Menu
حضارة

على هامش اجتماع القيادة الفلسطينية: منظمة التحرير مجدداً برغي في ماكينة السلطة، وأداة للاستخدام السياسي الأوسلوي

عليان عليان

خاص بوابة الهدف

ما تسرب عن اجتماع القيادة الفلسطينية في 19 من شهر أيار / مايو الجاري، المخصص لمناقشة سبل الرد على برنامج حكومة العدو الصهيوني، بشأن ضم منطقة الغور وشمال البحر الميت، والمستوطنات في الضفة للكيان الصهيوني، يصل إلى نتيجة مفادها، أن منظمة التحرير بوصفها إطار جبهوي للحركة الوطنية الفلسطينية، هي في السياق العملي منذ أوسلو وحتى صفقة القرن، مجرد أداة للاستخدام السياسي لنهج المفاوضات الأوسلوي البائس،  ومجرد برغي في ماكينة السلطة الصدئة، ويدعونا لنعلي الصوت، بأن القيادة المتنفذة في السلطة والمنظمة باتت ومنذ زمن بعيد تعتبر منظمة التحرير (إقطاعية خاصة بها) وبقية الفصائل عبيداً وأقنانا.
 الجبهتان الشعبية والديمقراطية وغيرهما، لا بد وأنهما قرأتا  بيان الكُتّاب والمثقفين والنشطاء العرب والفلسطينيين، الذين وجهوا نداءً، "دعوا فيه كافة ممثلي فصائل العمل الوطني، وخاصة رفاق الجبهتين الشعبية والديمقراطية، إلى الامتناع عن حضور هذا الاجتماع وكل اجتماع مع فريق أوسلو، قبل ترسيخ أسس واضحة وجذرية لمفهوم الوحدة الوطنية الفلسطينية، وقبل وضع برنامج عمل واضح يسير على طريق التحرير لا الاستسلام... والذي أكدوا فيه أن هذا الاجتماع لن يكون عديمَ الفائدة فحسب، بل سيكون مضرًّا أيضًا لأنّه يعطي "القيادة" المستسلمة والسلطة المنهزمة؛ صكَّ براءةٍ عن كلّ ارتكاباتها السابقة، و"كارت بلانش" لمواصلة تنازلاتها إلى ما بعد الدرك الأسفل، وأن "الوحدة الوطنيّة الفلسطينيّة"، بهذا المعنى، هي غطاء مجاني تقدّمه بعضُ الفصائل الفلسطينيّة إلى السلطة الفلسطينيّة، لمواصلة انتهاكها للميثاق الوطني، ولطعن كافة محطات التاريخ النضالي لشعبنا الفلسطيني".
أعتقد جازماً أن ما جاء في بيان المثقفين الفلسطينيين والعرب، ينطوي على قدر كبير من الصحة، بل الصحة بكاملها، في ضوء المعطيات التي رافقت البيان السياسي الصادر عن الاجتماع القيادي، وفي ضوء البيان نفسه، رغم أن الجبهتين الشعبية والديمقراطية شاركتا فيه تحت مبرر عدم تحملهما مسؤولية مقاطعة اللقاء، خاصة وأنه عقد تحت عنوان سبل التصدي للقرار الإسرائيلي الخاص بضم منطقة الغور والمستوطنات.
فمن حيث الشكل، جرى فرض مشروع البيان السياسي، الذي أعدته لجنة فتح المركزية، دونما السماح بإجراء مناقشة جدية له، في حين أن العمل الجبهوي يقتضي تشكيل لجنة من مختلف الفصائل لصياغة مشروع البيان السياسي. ومن حيث الشكل أيضاً، لم يسمح أثناء الاجتماع بإجراء مناقشة جدية لمشروع البيان، وصادر عباس على مداخلات ممثلي الفصائل المعارضة لنهجه ، ما يعني أن حضور بقية الفصائل – من منظور القيادة المتنفذة في السلطة والمنظمة – حضور ديكوري  ليس أكثر، ولعل القمع المزري الذي مارسه رئيس السلطة لممثل الجبهة الشعبية عمر شحاده، ومحاولته منعه من الاستمرار في طرح مداخلته، لدرجة إرسال أحد المرافقين له للتنمر عليه، ولمنعه من الاستمرار في الحديث لمؤشر على ذلك.
