Menu
حضارة

الاستهلاك حتى الموت: كيف يُصنع موتنا؟

عرفات الحاج

خاص بوابة الهدف

تنحاز هذه المادة لفرضية أساسية تقول بأن الإنسان يعاد تخليقه ليس سلوكيًا فحسب، بل وجسديًا بحسب رغبة واحتياجات السوق، أي أن ما يتحكم في تكويننا الجسدي وطرق عمل جسدنا وأجهزتنا الحيوية هو نمط الحياة الذي نعيشه وطبيعة ما نأكله، وأن الإنسان في ذلك هو عرضة بالأساس لرغبة وإرادة الربح عند أصحاب المال، فالهدف النهائي لهذه العملية أن نستهلك ليس ما نحتاجه، ولكن ما يحقق الربح لكبريات الشركات في هذا العالم، هذا أيضًا ينطبق على ظروف سكننا وأدوات مواصلاتنا، ومشترياتنا اليومية، وحتى تصنيف ما هو ممتع وما هو ممل في حياتنا.
 
وإذا كان التفشي الهائل لعدوى فيروس كورونا المستجد قد أثار الانتباه إلى حجم التقصير الحكومي في توفير نظم رعاية صحية ملائمة وكافية للشعوب، فإنه أيضًا يشكل فرصة للإشارة لدور نمط الحياة والإنتاج الحالي في صناعة هذا النوع من الفيروسات، ووجود ما يشبه الحتمية التي تؤكد استمرار ظهورها، والأسوأ من ذلك ما تفعله هذه "الحياة"؛ من اضعاف لفرصة أجسادنا وعقولنا في صحة بدنية ونفسية أفضل وفي حياة أقل تعاسة.
والغرض الأساسي هنا ليس تقديم شكوى حول حجم الظلم الذي يتعرض له الغالبية الساحقة من البشر في القرن ٢١، ولكن تفسير ذلك الترابط الهائل بين كل تفاصيل حياتنا اليومية، وطبيعة القوى المهيمنة في هذا العالم، وكيف قد تتحول الحياة اليومية لاشتباك حقيقي؛ يهدف للنجاة من حقل مميت تحول له هذا العالم.
أولاً: كيف تنتج فيروس مميت بلا علاج؟
هناك اجماع بين العلماء في السنوات الأخيرة حول نقطة أساسية فيما يتعلق بالفيروسات، وهي أن الفيروسات باتت تسبق البشر ببعض الوقت في الصراع لأجل البقاء، وإن كنا لا نتحدث عن كائن حي عاقل، هنا لكن هذه الحقيقة يمكن فهمها إذا نظرنا للسياق الذي أنتج لنا الأزمة الصحية العالمية المتعلقة بفيروس كوفيد ١٩، أي النسخة المحدثة والمتطورة من فيروس كورونا.
تؤكد معظم الجهات العلمية أن الفيروسات الجديدة ما هي إلا تطورات جينية لفيروسات قديمة، نتيجة لظروف استثنائية وعوامل متداخلة، أبرزها هو نمط تربية الحيوانات في المزارع المكدسة، وتخزينها في الحظائر ونقلها في مستوعبات السفن بين القارات، هذا بجانب الاحتكاك المتبادل بين البشر والحيوانات في هذه المزارع، ما يعني انتقال الفيروس لمرات عدة بين البشر والحيوانات واكتسابه قدرات جديدة واستثنائية تمنحه التفوق على جهاز المناعة البشري، بجانب قدرات أعلى على الانتشار بوسائل جديدة.
ورغم ضراوة الكابوس الحالي الذي تواجهه البشرية مع كوفيد-١٩، فإن خطورته الرئيسية هي في سرعة انتشاره، أما قدرته على القتل تبقى محدودة نسبيًا قياسًا ببضعة فيروسات أخرى من ذات عائلته، وعليه، فإن السؤال الذي يطرح نفسه وتناولته بعض الفرضيات المنشورة، ماذا لو اجتمعت قدرة كوفيد-١٩ على نقل العدوى بنطاق واسع، مع قدرة سارس أو إيبولا على القتل والفتك بالجسد البشري؟ فمثلاً قتل فيروس سارس ثلث من أصابهم، فيما يقتل كورونا ٢ بالمئة ممن يصيبهم.
