Menu
حضارة

الوحدة الوطنية في مواجهة مخطط الضم والتوسع الاستيطاني الصهيوني

محمّد جبر الريفي

خاص بوابة الهدف

طيلة الفترة الممتدة من وقوع النكبة في مايو عام 48 إلى توقيع اتفاقية أوسلو عام 93، من القرن الماضي، لم يشهد الوضع الفلسطيني الداخلي تفككًا على المستوى السياسي والاجتماعي أكثر من التفكك الذي أحدثه الانقسام السياسي، الذي استمر حتى الآن، على مدار قرابة أكثر من ثلاثة عشر عامًا، وقد شكل في الواقع التحدي الأبرز للحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، حيث فاقم من أزماتها السياسية والاقتصادية. ما ينبغي قوله أن الانقسام السياسي الذي ألحق أكبر الأضرار بالقضية الوطنية، لم يكن له أية مبررات موضوعية تدعو لحدوثه، فليس هناك في الواقع أي تناقض رئيسي أو خلل منهجي بين ممارسة المقاومة والعمل السياسي القائم أساسًا على المفاوضات في مرحلة التحرر الوطني، ووقائع كثيرة من تجارب الثورات الوطنية تثبت ذلك، لكن الصراع على السلطة السياسية والانغماس في ممارستها العملية، وبما تحققه من مصالح تنظيمية ومكاسب فئوية، هو الذي دعا إلى حدوث الانقسام البغيض خروجًا على قاعدة حل الخلافات بالطرق السلمية بين القوى السياسية في إطار الحوار الوطني الذي يسمح بإعطاء مجال واسع للديمقراطية.

 إن حدوث الانقسام السياسي هو أكبر خطورة على القضية الفلسطينية من الوصول إلى السلطة السياسية، ذلك لأنه يوفر الإمكانية الموضوعية إلى تجزئة الكيانية الوطنية الفلسطينية، خاصة أن بعض دول المنطقة تشهد واقع الانقسام الإقليمي في مجتمعاتها، حيث جذوره كامنة في المنطقة العربية؛ بسبب التنوع الطائفي والعرقي والتعصب الجهوي والقبلي.. في الحالة الفلسطينية لقد توفرت لحالة الانقسام السياسي قوة الاستمرارية والبقاء؛ بسبب التمسك بالمصالح التنظيمية والفئوية على حساب المصالح الوطنية العليا، وفي وقت أصبح للانقسام السياسي حاضنة إقليمية متمثلة بإمارة قطر استدعتها الحاجة الموضوعية للتخفيف من حدة الحصار الإسرائيلي على القطاع. كذلك كان لعامل سيطرة القطبية الثنائية على المشهد الفلسطيني الأثر الكبير في إطالة عمر الانقسام، حيث غياب عن المسرح السياسي الداخلي طيلة الأعوام الطويلة الماضية، وحتى اليوم القطب السياسي الثالث الفاعل الذي بإمكانه أن يحد من عملية الصراع على السلطة السياسية بين الفصيلين الكبيرين فتح وحماس، وبغياب هذا القطب الثالث توسع نطاق الخلافات بينهما، بحيث عقب كل اتفاق ينفجر على نحو عاصف ومفاجئ خلاف جديد. 

هكذا استمر الانقسام السياسي البغيض الذي طال أمده بالتذرع بأسباب تنظيمية ومصلحية فئوية، كما استمر أيضًا بسبب هبوب رياح الاستقطاب والتطاحن بين المحاور الإقليمية في المنطقة، لتمعن حالته تمزيقًا في جسد الوحدة الوطنية الفلسطينية، وفي جسد السلطة الفلسطينية. وفي حالة عدم إيجاد السبل الكفيلة بإنهاء هذا الانقسام السياسي البغيض، ولم تتحقق الوحدة الوطنية للنظام السياسي الفلسطيني كرد سياسي وطني فاعل في مواجهة مخطط الضم والتوسع الاستيطاني التي تعتزم الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة بقيادة تحالف نتنياهو جانتس الشروع بتطبيقه، وكذلك في مواجهة صفقة القرن التصفوية الأمريكية المنحازة بالكامل للرواية اليهودية.. إذا لم تتوفر السبل الوطنية والديمقراطية الكفيلة بإنهاء الانقسام السياسي وتحقيق المصالحة الوطنية التي أصبحت ضرورية أمام الرأي العام العالمي في هذه المرحلة التي تشهد ميلاً لحل الخلافات السياسية لتعزيز صور التضامن والتكافل الاجتماعي في مواجهة الأزمة الصحية العالمية؛ فسيحكم التاريخ السياسي الفلسطيني والعربي أيضًا على الحركة الوطنية الفلسطينية التي تقود الشعب الفلسطيني منذ أوائل القرن الماضي، بأنها لم تكن على مستوى التحديات المصيرية في مواجهة المشروع الصهيوني.