Menu
حضارة

الصفقة البديلة وسيناريو "الرعب"

د. محمد السعيد إدريس

بصراحة شديدة، ودون أى حاجة للإخفاء، بل وربما يكون العكس هو الصحيح، تعمد مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكى أن يعلن فى حديث مع قناة "كان" الرسمية الإسرائيلية ب القدس المحتلة يوم الأربعاء الفائت (13/5/2020) عقب اجتماعه بقطبى حكومة التحالف الإسرائيلية الجديدة بنيامين نتنياهو (رئيس الحكومة) وبينى جانتس (نائب رئيس الحكومة وزير الجيش)، أن إسرائيل "هى من ستقرر متى وكيف ستنفذ ضمها لأراضى فلسطينية فى الضفة الغربية". ورداً على سؤال عن الموقف فى حال قررت إسرائيل تنفيذ الضم دون تنفيذ الأجزاء الأخرى الواردة فى "صفقة ترامب"، قال "قدمنا رؤيتنا للسلام قبل عدة أشهر، وقبل بها كل من نتنياهو وجانتس، ومازالا يعتقدان أن هذه الرؤية مدروسة وعملية وهى أساس للاستمرار" ما يعنى أن الرفض الفلسطينى للصفقة، أو على الأقل عدم التفاعل معها، جعلها صفقة أحادية الجانب، وأن التزامات إسرائيل فى هذه الصفقة مقابل ضم الأراضى التى تريدها للفلسطينيين، قد سقطت بسبب الغياب الفلسطينى، ومن ثم أضحت إسرائيل هى المعنية وحدها بالصفقة، وعليها أن تفعل ما تريد.

المعنى المباشر لهذا الكلام الخطير، الذى يقترب من كونه تحريضاً مباشراً للإسرائيليين لضم غور الأردن والكتل الاستيطانية فى الضفة الغربية فى الوقت الذى يريدونه وبالكيفية التى يريدونها، أن مايك بومبيو قد وضع نهاية لما يسمى بـ "صفقة القرن" وأن الصفقة أضحت مشروعاً أو خطة صاغها رجال إسرائيل فى الإدارة الأمريكية لفرض مشروع التوسع الإسرائيلى الذى يحمل اسم "مشروع إسرائيل الكبرى" والذى يقتصر فى مرحلته الأولى على فرض "مشروع دولة إسرائيل من النهر إلى البحر" وفقاً لما نص عليه ما يسمونه بـ "قانون القومية" بأن إسرائيل "دولة للشعب اليهودى" هذا الكلام يعنى من ناحية أخرى أن مايك بومبيو قد اضطر ، للكثير من الدوافع" أن يقبل بكل شروط إسرائيل، وبالتحديد أن تخوض الولايات المتحدة من الآن، وبكل جدية، معارك إسرائيل الكبرى الثلاث التى هى محور مشروع حكومة التحالف الجديدة: ضم غور الأردن والكتل الاستيطانية فى الموعد الذى سبق تحديده فى أول يوليو المقبل دون شرط الانخراط فى تفاوض إسرائيلى مع الجانب الفلسطينى، والدخول مع إسرائيل فى مواجهة موسعة ضد إيران فى كافة الجبهات المتاحة للقضاء على ما تعتبره إسرائيل "خطراً وجودياً إيرانياً يهدد وجودها"، وأخيراً مشاركة إسرائيل مهمة التطبيع الشعبى العربى لإزالة أى عائق أمام فرض إسرائيل كزعامة إقليمية شرق أوسطية وخاصة العائق الفلسطينى.

من استطاع متابعة أداء بومبيو فى هذه الزيارة كان فى مقدوره استعادة المشهد التاريخى للإجتماع الذى أعلن فيه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب صفقته بحضور رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو. فقد فضحت وقتها "لغة الجسد" كل ما حرص الرجلان على إخفائه من المعانى، وبالتحديد أن كل ما كان يردده ترامب كان مجرد صدى لأفكار ومطالب بنيامين نتنياهو، وهذا ما حدث فعلاً مع بومبيو فى زيارته تلك لإسرائيل يوم الأربعاء الماضى. كان واضحاً تماماً أن مايكل بومبيو كان يردد كل ما يريده نتنياهو، والسبب فى ذلك أنه جاء مكلفاً للحصول من إسرائيل على وعد بتقديم كل الدعم الممكن للرئيس الأمريكى فى معركته الانتخابية القادمة خصوصاً بعد أن بدأت استطلاعات الرأى الأمريكية تؤكد تقدم منافسه الديمقراطى جون بايدن عليه بثمانى نقاط، وارتفاع عدد المؤيدين لانتخاب بايدن إلى 46% من الأمريكيين فى الوقت الذى تتراجع فيه شعبية ترامب وتحميل الأمريكيين له مسئولية الإخفاق فى مواجهة جائحة "فيروس كورونا" بعد أن تجاوز عدد الوفيات 185 ألفاً وحطم عدد الإصابات رقم 1.5 مليون إصابة وتجاوز عدد العاطلين عن العمل 50 مليون عاطل.