تأخر البشرية في إنتاج اللقاح اللازم لهذه الفيروسات سببه واضح، وبات متداول بالفعل وهو ضعف الانفاق الحكومي على تكريس الموارد لأجل تطوير الأبحاث والجهود الخاصة بإنتاج اللقاحات ضد الفيروسات؛ فالمنظومات والحكومات تفضل أن تنفق أموالها على إنتاج السلاح وشن الحروب. ومع ذلك، يجب علينا أن نفهم أن حصة الفايروسات حتى الآن وكوفيد ١٩ من قتل البشر تبقى يسيرة قياسًا بما يفعلونه بأنفسهم ومحيطهم.
ثانيًا: كيف نموت؟ 
يموت ١٠ مليون إنسان تقريبًا بسبب الجوع بشكل مباشر؛ بينهم ٦ مليون طفل سنويًا، فيما تموت ملايين أخرى لأسباب غير مباشرة بسبب الجوع، ومنذ بداية هذا العام مات حوالي ٣ مليون إنسان بسبب الجوع، فيما أهدرت أكثر من ٤٠٠ مليون طن من المواد الغذائية حتى الآن، فيما أصيب حوالي ٧٠٠ ألف إنسان بأمراض التخمة والسمنة منذ بداية العام.
من مجموع البشر الذين يعيشون في هذا العالم هناك ١.٩ مليون إنسان مصابين بالسمنة، وهذا بالطبع ليس سببه الثروة الزائدة، ولكن الاعتماد المتزايد على الأطعمة السريعة والمصنعة رخيصة الثمن والغنية بالكربوهيدرات والزيوت المهدرجة والسكريات، المفضية لسلسلة لا منتهية من أمراض القلب والضغط والأوعية الدموية والسكري التي تقتل حوالي ١٧.٥ مليون إنسان سنويًا.
من جانبها تقول منظمة الصحة العالمية أن ١٦% من المتوفين يموتون بسبب السرطان، وتقر المنظمة أن توفر نمط من الحياة الصحية، مع رعاية صحية جيدة، كفيل بخفض نسبة الوفيات هذه إلى النصف، فيما تشير معظم الدراسات الطبية لعشرة من أكثر الأطعمة تصنيعًا واستهلاكًا في العالم كمصادر للإصابة بالسرطان، الزيوت المكررة، البطاطس المقلية، المشروبات الغازية، اللحوم المصنعة، السكريات المكررة، الأطعمة المصنعة للحمية، هذا بجانب كل تلك التأثيرات المسرطنة الناتجة عن استخدام الأسمدة والمبيدات على المزروعات، وتلوث البحار والمحيطات والأنهار الذي يحيل الأسماك أيضًا لمواد مسرطنة.
حيال أسباب الموت، ما تفعله المنظومة الرأسمالية هو تغذيتها والاستثمار فيها، ومحاولة جني المزيد من الربح منها، وهنا لا نتحدث عن مؤامرة سرية تحاك في الليل، ولكن عن طبيعة اقتصاد السوق وما ينتجه وما يفعله، فهذا الموت ما هو إلا نتاج لحياتنا اليومية. 
بحسب الأرقام المتداولة، فإن حوالي ٧٠% من الوفيات بهذا الكوكب هي لأسباب مباشرة ذات صلة بنظامنا الغذائي، أي  لها علاقة بما نتناوله، أو بما يجبرنا النظام القائم على تناوله يوميًا، فيما تتكفل الحروب والشيخوخة وحوادث السير والفايروسات وبعض الأمراض الأخرى بالبقية.
