Menu
حضارة

في ذكرى يوم القدس العالمي،النظام الرسمي العربي حرف البوصلة عنها

راسم عبيدات

الصرخة المدوية التي اطلقها الإمام الخميني في 7/8/1979، كانت اعتبار الجمعة الأخيرة من شهر رمضان من كل عام، يوماً للقدس العالمي، يوماً تخرج فيه الجماهير العربية والإسلامية للشوارع والساحات والميادين العامة لتعبر عن غضبها والإحتجاج على ما تتعرض له المدينة من عمليات "إغتصاب" وتطهير عرقي و"تغول" و"توحش" إستيطاني، يطال كل معالم الوجود العربي الفلسطيني فيها، وكل بقعة من أرضها.

القدس تحتل الأولوية في الإستراتيجية الإيرانية،وهي تنطلق في دعمها لشعبنا ولقضيته الوطنية العادلة ولمقاومته،من منطلقات مبدئية،وتعبر عن مواقفها هذه بكل علنية ووضوح،رغم ما تتعرض له من حصار ظالم ومؤامرات من قبل أمريكا والصهيونية العالمية والإستعمار الغربي والعديد من المشيخات العربية الخليجية.

منذ الصرخة المدوية التي أطلقها المرحوم الكبير الإمام الخميني قبل واحد وأربعين عاماً من أجل القدس،جرت في النهر مياه كثيرة،فالعرب والمسلمون لم يعودوا موحدين حول قضية القدس، ولم تعد بوصلتهم ولا قضيتهم الأولى،حيث تستعر الخلافات والحروب المذهبية والطائفية، التي يغذيها مروحة واسعة من الدول العربية وفي المقدمة منها بعض الدول الخليجية ، حتى ان العديد منها يتجه لعلانية وشرعية علاقاته التطبيعية والتنسيقية والتعاونية والتحالفية مع دولة الإحتلال على حساب حقوق شعبنا وقضيته وفي المقدمة منها القدس،وما نشاهده من مسلسلات ثقافية وفنية تطبيعية تبث على شاشات قنوات فضائية مرتبطة مباشرة بصناع القرار في مملكة آل سعود،وكذلك الهجمة المسعورة على الشعب الفلسطيني،ونشر " هاشتاجات" فلسطين ليست قضيتي،مؤشر على أن هذه المشيخات،أصبحت ترى في التطبيع ونقله من المستوى الرسمي السياسي الى المستوى الشعبي مع الإحتلال شيء طبيعي،فهي تريد أنسنة هذا الإحتلال وتبييض صفحته في لحظة تاريخية مُرة تنساق مع داعمي ومروجي صفقة القرن،وكذلك تريد تغير الصورة النمطية عند المواطن العربي عن دولة الإحتلال،الذي لا يرى فيها سوى دولة إحتلال للأرض واغتصاب للحقوق،يريدون من خلال ممرات الإنسانية وتسامح الأديان،اختراق وعي المواطن العربي ،بل و"كي" و"صهر" هذا الوعي،بما يدعم رواية المحتل وتزييفه للواقع والتاريخ والرواية.

ما يميز هذه الذكرى لهذا العام انها تأتي في ظروف ومخاطر كبيرة تتعرض فيها قضيتنا الفلسطينية لمخاطر الشطب والتصفية لها بكل أبعادها وتكريس الموقف الصهيوني على الأرض من قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات والأمن والحدود والرواية،حيث صفقة القرن الأمريكية التي أعلن الشق السياسي منها في واشنطن في الثامن والعشرين من شهر كانون ثاني من العام الحالي،والتي تضمنت ضم مساحات واسعة من أراض الضفة الغربية والأغوار لدولة الإحتلال،حيث حضر الإعلان الى جانب الرئيس الأمريكي المتصهين ترامب ورئيس وزراء الإحتلال نتنياهو،ثلاثة سفراء مشيخات خليجية عربية البحرين والإمارات وعُمان،كتأييد ودعم لتلك الصفقة،وكذلك السعودية و مصر من خلف الكواليس،وقفت الى جانب تلك الصفقة،وأشادت بما يسمى بالجهود الأمريكية لصنع السلام بين دولة الإحتلال والفلسطينيين.

فور الإعلان عن تلك الصفقة تشكلت لجنة أمريكية – اسرائيلية مشتركة لدراسة خرائط الضم،ونتنياهو جعل قضية الضم بند من بنود حكومته التي شكلها مع غانتس،وحدد اوائل تموز من العام الحالي من أجل اعلان السيادة الإسرائيلية على 30 % من الضفة الغربية والأغوار،والإدارة الأمريكية على لسان سفيرها المتصهين فريدمان،والذي وصلت به الوقاحة للقول،بأنه من غير المعقول الطلب من اسرائيل أن تتنازل عن مستعمرة بيت ايل القريبة من رام الله أو مدينة الخليل أرض اسرائيل القديمة و" الوعد التوراتي لليهود"،وكذلك بومبيو وزير الخارجية الأمريكية الذي يزور دولة الإحتلال حالياً،اكد على دعم واشنطن لدولة الإحتلال في خطتها ضم مساحات واسعة من الضفة الغربية والأغوار وشمال البحر الميت،وقال بأن ذلك شأن داخلي اسرائيلي،ومن حقها وواجبها أن تفرض سيادتها على المستوطنات في الضفة الغربية وبأن ذلك ينسجم مع صفقة القرن الأمريكية.