ومن حيث مضمون البيان السياسي، ومضمون الاجتماع،  وما تلاه من تصريحات، نشير إلى ما يلي:
1-    البيان السياسي رغم  تضمنه التحلل النظري، من جميع الاتفاقات الموقعة مع الكيان الصهيوني ومع الإدارة الأمريكية، بما فيها الاتفاقات الأمنية مع الطرفين الأمريكي والإسرائيلي، والتي أعلن عنها رئيس السلطة محمود عباس ؛ إلا أن الوقائع التاريخية لموقف القيادة المتنفذة للمنظمة والسلطة، تجعل المراقب لا يصدق موقف السلطة في التحلل من اتفاقات أوسلو واتفاق باريس الاقتصادي، ومن التنسيق الأمني، وفي الذاكرة تصريح عباس غداة الإعلان عن صفقة القرن في كانون ثاني- يناير الماضي، بأنه وجه رسالة من خلال مسؤول ملف الاتصالات مع الجانب الإسرائيلي، يعلن فيها أنه أوقف العمل بكل الاتفاقات مع حكومة العدو ومع الإدارة الأمريكية، لنكتشف بعد أقل من أسبوع، بأن تلك الرسالة مجرد ذر للرماد في العيون، وأن التنسيق الأمني مستمر، وأن لقاء الرئيس الشهري مع مسؤول الشاباك الإسرائيلي مستمر، ولم يطرأ عليه أي تغيير.
وقبل ذلك سبق وأن أصدر المجلس المركزي في عام 2015 و2017، والمجلس الوطني عام 2018 قرارات بوقف التنسيق الأمني، وإلغاء الاتفاقات الموقعة مع العدو الصهيوني، وأعلن عن تشكيل لجان لوضع آليات التنفيذ، لنكتشف بعد ذلك أن عباس يتعامل مع مؤسسات المنظمة في إطار تكريس ديمقراطية زائفة، وأن قراراتها لا تساوي مداد الحبر الذي كتبت فيه، إذ لم تأخذ تلك القرارات طريقها للتنفيذ.
2-  البيان وفق ما أشار عضو المكتب السياسي للجبهة عمر شحادة - ممثل  الجبهة الشعبية في الاجتماع- فغنه "... لا يشكّل ردًا على سياسات حكومة الطوارئ في كيان الاحتلال وصفقة القرن، والتوصيات التي كتبتها اللجنة المركزيّة ومن معها، تدور في مستنقع المفاوضات وتحمل مخاطر تبقى الباب مفتوحاً على مفاوضات موازية أو على قاعدة صفقة القرن، ما يشكّل خطراً واستمراراً للمراوحة في ذات المكان؛ لأنّ الاستيطان والضم وتصفية القضية الفلسطينيّة تسير على قدمٍ وساق ويجري تنفيذها على الأرض، في الوقت الذي لا يزال يُراهن فيه الرئيس حصرياً على المجتمع الدولي".
3- أن البيان السياسي اكتفى بالحديث، عن التحلل الشكلي من الاتفاقات والتنسيق الأمني، لكنه لم يتطرق إلى سبل المواجهة المطلوبة، لإفشال توجه حكومة طوارئ العدو لضم منطقة الغور والمستوطنات، كما لم يتطرق إلى سبل مواجهة تحديات صفقة القرن، والتي ينضوي قرار الضم في إطارها، وذلك من حيث تعزيز الوحدة الوطنية، وإزالة المعوقات أمام امكانية اندلاع انتفاضة جديدة، وإطلاق المقاومة بكل أشكالها ضد الاحتلال وفي مقدمتها الكفاح المسلح.
4- أن البيان السياسي الذي أخرج أوسلو والتنسيق الأمني من الباب، أعاد التأكيد عليهما وإدخالهما من الشباك العريض، عبر الحديث مجدداً عن خيار المفاوضات وحل الدولتين، والدعوة إلى عدم حصر الاشراف على المفاوضات بالإدارة الأمريكية.
