على مدار الساعة
أخبار » آراء

ناجـــي العلـــي

30 آذار / أغسطس 2015

سيظــل حنظلــة فــي العاشــرة حتــى يعــود إلــى الوطـــن!
عندما جلست وتهيأت لأبدأ الكتابة عن ناجي العلي، غمرتني موجة من مشاعر الرهبة والشجن والحنين، فناجي بالنسبة لي يقيم هناك قريبا من القلب والروح، في زاوية صغيرة مخصصة لكل ما هو مقدس، وعادة ما يكون المقدس هو أكثر الأشخاص والأشياء بساطة وقربا...

زيارة ناجي في هذا الوقت ومحاورته، أو الجلوس بصمت في حضرته يأخذ معنى الكشف، وجدتني أقف أمامه حائرا مرتبكا وصامتا، كنت أخشى أن يدير"حنظلة" ظهره لي، لكن الفتى الفلسطيني المشاكس إلى درجة المستحيل كان يضج بالحياة والرهافة والقدرة عل العتاب والمسامحة في آن...

قلت: أريد أن أكتب عنك!

تخيلته يسرح بنظره بعيدا، وساد الصمت إلاّ من حفيف أجنحة الفراشات وكأنها آتية من أشجار الصبار المنسية حول دروب قرية الشجرة.

غسلني بنظرة شاملة وقال: دعني أهوّن عليك، سأقدم نفسي كما أرغب، باللونين الأبيض والأسود، فأنا أعرفكم أيها الكتاب، فأنتم تميلون إلى الألوان المبهرجة، إلى الدرجة التي لا يعود الإنسان قادرا معها على التمييز بين التخوم والحدود... وبعدها سأترك لك المجال لتضيف ما تشاء...

وبدأ ناجي العلي الحديث عن نفسه:

"اسمي ناجي العلي، ولدت حيث ولد المسيح، بين طبرية والناصرة، في قرية الشجرة بالجليل (عام 1936)، أخرجوني من هناك بعد عشر سنوات، في 1948 إلى مخيم عين الحلوة في لبنان.. أذكر هذه السنوات العشر أكثر مما أذكره من بقية عمري، أعرف العشب والحجر والظل والنور، لا تزال ثابتة في محجر العين كأنها حفرت حفرا، لم يخرجها كل ما رأيته بعد ذلك.

أرسم.. لا أكتب أحجية، لا أحرق البخور، ولكنني أرسم، وإذا قيل أن ريشتي مبضع جراح، أكون حققت ما حلمت طويلا بتحقيقه... كما أنني لست مهرجا، ولست شاعر قبيلة- أي قبيلة- إنني أطرد عن قلبي مهمة لا تلبث دائما أن تعود... ثقيلة... ولكنها تكفي لتمنحني مبررا لأن أحيا.

متهم بالإنحياز، وهي تهمة لا أنفيها... أنا لست محايدا، أنا منحاز لمن هم "تحت"... الذين يرزحون تحت نير الأكاذيب وأطنان التضليلات وصخور القهر والنهب وأحجار السجون والمعتقلات، أنا منحاز لمن ينامون في مصر بين قبور الموتى، ولمن يخرجون من حواري الخرطوم ليمزقوا بأيديهم سلاسلهم، ولمن يقضون لياليهم في لبنان شحذا للسلاح الذي سيستخرجون به شمس الصباح القادم من مخبئها، ولمن يقرأون كتاب الوطن في المخيمات.

كنت صبيا حين وصلنا زائغي الأعين، حفاة الأقدام، إلى عين الحلوة، كنت صبيا وسمعت الكبار يتحدثون.. الدول العربية... الإنجليز... المؤامرة.. كما سمعت في ليالي المخيم المظلمة شهقات بكاء مكتوم، ورأيت من دنت لحظته يموت وهو ينطلق إلى الأفق في اتجاه الوطن المسروق، ألتقط الحزن بعيون أهلي، وشعرت برغبة جارفة في أن أرسمه خطوطا عميقة على جدران المخيم.. حيثما وجدت مساحة شاغرة.. حفرا أو بالطباشير..

وظللت أرسم على جدران المخيم ما بقي عالقا بذاكرتي عن الوطن، وما كنت أراه محبوسا في العيون، ثم انتقلت رسوماتي إلى جدران سجون ثكنات الجيش اللبناني، حيث كنت أقضي في ضيافتها فترات دورية إجبارية.. ثم إلى الأوراق..

