Menu
حضارة

النظام الصحي المهدور

عبد الإله بلقزيز

نقلا عن صحيفة الخيلج

لم يضرب الڤيروس - حين ضَرَبَ - أبدان الناس ويفتك بها فحسب، بل ضَرَبَ النّظام الصحّيّ في العالم وأصابه في مقتل.

أظهر البنيات والمؤسسات والنظم التي انفضحت في الدول والمجتمعات، اليوم، في امتداد متولدات جائحة كورونا، هي المؤسسات والأنظمة الصحية؛ من مراكز استشفائية وتجهيزات وطواقم طبية، ومراكز أبحاث خاصة بالأوبئة والأمراض.

وموطن الانفضاح فيها لم يكن ضعف جهوزيتها للتعامل مع وباء كبير مثل هذا الوباء فحسب، بل كان في عدم تناسبها كماً مع الأعداد الهائلة من المتقاطرين عليها من المصابين. لقد بدت، في لحظة، وكأنها أعِدت لجمهور قليل من المرضى، ولأنواع بعينها من الأمراض لا يدخل فيها مثل هذا النوع من الوباء. ولذلك لم تكن لتقوى على استيعاب ضغط جحافل المصابين، وخاصة من كانت حالاتهم دقيقة وحرجة تستدعي تطبيبا دقيقاً في أقسام العناية الفائقة. يكفي دليلاً على الدرجة المهولة التي بلغها ضعفها وعدم تناسبها ذاك أن أرقى المستشفيات في العالم لم يكن بحوزتها العدد الكافي من أجهزة التنفس الاصطناعي، وهو الأمر الذي كان من نتائجه الدرامية أن قضى مئات الآلاف من المصابين الذين تمكن الفيروس اللعين من أجهزتهم التنفسية الرئوية وأعمل فيها تخريباً.

وحال المستشفيات في نقص إمكاناتها الفادح هي عينها حال المعاهد الطبية والمراكز الرسمية الخاصة بالأمراض والأوبئة؛ فلقد تبين أنها لا تمتلك حتى بنك معلومات عن النظام الجيني للڤيروس، ولا كيف يتنقل، ولا البيئة التي يعيش فيها، ولا تأثيرات الحرارة والرطوبة فيه، دعك من الإخفاق الذريع في توفير علاجات أولية لاستفحاله في الأبدان، حتى قبل التوصل إلى لقاح له. بدا كما لو أن هذه المراكز العلمية والاستشفائية المتخصصة منشغلة بأمراض بعينها وأوبئة بعينها، ولا تعلم أي شيء مما يتعلق بڤيروس «كوڤيد - 19». وانعكس الجهل بأمره، في هذه المؤسسات والمراكز، على الجسم العلمي الاستشاري المحيط برؤساء الدول وبالحكومات كمرجع معتمد. لذلك كنا نلحظ التخبط في القرارات والإجراءات الوقائية، التي تتخذها الحكومات والسلطات الصحية فيها، بما في ذلك وسائل العلاج وبروتوكولاته وتقييم الفاعلية السريرية لبعض الأدوية المتوفرة، وما إذا كان يمكن إقرارها أو منع استخدامها.

والحق أن تواضع إمكانات النظام الصحي في العالم، وتنكبه عن جبّ جائحة كورونا لا يرتب عليه - هو - مسؤولية الإخفاق في كبح جِماح كوارِثها، وإنما هو في هذا الذي هو فيه ضحيةٌ من ضحايا سياسات رسمية أودت بمكانته وترتيبه في سلم الأولويات البرنامجية للدول؛ على الأقل منذ بداية تفككيك وتصفية مكتسبات حقبة دولة الرعاية الاجتماعية في الغرب الرأسمالي، وحقبة دولة الخدمة الاجتماعية في الدول الوطنية الجنوبية؛ وذلك أيام كانتِ الرأسمالية، في طبعتها الكينزية، تلحظ مكانةً مرموقةً للاجتماعي في السياسات العليا للدولة، ولا تقلل من أهميته الحيوية في حفظ التوازنات الاجتماعية؛ وأيام كانتِ الدول الجنوبية - في عهد النخب الوطنية فيها - تشرف على الاقتصاد والإنتاج، وتسعى في تأمين الحقوق الاجتماعية. وهي عينها الحقبة التي نشط فيها النموذج «الاشتراكي» في قسم من العالم.

ومع التفكيك والتصفية ومعاوِلِها التخريبية، بدأ تدشين عمران حقبة الرأسمالية المتوحشة، في ثمانينات القرن العشرين، لتتعمم تدريجياً في سياقين عالميين مناسبين: انهيار النموذج «الاشتراكي» وبداية نظام العولمة. هكذا قضت هذه الطبعة الجديدة البائسة من الرأسمالية بإخراج القطاعات الاجتماعية، وأولها قطاع الصحة العامة - من دائرة عمل الدولة والإنفاق الرسمي لتخضِعها للسوق والاستثمار الخاص المبني على جني الأرباح. ثم ما لبثت مؤسسات رأسمالية التوحش العولمية (صندوق النقد مثلاً) أن شرعت في تعميم النموذج عن طريق توصياتها التي تحولت إلى إملاءات على دول الجنوب والدول الخارجة منهكةً من التجربة «الاشتراكية»، ليستفيق العالم على نظام صحي متهالك مهمل. وهكذا لم يضربِ الڤيروس - حين ضرب - أبدان الناس ويفتك بها فحسب، بل ضرب النظام الصحي في العالم وأصابه في مقتل: بالمعنى الرمزي؛ حين كشف عن هشاشته ورفع النِقاب عن تواضع قدراته؛ وبالمعنى المادي: حين فتك بأبدان آلاف الأطباء والممرضين، وأودى بِحيواتِهِم وهم يخوضون معارك شبه مستحيلة معه لكف أذاه في الحد الأدنى، بعد أن أعجزتهم الحيلة عن القضاء عليه.

وما أغنانا عن القول: إن غياباً لهاجس الأمن الصحي لن يكون من تبعاته إلا ما نشاهده، اليوم، من فشل ذريع في مواجهة الوباء الجاري. ومع ذلك؛ مع كل هذه الصورة السوداوية للنظام الصحي، لا يمكن للمرء إلا أن يقف إجلالاً واعترافاً لجميل ما قدمه ملايين الأطباء والممرضين في العالم من جسيم التضحيات، وهم يعملون في الخندق الأمامي للمعركة ضد زحف الوباء من أجل استنقاذ أرواح مواطنيهم على الرغم من شح الموارد والإمكانات. لقد كانوا، اليوم، معقِد أمل البشرية جمعاء، في الدفاع عن الحياة في لحظةِ امتحان عصيبة.