ثالثًا: ما الذي نأكله؟
 نحن نأكل في عصرنا الحالي وبشكل أساسي الخبز والماكرونة وغيرها من منتجات القمح، والأرز والبطاطا كمصادر أساسية للكربوهيدرات التي تشكل مورد طاقة سهل لجسم الإنسان، لكن هذا ليس القمح أو الأرز الذي تناوله أسلافنا بكميات أقل بالطبع، بل بضعة سلالات من القمح أو الأرز والبطاطا، التي أنتخبها المنتجين ووافقت عليها إدارات الحبوب والغذاء بحسب مواصفات تخدم مصالحهم، منها صمود المحصول وسهولة زراعته وجنيه وتخزينه ونقله، ولم يكن بينها جودته لأجسادنا، وهذه الأنواع المختارة تعرضت بدورها لسلسلة طويلة من عمليات الهندسة الوراثية، بما يضمن تلبيتها للأغراض سابقة الذكر.  
وإذا ما قررنا تجاهل الآثار السرطانية وغيرها لعمليات الهندسة والانتقاء هذه، لن نستطيع تجاهل دور هذه الكربوهيدرات السهلة كوصفة لسلسلة من الأمراض لتحولها السريع لسكريات ودهون مميتة؛ تتراكم في الجسد البشري، وتنتج أمراض السكري وضغط الدم والقلب. 
في مثال آخر من قائمة الأغذية هناك اللحم، الذي يتم تقديمه إعلانيًا كغذاء مفضل، وكنوع من المعيار الطبقي الذي يعكس ثروة أصحابه، فقد جرى رفع استهلاك الفرد البشري للحم في دول العالم الأول بمعدلات قياسية منذ مطلع القرن العشرين، وبات معدل استهلاك اللحوم من الفرد في الولايات المتحدة حوالي ١٠٠ كيلوجرام من اللحوم سنويًا، وفي دول الاتحاد الأوروبي حوالي ٧٠ كيلوجرام سنويًا، ولمد مساحة استهلاك اللحم لأوسع مساحة ممكنة من البشر -وزيادة المبيعات بالتأكيد- يتم اتباع أنماط في الإنتاج الحيواني وإدارة مزارع الماشية، القائمة على التكديس والهندسة الوراثية، كفيلة بتحويل اللحم الذي يصلنا إلى وجبات قاتلة بالمدى الزمني المتوسط والطويل، ناهيك عن دور هذه المزارع في إنتاج سلسلة الأوبئة التي نعلمها حاليا؛ كوفيد ١٩ كان أحدثها فقد سبقه السارس، وانفلونزا الخنازير، وجنون البقر، وانفلونزا الدجاج وغيرها.
هذا ينطبق أيضًا على الفواكه والخضار المعرضة للأسمدة والمبيدات والهرمونات وعمليات التعديل الوراثي، أما البطاطا فيكفي أن نذكر أن هناك ٥٠٠٠ نوع آخر من البطاطا في بلد مثل بيرو منها ٢٥٠ نوع شائع ومتوافر في الأسواق هناك.
الخلاصة مما سبق أن الفرد البشري لا يحدد ما الذي يأكله، بل تحدده له منظومة السوق ومنتجي الأطعمة وشركات التسويق والإعلان، فنحن نختار من بين تلك الأطعمة الموجودة على رفوف السوبرماركت والمحلات، بناء على توجيه مكثف من الإعلانات التي تغزو حواسنا في كل لحظة. وذلك يتم وفق حاجات الربح لدى هذه الشركات، وينعكس بدوره على جودة المنتج وطبيعته، والهدف دائمًا هو زيادة الإنتاج لزيادة الأرباح؛ فالغالبية الساحقة من المنتجات الغذائية تتعرض إلى تعديلات جينية وهندسة وراثية، وتدخلات بالهرمونات في الأسمدة والأعلاف وغيرها.
أما البدائل التي توصف بأنها صحية، فهي باهظة الثمن، ناهيك عن شكوك كبيرة تعتري مصداقية وصفها بالصحية. 