يبدو أن هذه هى "الصفقة الحقيقية" أو "الصفقة البديلة": أن تخوض أمريكا معارك إسرائيل فى الشرق الأوسط، وأن تخوض إسرائيل معركة إعادة انتخاب ترامب فى أمريكا. لكن يبقى السؤال المقلق للطرفين هو ما هى فرص نجاح هذه الصفقة؟! إلى أى حد سيكون فى مقدور إدارة ترامب خوض معارك إسرائيل العاجلة كما هى مصاغة فى أولويات حكومة التحالف؟ وإلى أى حد سيكون فى مقدور إسرائيل إنجاح ترامب وهو يبدو متعثراً فى خوض معاركه الداخلية ضد فيروس كورونا، وضد منافسه الديمقراطى ولم يبق أمامه غير أشهر معدودة ليتحرك خلالها ليحسن من وضعه الانتخابى فى الوقت الذى يقف فيه عاجزاً أمام صمود إيران فى مواجهة الضغوط والعقوبات الأمريكية، رغم كل صعوباتها، ونجاحها فى إطلاق قمر صناعى عسكرى بصاروخ باليستى صناعة محلية ما أثار فزع الأمريكيين والإسرائيليين، وتدفع بالعراقيين لإنهاء الوجود العسكرى الأمريكى فى العراق ومازالت تقف صامدة فى دعم سوريا وحزب الله ومنظمات المقاومة فى غزة، وتلقى الدعم الروسى والصينى ضد الضغوط الأمريكية داخل مجلس الأمن الرامية إلى تجديد الحظر الدولى لمنع بيع الأسلحة لإيران الذى سينقضى أجله فى الأشهر القادمة.

قد تكون الفرص للنجاح محدودة، وقد تكون الأسباب خارج إرادة كل من واشنطن وتل أبيب لكن الفرص أمام نجاح الضم الانفرادى الإسرائيلى لغور الأردن والكتل الاستيطانية فى الضفة الغربية تبدو مشكوكاً فيها ولأسباب إسرائيلية داخلية بحتة، وليس بسبب رفض فلسطينى أو عربى أو عالمى على النحو الذى كشفته دراسة مهمة لـ "مركز أبحاث الأمن القومى" التابع لجامعة تل أبيب بعد اختتام مؤتمره السنوى لخص فيها الوضع الإستراتيجى لكيان الاحتلال خلال السنة الحالية 2020 وتولت صحيفة "هآرتس" نشر ملخصها فى مطلع فبراير الماضى. 

فقد حددت هذه الدراسة ثلاثة سيناريوهات قالت أنها "السيناريوهات المحتملة" لتنفيذ صفقة ترامب . السيناريو الأول هو "التنفيذ المؤجل" الذى يرهن البدء فى تنفيذ الصفقة بقبولها فلسطينياً وبدء التفاوض مع السلطة الفلسطينية، أما السيناريو الثانى فهو "الضم التدريجى أو البطئ" دون أى ارتباط بالموقف الفلسطينى من الصفقة، والسيناريو الثالث هو "الضم الكامل والأحادى" وهو السيناريو الذى تم التوافق عليه فى مشروع تشكيل حكومة التحالف بين بنيامين نتنياهو وجانتس فى 20 أبريل الفائت، وهو السيناريو الذى دعمه وأيده وزير الخارجية الإمريكى مايك بومبيو فى زياته لكيان الاحتلال الإسرائيلى الأربعاء الماضى.

هذا السيناريو، من وجهة نظر هذه الدراسة، يمكن أن يقلب كل حسابات الإسرائيليين رأساً على عقب وأن يفرض "سيناريو الرعب" أو "السيناريو الشبح" أى "سيناريو الدولة الواحدة ثنائية القومية: العرب واليهود على كل أرض فلسطين" على النحو الذى كان ينادى به الكثير من الفلسطينيين. فالضم الكامل والأحادى على النحو الذى يريده نتنياهو وحكومته وتؤيده أمريكا حالياً يتضمن عملياً وضع نهاية مؤكدة لخيار الدولتين، أى إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة لأنه سيقسم الكيان الفلسطينى الذى "سيكون مسجوناً داخل إسرائيل" إلى ستة كانتونات منفصلة بحيث تسيطر إسرائيل على المداخل والمخارج وعلى محاور الحركة والمعابر للسلطة الفلسطينية التى لن تكون قادرة على البقاء على وجه الحياة، ومع انحلال السلطة، وكما تقول الدراسة "ستتم إعادة المفاتيح لإسرائيل" بمعنى أن إسرائيل ستكون، فى مثل هذه الحالة، هى السلطة الوحيدة فى مناطق الضفة وتصبح مسئولة عن توفير احتياجات 2.5 مليون فلسطينى، وهكذا ستجد إسرائيل نفسها أمام واقع "الدولة الواحدة ثنائية القومية" الذى ظلت تخشاه طوال العقود الماضية، بل وترفضه رفضاً مطلقاً لأن معناه بالنسبة لها وأد حلم "الوطن اليهودى" والعمل فى الاتجاه المعاكس لقانون "القومية" الذى استهدف بالأساس جعل إسرائيل "دولة يهودية خالصة للشعب اليهودى دون غيره"، على النحو الذى حذر منه دينيس روس الدبلوماسى الأمريكى السابق الذى شغل منصب المبعوث الرئاسى لمنطقة الشرق الأوسط فى عهد الرئيس بيل كلينتون فى مقال نشره على موقع مركز أبحاث مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى القريب من العقل الإستراتيجى الإسرائيلى واعتبر فيه أن سيناريو الضم الكامل والأحادى سيلغى "حلم الدولة اليهودية" وسيحول إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية.

ما لم يتحدث عنه دينس روس أن الدولة ثنائية القومية ستتحول مستقبلاً إلى دولة ذات أغلبية فلسطينية عربية فى ظل خطر "القنبلة الديموجرافية" الفلسطينية الذى يخشاه الإسرائيليون ويحذرون منه والذى فى مقدوره أن يحول المشروع الإسرائيلى كله إلى "مشروع عابر فى التاريخ الفلسطينى" على حد نبوءة الشاعر الراحل محمود درويش.