Menu
حضارة

قرارات "القيادة الفلسطينية".. إعلاناتٌ من ورق!

بيسان الشرافي

محمود عباس

خاص بوابة الهدف

قياسًا بحجم المخاطر الهائلة التي تُحيط بالقضية الفلسطينية من كلّ حدبٍ وصوب، انتظر الشارع الفلسطيني أن تخرج عليه القيادة المهيمنة على منظمة التحرير الفلسطينية وقيادة السلطة أو ما تسمى بالقيادة الرسمية، بعد اجتماعها- الثلاثاء- بخطّة مواجهة وآليات عملية للتصدّي لهذه المخاطر، التي بات أبرزها حاليًا مخطط الضمّ الصهيوني لأكثر من 30% من أراضي الضفة الغربية وغور الأردن، استمرارًا لخطوات تنفيذ صفقة ترامب- نتنياهو.

خلال ما يُسمّى "اجتماع القيادة" في مدينة رام الله المحتلة، مساء الثلاثاء 19 مايو، أعلن رئيس السلطة  محمود عباس - مُجدّدًا- أنّ "منظمة التحرير الفلسطينية، ودولة فلسطين، أصبحت اليوم في حلٍّ من جميع الاتفاقات والتفاهمات مع الحكومتين الأميركية والإسرائيلية، ومن جميع الالتزامات المترتبة على تلك التفاهمات والاتفاقات، بما فيها الأمنية". ردًا على قرار "إسرائيل" ضم أجزاء من الضفة الغربية وغور الأردن لسيادتها.

"حبرٌ على ورق"
وفي البيان الذي قرأه رئيس السلطة عقب الاجتماع، حمّل دولة الاحتلال مسؤولية تداعيات وتبعات هذا القرار، مُؤكدًا التزامه بحل الدولتين، عبر مفاوضات برعاية دولية.

ذات القرارات صدرت رسميًا- لأول مرة- عن دورة المجلس المركزي (27) في مارس 2015، ولم تُطبّق، وتكررت في دورة المركزي (28) المنعقدة في يناير 2018، وبعدها في أغسطس من ذات العام، ثم في أكتوبر التالي، وكذلك صدرت قرارات مماثلة تمامًا في دورة المجلس الوطني (23) المنعقدة في شهر أبريل 2018، بالانسحاب من الاتفاقيات الموقعة مع الاحتلال وسحب الاعتراف بكيانه، ووقف التنسيق الأمني. كلّ هذه القرارات لم تُغادر الورق الذي كُتبت فيه.

الباحث في الشأن السياسي د.عماد أبو رحمة، قال "في اجتماع (القيادة) الأول- بعد الإعلان عن مشروع الضم- فوجئنا بتشكيل لجنة، ثم لا شيء، وفي الاجتماع الثاني- الثلاثاء الماضي- وجدنا تكرارًا لسلوك القيادة الفلسطينية السابق في التعامل مع الإجراءات التي تتخذها حكومة الاحتلال والإدارة الأمريكية".

وأضاف أبو رحمة، في حديثه للهدف "الآن مشروع الضمّ لم يعد أمرًا تقديريًا، بل صار على جدول أعمال حكومة الاحتلال، لذا كان التوقُّع أن يكون خطاب الرئيس، وقرارات اللجنة التنفيذية، بمستوى التحدّيات التي يواجهها شعبنا الفلسطيني، فمشروع الضم هذا مشروعًا لتصفية الحقوق الوطنية، لكن "الخطاب لم يتضمّن أي إجراء عملي لمواجهة هذا".

"بدون ترجمة قرار التحلل من الاتفاقات بخطوات عملية وقرارات ميدانية، لا يُمكن الثقة بأن هذه القيادة لديها الإرادة السياسية لتتصدى لمشروع الضم فعليًا، أو لأن تتحلل من الاتفاقيات التي أوجدت السلطة على جزء من الأراضي الفلسطينية". قال أبو رحمة، موضحًا "نحن بحاجة إلى قرارات من نوع مختلف هذه المرة، فلا يوجد أفق لعملية التسوية والمفاوضات؛ الإدارة الأمريكية التي يفترض أنّها راعية لعملية المفاوضات تتبنّى تمامًا مخططات اليمين الصهيوني وتشكل دعمًا كبيرًا له، كما أنها داعمة لقرارات الضم".