إلى أن جاء غسان كنفاني ذات يوم إلى المخيم وشاهد رسوما لي، فأخذها ونشرها في مجلة" الحرية" وجاء أصدقائي بعد ذلك حاملين نسخا من " الحرية" وفيها رسوماتي.. شجعني هذا كثيرا..

... أريد أن أؤذن في آذان الناس وأقول لهم أين قضيتهم، وإلى أين وصلت؟ أريد أن أرسم للناس البسطاء الذين يفكّون الحرف والذين لا يقرأون ولا يكتبون.."

أنهى ناجي حديثه وصمت قليلا.. ثم حدق في عيني مباشرة كما ينظر أي إنسان صادق مستقيم وشجاع وقال مبتسما: الآن سأترك لك الفرصة  لتكتب ما تريد بعد أن حددت معالم السير... وسأتدخل عندما أجد ذلك ضروريا...

هذا هو ناجي سليم حسين العلي... تذكروا هذا الإسم جيدا... إنه الفنان الفلسطيني الذي نجح بامتياز في صياغة الوعي والذاكرة الفلسطينية.. لقد أعاد صياغة مضمونها، كما أسّس جمالياتها الهائلة...

ذلك الفتى الفلسطيني ذو الشعر الأجعد والقامة الشامخة، الفتى الذي أدار ظهره للعالم بعد أن أحسّ بأن العالم مغمور بالكذب والنفاق، العالم الذي وقف مكتوف الأيدي يتفرج على عصابات الموت وهي تقتلع طفلا فلسطينيا لم يتجاوز العاشرة من عمره وتلقي به على دروب البؤس والتشرد والضياع... يغوص في أوحال المخيم شتاء، وفي غباره وقيظه صيفا...

كان لسان حاله: هذا عالم ليس لنا!

ومن رماد المأساة والنكبة... نفض الغبار عن رموشه وامتشق طبشورته وراح يخربش عواطفه، عواطف شعب بكامله، بل عواطف الإنسانية كلها...

لم يكن بحاجة لأي لون، فالمأساة كانت هائلة ومروّعة إلى الدرجة التي لم تكن تحتاج معها إلى أي لون... فقط الأسود والابيض...

كان ذلك بمثابة ولادة الوعي الذي لا يساوم على البديهات... فالمعادلة بسيطة وحارقة: أن تكون حرا أو لا تكون، أن تكون إنسانا أو لا تكون، أن تكون مع فلسطين أو لا تكون.. لم يكن يقبل بثلاثة أرباع الحلول، أو أنصافها أو أرباعها...

وكيف يمكن أن يقبل، وهو الفتى الذي فقد طفولته، أشجاره، أعشاش عصافيره، شجره الصنوبر الخاصة به، شجرة اللوز، شجرة التين... وموطئ قدمه الأول، والأفق الذي تفتحت عيناه عليه لأول مرّة... كيف يساوم، وهل بقي ما يساوم عليه سوى ذاته، كرامته، ذاكرته، واسمه...؟  ولهذا كان يصرّ:

" اسمي ناجي العلي من قرية الشجرة" إنه بهذا يعيد بناء الأشياء والعلاقات..

ولأنه انسحق إلى هذا المستوى... فقد حدّد مواقعه منذ اللحظة الأولى:

"أنا لست حياديا، أنا مع الـ "تحت"، مع اؤلئك الفقراء البسطاء الذين يكونون دائما عند خط الواجب الأول، أولئك الذين يسكنون  تحت سقف الفقر الواطي ولكنهم يقفون  عند خط  المعركة العالي..