رابعًا: سنقتل أي فرصة قادمة لحياتكم
ما يدحض نظريات المؤامرة و يستبعدها من هذا النص كتفسير لسلوك المنظومة الرأسمالية العالمية، هو أن حقيقتها المعلنة الفجة هي أسوأ بكثير من أي مؤامرة قد ننسبها لها؛ النفط الذي انهارت أسعاره مؤخرًا لحدود صفرية وسالبة، سينتهي وجوده من هذا الكوكب خلال ٤٠ عام من الآن، فيما تسابقت الشركات الرأسمالية على زيادة استخراجه واستهلاكه خلال العقدين الأخيرين، والهام هنا حقًا ليس سعر النفط، ولكن إدراك أن هذا المنتج لا يتم استخراجه بسبب حاجة ملحة له لتشغيل القطاعات الإنتاجية التي تقدم ما تحتاجه البشرية، ولكن فقط بغرض تحقيق الربح من بيع المنتج، فهذا هو منطق السوق والربح.
فخلال الأسابيع الماضية منذ بداية الأزمة لا زالت معظم المصانع المسؤولة عن إنتاج ما يحتاجه البشر تعمل بطاقتها الإنتاجية الكاملة، بل وتعمل مصانع ومنشآت أخرى لإنتاج الكماليات، ومع ذلك انخفضت الاحتياجات للنفط بنسبة هائلة؛ أدت لهذا التقلص في الطلب، الذي أدى بدوره لانهيار أسعار النفط الأمريكي، والذي سيطال أيضًا نفط الخليج العربي وغيره.
هذا أيضًا حال الفحم والغاز الطبيعي الذي ينتظر نضوبه في مدى زمني مقارب، فهذه الأرقام ليست إلا تعبيرًا عن نسبة الإنتاج الزائد عن تلبية الحاجة البشرية الحقيقية، أي نسب الاستهلاك الزائد.
فبنفس الطريقة التي يتم التعامل فيها مع الجسد البشري، كوعاء للاستهلاك يتم التعامل مع الموارد الطبيعية على الأرض باعتبارها أداة لتحقيق ربح سريع، من خلال ضخها في السوق بأقصى سرعة ممكنة والبحث عن غيرها لإفنائها بالطريقة ذاتها.
خلاصة عن المستقبل
ما ينتظرنا هو موجات عدة من العدوى الفيروسية ستأتينا بأنواع متعددة، إلى أن تتمكن البشرية من تعديل ميزان الصراع مع الفايروسات، وهو ما يتطلب البدء بتحولات كبرى في أنماط الإنتاج، وستقاتل الشركات الكبرى بضراوة لمنع حدوثها؛ كونها ستكبدها خسائر بترليونات الدولارات، كما هو حال الإنفاق الهائل الضروري المطلوب للقطاع الصحي وموازنات الأبحاث.
الاختبار الأول اقتصاديًا هو في كيفية التعامل مع التبعات المالية للأزمة، وقد بدأت معظم الحكومات في التعامل معه بطريقتها المعتادة، تعويض الشركات الكبرى عن خسائرها بواسطة أموال دافعي الضرائب، فيما يترك ملايين جدد من الناس للانضمام لمعسكر البطالة والفقر وسوء التغذية والجوع المميت. ورغم أن لدعوات التكاتف الإنساني والوطني وجاهتها؛ إلا أن الاتجاه العام يؤكد أن هذا التكاتف يقصد به الصمت على الجريمة المتواصلة، وعلى الجرائم المقبلة الأكثر بشاعة، جرائم التجويع التي ستصاحبها سلطة الخوف التي تسعى الحكومات لتعزيزها، فحتى وإن كانت النظريات حول أن الفايروس الحالي هو سلاح بيولوجي مُصنّع غير دقيقة، فإن هناك من يستخدمه فعليًا كسلاح بيولوجي؛ من حيث تأثيره الاقتصادي والاجتماعي على مليارات من البشر ستهدد حياتهم أكثر.