا في بيروت ومن هناك جلبوا معلوماتهم: "الدولة بحاجة إلى أفراد استخبارات محترفين".