كان الخيار صارما وواضحا حتى النهاية، فكانت ولادة حنظلة ولادة طبيعية في زمن الحروب القيصرية، يقول: "ولد حنظلة في العاشرة من عمره وسيظل دائما في العاشرة، ففي ذلك السن غادرت الوطن وحين يعود حنظلة سيكون بعد في العاشرة ثم سيأخذ في الكبر بعد ذلك... قوانين الطبيعة المعروفة لا تطبق عليه، إنه استثناء... لأن فقدان الوطن استثناء وستصبح الأمور طبيعية حين يعود إلى الوطن... قدمته للقراء وأسميته حنظلة كرمز للمرارة في البداية.. قدمته كطفل فلسطيني لكنه مع تطور وعيه أصبح له أفق كوني وإنساني. أما عن سبب إدارة ظهره للقراء، فتلك قصة تروى، في المراحل الأولى رسمته ملتقيا وجها لوجه مع الناس وكان يحمل الكلاشينكوف وكان أيضا دائم الحركة وفاعلا وله دور حقيقي.. يناقش باللغة العربية والإنجليزية بل أكثر من ذلك، فقد كان يلعب الكراتيه.. يغنّي الزجل ويصرخ ويؤذن ويهمس ويبشر بالثورة...

إن شخصية حنظلة كانت بمثابة أيقونة روحي من السقوط كلما شعرت بشئ من التكاسل، إنه كالبوصلة بالنسبة لي وهذه البوصلة تشير دائما إلى فلسطين".

يا الله يا ناجي العلي، كم كنت نبيا... وكنت ضميرا.. ولهذا لم يكن أمرا غير عادي، أن يبدأ قراء جريدة السفير بقراءتها كل صباح من الصفحة الأخيرة حيث يكونون مع الموعد الصباحي لكاريكاتورك، ليعرفوا أين يقفون، وأين يجب أن يضعوا أقدامهم هذا النهار...

كانوا يبدأون صباحاتهم برسوماتك.. كانوا..  وكنّا نريد أن نعرف ما هو موقف فاطمة وعلي في هذا اليوم... وما الذي يخبئه حنظلة من مبادرات في مواجهة أصحاب الكروش والأقفية السمينة...

تشامخ ناجي... صعد وصعد الجلجلة حاملا آلامه وأماله وطموحاته...

غادر ثقافة القبيلة والطائفة، كان فلسطينيا عربيا إنسانا... كان حنظلة ينجح دائما في جمع كل الفقراء والمضطهدين والمقهورين حوله: مسلمون، مسيحيون، شيعة، سنة، دروز، عرب، أكراد، موارنة،أرثوذكس...

ألم يسأل يوما أحدهم حنظلة: أنت مسلم أم مسيحي، سني أم شيعي، روم أرثوذوكس أم روم كاثوليك...؟؟

فيجيب: أنا عربي يا جحش!

يا الله يا ناجي، إنني أعتذر منك وأمامك.. فقد غادرتنا وأنت تحلم.. غادرتنا على عجل...

في يوم الأربعاء بتاريخ 22 تموز 1987 وفي شارع إيفر في لندن... تقدم قاتل سفيه ومأجور وأطلق الرصاص على ناجي العلي من مسدس كاتم للصوت... قاوم حنظلة الموت حتى 29 آب 1987... وأخيرا قرّر الرحيل...

أي قاتل هذا الذي أطلق الرصاص على طفل فلسطيني يصر أن يبقى في العاشرة من عمره... طفل يعتقد ويؤمن بأن حياته قد تجمدت وتوقفت عند تلك اللحظة البائسة التي تخطت فيها قدماه حدود فلسطين نحو بؤس المنافي...

ولكن تلك هي ضريبة الوضوح والشرف العالي أيها الصديق...

لم يحتمل ناجي أشباه الساسة، أشباه الثوار، أشباه الرجال، أشباه الأنظمة، وأشباه القادة وأشباه الزعماء... كانوا يرتجفون أمام الطفل المشاكس حنظلة بملابسه الممزقة والمرقعة... كانوا يخافونه وهو مجرد رسم على الورق...

لأن ذلك الفتى المتمرد كان يذكرهم بعجزمهم، تآمرهم، خياناتهم، جبنهم، والأخطر أنه كان دائما يحرّض على النهوض والثورة.. كانوا أحيانا يقطعون يده، ومع ذلك كانت في اليوم التالي تورق غصنا من ثورة... كانوا يكمّمون فمه، فكان يركل بقدميه، وعندما كانوا يهددونه كان يشير لهم بيده إشارة بذيئة أو يبول على نصائحهم  بكل طفولة ماكرة...

لماذا يا حنظلة كل هذا العناد؟!

فيجيب: وماذا سأخسر، ملابسي المرقعة، أقدامي العارية، لقد جعلوني أخسر كل شيء... فلماذا أحترمهم...!