كل المعطيات التي ذكرت،لم تدفع لا باللجنة التنفيذية ولا السلطة الفلسطينية ولا صناع القرار فلسطينياً هنا وفي القطاع،للخروج من حالة الغيبوبة والشلل السياسية،وكأن قدر شعبنا هذه القيادات المتسلحة بسياسة انتظارية،لا تدرك بأن التطورات والمتغيرات الحاصلة جداً خطيرة،ويبدو بأن هذه القيادة ،أصبح ما يميزها العجز وفقدان الإرادة وكذلك عدم إمتلاك الجرأة،لإتخاذ خطوات جريئة تكسر الحواجز التي تقيمها دولة الإحتلال،والوقائع التي تبنيها.وتظهر وكأنها مستسلمة للواقع،وأقصى ما تمخض عن اجتماع اللجنتين التنفيذية للمنظمة والمركزية لحركة فتح،تشكيل لجنة جديدة من التنفيذية،تكون مسوؤلة عن رسم الخطوات المطلوب اتخاذها بعد صدور القرار الإسرائيلي بالضم، والذي لا يعدو كونه تزويراً للواقع والحقائق.

ان الموقف القيادي الفلسطيني ،هوعودة للتجارب السابقة الفاشلة في تشكيل اللجان والإحالات من لجنة الى أخرى،للنظر في تطبيق قرارات المجلسين المركزي والوطني فيما يتعلق بالتحلل من الإلتزامات الأمنية والإقتصادية والسياسية الخاصة بإتفاق أوسلو.

السياسة الإنتظارية التي تتبعها قيادة السلطة والدوران في الفراغ والمراوحة في المكان،وعدم إمتلاك القدرة على اتخاذ قرارات جريئة،تخرج القيادة من غيبوبتها السياسية،سيجعل حالة الإحباط واليأس وعدم الثقة بهذه القيادة عند الجماهير تتعمق،وكذلك ستدفع بنا نحو كارثة محققة.

نحن ندرك بأن النظام الرسمي العربي المنهار والمتعفن،ليس فقط لم تعد قضية القدس بوصلته،بل جزء منه متآمر على قضية القدس،وحرف البوصلة عنها بشكل متعمد،كما جرى في حرفه لأسس الصراع عن قواعده وجوهره من صراع عربي- اسرائيلي جوهره القضية الفلسطينية،الى صراع اسلامي- اسلامي ( سني- شيعي) بحيث صورت أمريكا لدول النظام الرسمي العربي ،بأن ايران تشكل عدوها المركزي في المنطقة،وبأنها تسعى الى تهديد عروشها وأمنها وإستقرارها،ولذلك انخرطت في المشروع الأمريكي،واصبحت جزءاص من هذا المشروع في فرض الحصار والعقوبات على طهران .

رغم كل حالة الإنهيار لهذا النظام الرسمي العربي،ولكن نحن على ثقة بان الجماهير العربية والإسلامية،لن تخن لا مبادئها ولا قيمها،وستبقى القدس حية في ذاكرتها ووجدانها وضميرها،فالقدس يفترض ان توحد الكل العربي والإسلامي،بغض النظر عن الخلافات والتباينات،ورغم كل الظروف المجافية،وما تتعرض له طهران وحلف المقاومة من حرب شاملة من قبل امريكا وحلفائها الصهاينة والعرب المنهارين وقوى الإستعمار الغربي متمثلة بالعقوبات الجائرة والحصار الإقتصادي والمالي،والتهديدات العسكرية،إلا اننا على ثقة بأن الصرخة المدوية التي أطلقها الإمام الراحل الكبير الخميني،سيتردد صداها بشكل كبير عند الجماهير العربية والإسلامية،وكذلك الدول العربية والإسلامية والأحزاب والقوى التي لم تفقد اتجاه البوصلة،والتي رغم انتشار جائحة "كورنا" ستخرج لأحياء يوم القدس العالمي بالمسيرات والمظاهرات الشعبية التي ستنطلق لنصرة القدس،كما ان هذه الجماهير بخروجها ستؤكد،بان القدس ستبقى البوصلة وجوهر وعنوان الصراع مع المحتل، وانه مهما أمعن المحتل في تهويدها وأسرلتها، ومحاولة تغيير مشهدها وطابعها العروبي الإسلامي، فهو لن ينجح في شطب الوجود العربي الفلسطيني فيها، وستبقى ماذنها وقباب كنائسها شامخة في قلب مدينة القدس.

الإمام الخميني أطلقها صرخة مدوية، حولوا صرخة هذا الإمام الى أفعال حقيقية، فالتاريخ لن يرحم احدا منكم في حال ضياع القدس، وبدل الأموال التي تصرفونها على تدمير بلدانكم، وقتل أبنائكم بها، يا ليت لو تصرفون الجزء اليسير منها لدعم صمود المقدسيين وبقائهم في قدسهم وعلى أرضهم.