Menu
حضارة

في ذكرى نكبة فلسطين

نبيل سالم

الفلسطينيون، أصحاب الأرض الشرعيون، واجهوا ببسالة نادرة الغزو الصهيوني الجديد، وقدموا آلاف الضحايا في معركة غير متكافئة انتهت بنكبتهم في وطنهم على أيدي الصهاينة والقوى المتحالفة معهم.

في الخامس عشر من مايو الجاري، صادف مرور الذكرى الثانية والسبعين للنكبة الفلسطينية، في العام 1948، التي كانت حصيلة مؤامرة استعمارية غربية، شاركت فيها معظم دول الغرب الاستعماري، وعلى رأسها بريطانيا، التي مهدت السبيل لإقامة المشروع الصهيوني في فلسطين.

جسدت المؤامرة الوجه الحقيقي والعنصري البغيض للاستعمار، المتحالف مع الحركة الصهيونية العالمية، التي أعلنت عن مخططها الاستعماري قبل أكثر من مئة عام، على لسان زعيم الحركة الصهيونية تيودور هرتزل في المؤتمر الصهيوني الأول، وذلك بعد أن نجح في الترويج لفكرة استعمار فلسطين وإقامة وطن لليهود فيها، ليتبلور ذلك النجاح في عقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل بسويسرا عام 1897، وكانت من أهم نتائجه قيام المنظمة الصهيونية العالمية بتنفيذ البرنامج الصهيوني الذي يهدفإلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين يضمنه القانون العام، على حد تعبير البيان الصهيوني آنذاك.

ويمكن القول إن الصهيونية تحولت بعد هذا المؤتمر من الفكر إلى التطبيق، حيث حاول هرتزل الحصول على تأييد العديد من الدول مثل ألمانيا و تركيا ثم إنجلترا وغيرها، إلا أن الظروف الدولية لم تكن مواتية لذلك، إلى أن جاءت الفرصة الذهبية للصهيونية، في الحرب العالمية الأولى مع محاولة الدول المتحاربة الانتصار بأي شكل، حيث راحت هذه الحركة الاستعمارية، تقايض الدول الاستعمارية، بدعمها مقابل المال اليهودي، وكانت إنجلترا من أوائل الدول التي استمالها الطرح الصهيوني في توطين اليهود في فلسطين، في سبيل تحقيق مصالحها الدولية، باعتبار أن مساعدة إنجلترا للصهاينة ستجعل اليهود يضغطون على أمريكا للانضمام مع بريطانيا وروسيا في الحرب، واستطاعت الحركة الصهيونية، اللعب على وتر الخلافات الدولية، فحاولت في الوقت ذاته استمالة تركيا، عبر الرشى المالية أيضاً.

ويمكن القول إن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى كانت المخاض الفعلي للمشروع الصهيوني الاستعماري في المنطقة العربية، لا سيما بعد وعد بلفور المشؤوم في عام 1917، الذي دعا إلى إقامة وطن لليهود في فلسطين، وهي دعوة عملت بريطانيا الاستعمارية على ترجمتها على الأرض، خلال احتلالها فلسطين، بالتآمر مع عصبة الأمم، التي كانت، كما هي الأمم المتحدة الآن، مرتهنة لقرارات الدول الكبرى.

وهكذا تمكن الصهاينة من وضع أقدامهم في فلسطين، من خلال الهجرات المكثفة التي كانت تتم بدعم وتأييد قويين من الدول الاستعمارية، لتحقيق هدفين اثنين، هما حل ما يسمى بالمسألة اليهودية في أوروبا، وخلق كيان متحالف مع الدول الاستعمارية يشكل رأس حربتها في المنطقة.

وعلى الرغم من تواضع إمكانياتهم، ومحاصرتهم من قبل الاحتلال البريطاني، إلا أن الفلسطينيين، أصحاب الأرض الشرعيين، واجهوا ببسالة نادرة الغزو الصهيوني الجديد، وقدموا آلاف الضحايا، في معركة غير متكافئة، انتهت بنكبتهم في وطنهم على أيدي الصهاينة والقوى المتحالفة معهم، حيث شهد قيام «إسرائيل» سلسلة مروّعة من المذابح التي قامت بها العصابات الصهيونية المسلحة، مثل الهاجانا، و«الأرجون»، وغيرهما من التنظيمات الإرهابية التي راحت تصب الجحيم على أبناء الشعب الفلسطينى.

وعلى الرغم من نتيجة الحرب بين الفلسطينيين والمنظمات الصهيونية، التي أدت إلى إقامة «إسرائيل» على أجساد الضحايا وأنقاض الوطن الفلسطيني، إلا أن الشعب ظل على مدى العقود السبعة الماضية، مناهضاً صلباً للاحتلال «الإسرائيلي».

وكعادتهم في كل عام أحيا أبناء فلسطين الذكرى 72 للنكبة، مع تفشي جائحة «كورونا» حول العالم، بفعاليات افتراضية على وسائل التواصل الاجتماعي، وإقامة فعاليات شعبية تؤكد في مضمونها على تمسك الفلسطينيين بحق العودة إلى ديارهم التي غادروها مرغمين عام 1948، مجددين تمسكهم بحقهم التاريخي في وطنهم السليب، رغم كل الظروف القاسية التي يمرون بها، وتكالب القوى الاستعمارية عليهم.

صحيح أن الحركة الصهيونية استطاعت بفضل الدعم الاستعماري أن تنتصر، وأن تختطف الوطن الفلسطيني عنوة، بواسطة الإرهاب والجرائم المروّعة، إلا أن ما يمكن استنتاجه من العقود السبعة الماضية من عمر الصراع الفلسطيني «الإسرائيلي»، هو أن هذا الصراع لم يحسم بعد، ولن يحسم لصالح المحتلين الصهاينة، على المدى الطويل، لأنه صراع تاريخي، وليس حرباً عابرة. صراع بين حق متجذر في الأرض الفلسطينية، وله امتداده التاريخي الطويل، ومحتل يشبه كل أنواع الاحتلال التي ابتليت بها الشعوب، واستطاعت الانتصار في نهاية المطاف، وهو أمر تدركه «إسرائيل» جيداً، ويشكل هاجساً حقيقياً لها، رغم كل ما تملكه من أدوات القتل.