ووافقته الرأي عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ليلى خالد، التي رأت في البيان الذي ألقاه رئيس السلطة مؤخرًا "تكرارًا لقرارات سابقة، تفتقد تحديد الوسائل والأدوات لتنفيذها".
وقالت خالد، خلال حديثها للهدف "مللنا الخطابات، ولا ينقصنا المزيد منها"، مُضيفةً "لا بدّ من تحديد إستراتيجية واضحة وخطة عمل تشمل آليات تنفيذ على الأرض، وتحديد لطبيعة المرحلة المقبلة".

مُسلسل مخاطر لا ينتهي!
وتابعت "الأخطر في الموضوع هو استمرار الحديث عن المفاوضات، على ماذا سيُفاوضون؟ خاصةً أمام مشروع صهيوني تقوده حكومة متطرفين، لا تأبه للقانون الدولي، أول ما فعلته هو التوافق على مشروع الضم، ووضع الخطط لتنفيذه".
وتساءلت "يقول الرئيس دولة الاحتلال باتت المسؤولة، ماذا يعني هذا؟ الضفة كلّها تحت الاحتلال أصلًا، وما هو دور السلطة ومنظمة التحرير؟
ما المطلوب الآن؟ يُجيب الباحث في الشأن السياسي د.أبو رحمة "نحن بحاجة لاستعادة الوحدة الوطنية على أسس شراكة سياسية في تحمل المسؤولية، وتحمل أعباء النضال الوطني في مواجهة هذه التحديات الكبرى، والتوافق على خطة اشتباك سياسي وميداني لمشروع الضم الإسرائيلي على الأرض، ثم التحرك العربي والدولي الفاعل على قاعدة أننا كفلسطينيين بصدد استعادة منطق الصراع مع هذا العدو، باعتباره قوة احتلال على الأرض، ونحن شعب محتل يناضل لاستعادة حقوقه وأرضه".

ما الذي تفعله (القيادة)؟ وإلى ماذا يُفضي؟! لا تُريد القيادة الرسمية اتخاذ خطوات عملية للاشتباك مع المشروع الصهيوني، وهي تلجأ باستمرار إلى التسويف والانتظار. يقول د.أبو رحمة، ويُتابع "هذا يعني أنّها من جديد تعطي مجالًا لحكومة الاحتلال لتباشر إجراءات الضم على الأرض، وهذا السلوك يحمل مخاطر إمكانية تكيف هذه القيادة مع مقتضيات مشروع الضم، في ضوء الضغوط التي تجري عليها، من قبل أطراف عدة: أمريكية، أوروبية وعربية، للعودة إلى المفاوضات، باعتبار أنها لا تعني- كما يدّعون- قبولَ خطة ترامب، بل من منطلق أنّ من حقهم الاعتراض عليها".

ورأى د.أبو رحمة أنّه "موازين القوى الحالية التي ترجح لصالح الاحتلال تعني أن هناك قضايا ستُفرض على القيادة الفلسطينية، لذا نحن بحاجة لعمل ميداني ولكفاح وطني يُغيّر موازين القوى على الأرض".

هل نخسر المواجهة؟
مطلوبٌ كذلك إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير، وفي هذا الصدد قالت ليلى خالد "مؤسسات منظمة التحرير كلّها هُمِّشت، اللجنة التنفيذية والمجلسان الوطني والمركزي، كل قرارات هذه الهيئات-منذ سنوات- لا تُطبٌّق، كما أنّها لا تجتمع بشكل دوري لبحث القضايا الوطنية المختلفة، في حين يدعو الرئيس لاجتماع (القيادة)، متى أراد، وفي محطات معينة، علمًا بأنه ليس هيئة ولا إطارًا مُقررًا، وما هو إلّا (تجميع لقوى وهيئات وأجهزة وشخصيات)، يُلقي عليهم الرئيس خطابًا جاهزًا، أو يُعلِمْهم فقط بما يُريده".

وأضافت خالد "على القيادة الفلسطينية استثمار أكبر نقاط قوّتها، وهي الشعب العظيم، الذي لا يتوقف عن المقاومة، لذا فإنّ صموده ونضاله المستمر يستحقّ العودة إلى الأصول، وإعادة بناء منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد له، على أساس برنامج وطني وشراكة حقيقية من أجل المواجهة الحقيقية لكل مخاطر تصفية قضيتنا الوطنية الفلسطينية".
على الجانب الآخر، حمّل د.أبو رحمة المسؤولية الوطنية عمّا يجري- ليس للقيادة الرسمية فقط- بل للأحزاب الفلسطينية، التي لم تتجاوز ردّة فعلها بيانات الشجب والاستنكار، ويتزامن هذا مع تعمّق الانقسام".

وبيّن بدوره أنّ "الفصائل لديها إمكانات، وجمهور، وقدرة على النزول إلى الشارع والساحات والاشتباك مع هذا المشروع على الأرض، في هذه الحالة يُمكنها أن تُشكل حالة ضغط حقيقي وجدّي، لكن إن ظلّت تدور في فلك الشجب والاستنكار وانتقاد قرارات "القيادة"، فهذا غير مُجدٍ؛ مَن يرفض قراراتها عليه تحويل أقواله إلى موقف فعّال بخطة عمل ميداني".

وأكّدت على هذا ليلى خالد، بالقول "من الحكمة الإسراع لاستعادة الوحدة الوطنية، والفصائلية، تمهيدًا لإعلان المواجهة الشاملة، وبكل أشكالها، لصفقة القرن ومشاريع الضم الصهيونية. ما لم تتوحّد القوى على برنامج مقاوِم وشراكة حقيقية لقيادة الشعب الفلسطيني، سنخسر هذه المواجهة، ولن يربحها سوى الاحتلال".

وعلّقت خالد على ما وصفته بالسلوك غير الديمقراطي من الرئيس عباس، والاعتداء اللفظي وقمع ممثل الجبهة الشعبية في اجتماع القيادة عمر شحادة، الذي مُنع من إكمال وجهة نظره، ما اضطرّه للانسحاب من اللقاء والاعتراض على البيان الصادر عنه. قالت خالد "هذا سلوك مُدان ومرفوض، لا يُفيد أحدًا، وهو ليس الأول من نوعه".

وختمت حديثها بالقول "سنواصل الهجوم الوحدوي، ومستمرون في تعبئة شعبنا على الوحدة الوطنية إلى حين استعادتها، فأي شعبٍ يُريد الحرية لا بدّ أن يتوحّد أولًا، ويُعلي راية المقاومة بكل أشكالها، وفي المقدّمة منها الكفاح المسلح"، مُؤكدةً أن "الهجوم الشامل من قبل العدو الصهيوني لا يُجابَه ببيانات وإعلانات لفظية، بل بفعلٍ حقيقيّ على الأرض، بات مُلحًا الآن، خاصة في ظل التراجع الواضح لثقة الشعب بهذه القيادة، مما يستدعي تشكيل البديل الجدي والشامل لنهج هذه القيادة واستمرار تعلقها بما يسمى مشروع التسوية التي هيأت الأرضية الرئيسية لصفقة القرن وخطواتها التي تنفذ على الارض".

سلوكُ هذه "القيادة" دلّل منذ عام 2015- على الأقل- على أن مجمل القرارات التي أعلنتها، فيما يتعلق بسحب الاعتراف بكيان العدو وإلغاء الاتفاقات الموقعة معه ووقف التنسيق الأمني، كانت تذهب إلى عكسها؛ من خلال تعزيز العلاقات وتوطيدها مع العدو الصهيوني، واستمرار التنسيق الأمنى وبأعلى مستوياته، وتسارع حمى التطبيع الذي مارسته- ولا زالت تمارسه- ما يسمى "لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي" وازدياد التبعية الاقتصادية، وصولاً إلى منح "إسرائيل" السلطةَ الفلسطينية قرضًا بقيمة 800 مليون شيكل. ما الجديد الذي يمكن أن تقدم عليه السلطة؟ المثل الفلسطيني الذي يقول: اللّي بِجرِّب المجرَّب عقله مخرَّب، يعطي الإجابة الشافية.