Menu
حضارة

رحل صديق العمر

رحل الكاتب والمفكر الدكتور حسين أبو النمل

ابو علي حسن

ابو النمل.jpg

خاص بوابة الهدف

أبكيك يا صاحبي، فأنت صديق العمر ورفيق النضال.. كنا معًا في البدايات نحمل على كواهلنا ذلك الحلم العظيم والثقيل؛ حلم الوطن والعودة. كنا شباب لا تفارقنا الحيوية والنشاط، وأكتافنا تتحمل ثقل هذا الحلم العظيم، فلا نهدأ، ولا نتعب؛ ولا نشكو؛ ولا نيأس.. كنا معا في البدايات في عام ١٩٧١، يوم أن كان النضال له طعمه الخاص، وكنا معا يوم أن أصدرنا نشرة  "الثورة مستمرة" الطلابية؛ رًدا على دعاة التسوية ومؤتمر جنيف عام ١٩٧٤. وكنت أنت صاحب الاقتراح واختيار اسم النشره.. واستمرت علاقتنا إلى ما قبل رحيلك بشهرين، حين منعني وباء الكورونا من زيارتك والاطمئنان عليك.. وحين التقينا فبل شهرين، كان جسدك لا يقوى على الجلوس، ومع ذاك كان ذهنك صافيًا متقدًا؛ وتحاورنا في كل شيء كعادتنا، في السياسة والفكر والتاريخ وهموم الوطن.. وعلى مدار ثلاث ساعات وأنت تقدم الفكرة تلو الفكره ونختلف ونتوافق وننضج الفكرة...
أبكيك يا صاحبي، فأنت صديق العمر الذي اتفقت معه واختلفت معه، لكننا لم نختلف يومًا على معنى صداقتنا وتواصلنا، لم نختلف على القيمة الأخلاقيه للعلاقة، لذلك لم أهجرك، ولم أخلع صاحبي.. كنت تحترم رأيي وأنا أحترم رأيك، مارسنا الديموقراطية على أصولها.. والخلاف لم يفسد للود قضة.
رحلت أيها الرفيق المشاكس من غير دندنه ولا إعلانات؛ رحلت بصمت وهدوء، كما كنت في حياتك لا تحب "الزعبرة" والهيلمان.. كنت تتندر على السياسيين وزعبراتهم، فابتعدت عنهم؛ لأنهم سخفوا القضية وأضاعوها في بهلواناتهم، وهم من سرقوا وأسرفوا في الكذب والإدعاء ...
حددت لنفسك عالمك الخاص بك، منسجمًا مع نفسك تمامًا؛ عالمًا يصعب على الآخر أن يعيشه، فقد كنت زاهدًا في حياتك إلى حد الحرمان من مباهج الحياة، كل شيء كان بسيطًا في بيتك، عتيقًا، لا شيء تغير فيه منذ نصف قرن، عندما كنت تقيم في حي فرحات في شاتيلا منذ نصف قرن.. الصالون، والكرسي، وغرفة النوم، والمطبخ، والمعالق، والصحون، ومعلقات النحاس على الجدران، والحمامات.. لم يتغير شيء. ولقد أسقطت كل شيء من حياتك؛ إلا رفيقة دربك وعمرك (دُرية الأصيلة)؛ أسقطت من حياتك كل متاع الدنيا، وأبقيت على فكرة الإنسان.. الوعي .. الإنسان هو الوعي.. علاقة الوعي بالحق والوطن والنضال، كنت مؤمنًا أن الإنسان يتجسد في الفكرة، ودون الفكرة يكمن فراغ الإنسان ...
حين كنت تطرح فكرتك، كان يقال أن أسلوبه وأفكاره صعبة على الفهم...!! وكنت تجيب أن الإرتقاء بوعينا يبدأ من الأصعب وصولاً للسهل، لا أن نبدأ في تكرار السهل الذي لا يرقى إلى الفكرة الأهم.. كنت عميق الفكرة، كما لو أنها خارجه عن المألوف، وصعبة الاستيعاب، لذلك كنت تبدو سابحًا عكس التيار.. والحق إنك كنت سابحًا عكس التيار؛ تحمل فكرة مختلفة تمامًا عن التيار، فأنت القائل: إن هذا التيار عاش ويعيش في "غيبوبة الوعي"، فكنت كما لو أنك مشاكسًا في آراءك ومواقفك وأفكارك، والحقيقة إنك لم تكن لتسمح، بأن تكون بين قطيع الحالة العامه التي يقودها هواة السياسة لا هواة التحرير.. لم تكن لتسمح لنفسك أن تكون أسيرًا لنمطية السياسة والسياسيين. كنت تعطي نفسك مساحة أكبر من التفكير، والتفكير الأعمق في التفاصيل والجزئيات، والنقد، وتعرية المألوف، واكتشاف زيف النص وفراغه. كنت دائمًا خارج السرب في تنظيمك، وفي بيئتك السياسية والثقافية؛ لأنك قدست حرية الذات الواعيه ...
أيها الراحل عنا.. كنت زاهدًا إلى حد العبادة في صومعتك، ومكتبتك.. لا تعرف معنى السعادة؛ إلا بين صفحات كتبك وقلمك، بين أكوام الكتب التى لا تتسع أرفف المكتبة على استيعابها، فأضحت الكتب تغطي وتتكدس في كل مكان من المنزل العتيق ..
كنت بسيطًا وفقيرًا وعفيفًا ونظيفًا في حياتك، لكنك غنيًا بفكرك وثقافتك، وكنت لا تعتبر الغنى له معنى أو ميزة، فقد عودت نفسك على بساطة الحياة، وتماسك الذات.. لم تكن تعرف المجاملة، ولا تعرف قاموسها.. نقدك طاغٍ وقاسٍ، هو جزء من شخصيتك وأسلوبك ومطارحاتك الفكرية والثقافية.. لذلك هذه الشخصية لم تلقَ هوى البعض؛ لأن نقدها يصل أحيانًا إلى تعرية الآخر.. نعم كنت قاسيًا في طرح أفكارك ونقدك، لكنهم لم يعرفوا حقيقة معدنك أو مقصد قسوتك ..
كنت عزيز النفس، عظيم الكبرياء، ليس لك مطالب ذاتية، لم تسعَ إلى وظيفة، ولا منصب، ولا لقب.. لم تركض وراء المنافع والامتيازات حين حج الكثير الكثير إلى سلطة الوظائف ..
كنت تقول أعطوا الكلمات معناها الحقيقي ومضمونها الأساس.. وهاأنذا أحاول أن أكون صادقًا معك أيها الرفيق والصديق ..
كنت ترى الإنسان في فكرته وكرامته ونزاهته.. فرحلت إلى دنيا ثانية بذات الرؤية للإنسان.
أيها الرفيق.. وداعًا.. فقد أعطيت ما استطعت، وما لديك للوطن وللقضية.... سلام عليك.