5- أن الرئيس عباس  يتعامل مع الفصائل بشكل إلحاقي، ولم يكتف بذلك بل أنه مصر على تجاهل فصائل مؤسسة لمنظمة التحرير مثل؛ الجبهة الشعبية (القيادة  العامة)، وتنظيم الصاعقة، كما أنه مُصر على تجاهل فصائل عمل وطني أساسية مثل؛ حركتي حماس والجهاد الاسلامي، ولعل محاولته "مسخرة" ما طرحه الرفيق عمر شحادة بشأن مسألة حضور ممثلي الجبهة الشعبية (القيادة العامة) والصاعقة وحماس والجهاد، يعكس رفضه المطلق لصيغة العمل الوطني الجبهوي اللازم، لمجابهة التحديات التي تعصف بالقضية الفلسطينية؛ إذ قال بشكل غير لائق كلاماً كثيراً ، على نحو "لا أحد يحكيلي لا حماس ولا صاعقة ولا غيره".
وبهذا الصدد نذكر أن عباس التزاماً منه برفض المقاومة، لم يعترض في لقاءاته مع مفوضية   الاتحاد  الأوروبي، على إدراج تلك الفصائل على قائمة الإرهاب، ولا نستغرب إن كان في لقاءاته يحرض عليها.
بعد انفضاض الاجتماع القيادي، سارع أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير د. صائب عريقات إلى طمأنة حكومة العدو بقوله: إن السلطة ليست مهتمة بالفوضى والعنف، ولن تسمح بإيذاء القانون العام وسيادة القانون على أراضيها. وهذا التصريح يؤكد التزام السلطة بمضمون التنسيق الأمني، في محاربة المقاومة تحت مسمى (الفوضى والعنف)، ناهيك أن ما أشار إليه بشأن عدم السماح بإيذاء القانون العام، لا ينتمي لمفردات المقاومة والتحرر الوطني، ويدخل السلطة مجدداً في دائرة تقديم الخدمات المجانية للاحتلال، في ظل غول الاستيطان، وسيطرة قوات الاحتلال عملياً على جميع مناطق الضفة المصنفة في( أوسلو 2) أ و ب ، ج.
لقد غدت منظمة التحرير ومنذ زمن بعيد، جهازاً بيروقراطياً شكلياً بقيادة فردية ديكتاتورية، لا تقبل الرأي الآخر، وتضطهد الفصيل الذي يعترض على قراراتها، بحجب حصته المالية من الصندوق القومي، وترفض الفعل المقاوم، وتعتبر المقاومة المسلحة إرهاباً؛ تتحدث عن المقاومة الشعبية وتعاقب من يمارسها.
وأخيراً، فإن برنامج السلطة والقيادة المتنفذة في المنظمة، في ضوء ما تقدم؛ برنامج يعكس طبيعة القوى الطبقية المتربعة على عرش السلطة المهزوز، من كومبرادور وغيره، ناهيك أنه برنامجها يعكس رغبة تيار "متأسرل" في السلطة بنى علاقات وظيفية ومصلحية واقتصادية مع الكيان الصهيوني، ويعمل على إبقاء الأمور على ما هي عليه مع حكومة العدو، وعدم الوصول  إلى مرحلة القطع معه. كما أن المراهنة على هذه القوى الطبقية المتحكمة بنهج السلطة والمنظمة؛ لأن تغير من مسارها الذي اختطته لنفسها منذ أوسلو 1993، وحتى اللحظة الراهنة، وأن تقبل ببرنامج إجماع وطني يقطع مع نهج المفاوضات، ويؤكد على المقاومة، كالمراهنة على السراب في الصحراء المجدبة، ما يقتضي من الفصائل الملتزمة بنهج المقاومة، أن تطرح برنامجاً نقيضاً يرفض خيار المفاوضات، ويعيد الاعتبار لاستراتيجية المقاومة  وأعتقد أن الآلية المطلوبة هنا أن لا تظل هذه الفصائل أسيرة للاجتماعات التي ترتبها قيادة السلطة والمنظمة، بل أن تبادر إلى إقامة إطار جبهوي داخل المنظمة، ببرنامج عمل واضح وبآليات عمل تنظيمية وجماهيرية، تستجيب للتحديات الراهنة التي تعصف بالقضية الفلسطينية.