لا أملك سوى لساني، يدي، قدمي، كوفيتي... لم يبق شيء... أضاعوا فلسطين وأضاعوني... وما زالوا يكذبون.. يواصلون خياراتهم ومساوماتهم البائسة وواقعيتهم الهابطة.. ويريدونني أن أصمت! يساومون عليّ ويريدونني أن أبقى مكتوف اليدين... هذا مستحيل!

نعم، هكذا أنت يا ناجي... ولهذا كنت ثقيلا عليهم أيّا كانوا... كنت الناطق الرسمي باسم اللاجئين والفقراء الذين يفترشون تراب الوطن العربي من المحيط إلى الخليج...

لقد دفع ناجي العلي ثمن مبادئه، لقد كان يعرف هذا جيدا منذ اللحظة الأولى، ولهذا يقول: "اللي بدو يكتب عن فلسطين، واللي بدو يرسم لفلسطين بدو يعرف حاله ميت، أنا مش ممكن أتخلى عن مبادئي ولو على قطع رقبتي"!

لقد مضى ناجي على ذات الطريق الصعبة الواضحة التي سار عليها من قبل صديقه والذي التقط رسوماته لأول مرة غسان كنفاني...

لقد ولدا في ذات العام 1936، وفي 8 تموز 1972 تم اغتيال غسان كنفاني، وبعد خمسة عشر عاما تم اغتيال ناجي العلي...

يقول غسان: "هناك رجال ينبتون الآن في أرض المسؤولية كما ينبت الشجر في الأرض الطيبة، حريصون على إعادة المجد للكلمة"..

ولأنه كان وفيا لما يكتب كان يجب أن يصمت...

ولذات السبب كان يجب إسكات ناجي، كان يجب اغتيال حنظلة لأنه يرفض الصمت والسكوت...

والآن... يطلّ علينا ناجي من مكان ما... يمسح واقعنا ومأساتنا بنظرته الباهرة... فماذا سيقول...؟!

أي حزن شاسع سينفجر في أعماقه... هل هذا ما تعلمناه... أن يستدير الفلسطينيون، أن يصطفوا وراء المتاريس المتقابلة... أن يطلقوا النار في الإتجاه الخاطئ...

على أي شئ يقتتل شعب اللجوء... آه يا شوارع مخيماتنا المغمورة بالصور... صور لم نعد ندري لماذا ترتسم على جدران المدن والمخيمات...

نحن بحاجة الآن إليك يا ناجي لتعيد تذكيرنا ببديهات الوطن، أن تعلمنا أبجدية الكرامة... بديهة الوضوح... أن تمسك طباشيرك لتعيد التأكيد على حدود فلسطين، أن تضربنا على أيدينا بقلمك... أن ترسل حنظلة المشاكس ليعيد توحيدنا، لقد اشتقنا إلى أقدامه العارية وملابسه الممزقة، ولكننا اشتقنا أكثر لصراحته الجارحة...

لم يكن ناجي يحب اللون الرمادي، كان يرتقي بمأساتنا وألمنا إلى حدّ الإنفجار بالضحك المرّ، حاولوا رشوته، الضحك عليه، تحويله إلى مثقف سلطة أو مثقف في صالات الفنادق الفاخرة، لكنه كان يكره البنايات المرتفعة، لأنه ابن الأرض وأزقة المخيم، كان وبقي وفيا للفتى الفلسطيني، ابن العاشرة، الذي لا زال يركض حافي القدمين في أزقة المخيم ويشاكس العالم!

أما فاطمة تلك الفلسطينية واسعة العينين، المرأة الجميلة التي تعلمنا الحب والحياة بكل بساطة... فهي تجلس الآن على ركام منزلها، يدها تحضن خدها القمحي... وترسل نظرها... نحو أفق بعيد..علّ طائر الوعد أو الرعد يأتي... تواصل انتظارها وعشقها، وخلف رموشها الطويلة تغيم خارطة فلسطين في بحر من الدموع...

والآن اسمحوا لي أن أجمع أوراقي وانهض، يخيل إليّ أن ناجي العلي يجلس الآن فوق ضريحه الرخامي ويراقبني، أتمنى.. أتمنى أن لا يدير ظهره لنا، وأن لا يقوم حنظلة بحركة فاضحة غضبا على فضائحنا!.

المصدر: بديل

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

نصّار إبراهيم

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر