Menu
حضارة

هل تردع الصين التوحّش الأمريكي؟

بوابة الهدف الإخبارية

خاص بوابة الهدف

تواصل الولايات المتحدة انقلابها على المعايير التي وضعتها وهيمنت من خلالها على العالم، ففي تصورها على ما يبدو أنه إذا استطاعت أي دولة التغلّب على هذه المعايير وتحقيق استقلاليتها الوطنية، وممارسة السياسات التي تحقق مصالح شعبها، يمكن للولايات المتحدة العودة لخيارها التقليدي وهو التهديد والابتزاز السياسي والتوتير ودفع الوضع نحو استخدام عدوانها العسكري.

الصين بلد حقق الكثير من التقدّم الذي تصبوا له شعوب هذا العالم، وحافظت على استقلالها ومارست سياساتها الخاصة في علاقاتها مع بقية دول العالم، ما مثل فعليًا تحرُّر من الهيمنة الأمريكيّة، ومثال ناجح حول إمكانية مواجهتها والحد من مخاطرها الكارثية.

إن ممارسة هذه الصين العريقة بتاريخها وحضارتها لاستقلالها الوطني، وانحيازاتها المتحررة من الهيمنة الأمريكيّة، هو أمر بالتأكيد يزعج السياسة الأمريكيّة، ويهدد نموذجها في الهيمنة والعدوان، ومساعي الرأسماليّة الغربيّة لمواصلة نهب شعوب العالم، وما الهجمة الأمريكيّة الحالية على الصين سياسيًا، إلا تعبير عن أطماع المركز الغربي في هذا البلد الذي يشكل سندًا لعدد من البلدان في مسارها التحرري من هيمنة هذا المركز، فيما يشكّل بناء الذرائع والاتهامات المتعلقة بانتشار فيروس كورونا، مجرد امتداد للحرب الاقتصادية والتجارية التي تشنها الولايات المتحدة على الصين، فالمسعى الأمريكي واضح الهدف، منع النمو والتقدم الصيني، ومواصلة الهيمنة الأحادية على هذا العالم، وهو أمر تعكسه السياسات العدائية الأمريكية والحروب الوحشية التي شنتها منظومتها العسكرية على شعوب ودول عدة، والتي لم تبدأ في فيتنام ولم تنتهِ في سوريا والعراق، وقتلت ملايين البشر على هذا الكوكب، ودعمها لحروب وانقلابات عسكرية ونظم فاشية، كما في دعمها المستمر للكيان الصهيوني، وعداءها السافر للحقوق العربية والفلسطينية، ومساعيها لتصفية القضية الفلسطينية.

خبر الشعب الفلسطيني والشعوب العربية وحشية الولايات المتحدة، وإصرارها على العدوان، وممارستها المستمرة لنهب الثروات العربية، وهو ما يجب أن يجعل من صورة التحريض الأمريكي على الصين مشهد مفضوح، سبق أن عايشناه، وندرك مخاطره جيدًا، كما خبرت هذه الشعوب صداقة الصين، وسياساتها الداعمة للعديد من القوى التحرريّة والتقدميّة، وتاريخ مشترك من الكفاح كجزء من القوى الاشتراكية ضد النموذج الإمبريالي وسياساته في منطقتنا العربية، وهذا مدعاة لكلا الطرفين لتطوير هذه الصداقة بين الشعوب، وترجمتها بشكلٍ أكبر على مستوى السياسات.

وإذا كانت المخيلة الضيقة قد تقود البعض للتفكير بأن هذه مواجهة بعيدة تجري في حيز من المصالح التي لا نعلمها بين أطراف كبرى، فمن الجيد أن تتسع هذه المخيلة قليلاً وتدرك حجم الارتباط بين كل الإجحاف الذي نتعرّض له في منطقتنا العربية في ظل الهيمنة الأمريكية الأحادية، وما الذي يمكن أن يحدث إذا تفاقمت هذه الهيمنة وأخضعت تلك القلة من الدول التي لا زالت قادرة على نسج سياسات مستقلة.

تمثل الصين اليوم فرصة في بحث العالم عن التوازن في وجه وحشية المركز الأمريكي، فرصة ستتسع إمكانيتها وآفاقها إذا ما قدر للصين ردع هذه الهجمة الأمريكية واثبات إمكانية وقدرات الشعوب والأمم في حماية ذاتها وهويتها ومصالحها، وتثبيت نموذج جديد للتضامن الإنساني كبديلٍ عن الوحشيّة الإمبرياليّة.