Menu
حضارة

كيف يُصرف قرار الرئيس عباس قانونيًا؟

حاتم استانبولي

خاص بوابة الهدف

 

 

أعلن الرئيس محمود عباس إيقاف العمل بالاتفاقات مع العدو الإسرائيلي؛ بسبب عدم التزام إسرائيل بالتزاماتها الموقعة! هذا الاعلان كيف يصرف من الناحية القانونية!

قبل البدء بالحديث عن هذا الإعلان أرى ضرورة المرور سريعًا على الاتفاقات الموقعة مع العدو الإسرائيلي؛

اتفاق أوسلو كان نتيجة لاتفاق ثنائي يتم فيه الاعتراف المتبادل بين إسرائيل والولايات المتحدة ومنظمة التحرير الفلسطينية، بالمعنى القانوني بين دولة إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية؛ الإطار التحرري الذي يجمع أكثرية مكونات الشعب الفلسطيني، هذا الاعتراف المتبادل اُتفق على تسميته بالمساومة التاريخية، يتم فيها اعتراف ممثل الشعب الفلسطيني بالحقوق الإسرائيلية كدولة، وبالمقابل يتم اعتراف إسرائيل والولايات المتحدة (الراعي الوحيد للاتفاق) بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وطرف مفاوض باسم الشعب الفلسطيني، بشرط أن تتخلى منظمة التحرير عن (الإرهاب)؛ الكفاح المسلح وتسقطه من وثائق المنظمة. وتلى اتفاق أوسلو عدة اتفاقات وقعت في القاهرة وشرم الشيخ والعقبة وباريس وواشنطن وغيرها من اتفاقات غير معلنه؛ تتعلق بالنواحي الأمنية، وأهمها مواجهة التنظيمات التي أعلنت عدم موافقتها على الاتفاقات من أوسلو إلى واي ريفر.

قرار القيادة كما سماه محمود عباس الذي كان معدًا بشكل مسبق، وكلماته مختارة بدقة، وخاصة مصطلح ايقاف العمل بالاتفاقات، وليس سحب توقيع المنظمة الذي يترتب عليه إنهاء العمل بالاتفاقات الموقعة، هذا المصطلح يعني إبقاء الباب مفتوحًا لعودة العمل ضمن شروط يجب توفرها تتعلق بجوهر الاتفاقات.

إسرائيل مدركة أن محمود عباس يقف في منتصف الطريق؛ لا يمكنه العودة عن الاتفاقات، والخيار الوحيد المطروح أمامه هو التعاطي مع ما ورد في خطة ترامب للسلام (صفقة القرن)، وأن اعتماده على سقوط ترامب بالانتخابات الأمريكية ونجاح بايدن لن يحقق له ما يريد، خاصة بعد تصريحات بايدن حول نقل السفارة الأمريكية إلى القدس ، الذي هو بالأساس قرارًا ديمقراطيًا؛ أوقف تنفيذه في عهد كلينتون لأسباب تتعلق بالحل النهائي، وتمسكت كل الإدارات الأمريكية إن كانت ديمقراطية أو جمهورية بالإطار الثنائي للحل الذي أسس له توقيع عباس لاتفاق أوسلو من خارج المؤسسات الدولية؛ الأمم المتحدة وقراراتها منذ عام 1947، وتمسكت إسرائيل بمفهومها للحل النهائي، الذي أسس له رابين؛ أقل من دولة وأكثر من حكم ذاتي، الذي تحققه خطة ترامب كوشنير للسلام، وجوهرها سلطة فلسطينية بوصاية رباعية أمريكية إسرائيلية أردنية مصرية؛ سياسية واقتصادية وأمنية، عبر لجان أمنية ثلاثية ورباعية وسداسية، تحقق ديمومة الأمن الإسرائيلي، وهذا يتطلب مرحلة انتقالية من أربعة سنوات تتم خلالها إجراءات إسرائيلية، بما يخصها في الخطة التي لا تتطلب موافقة فلسطينية أو أردنية، حيث الأردن مُلزم بالإطار القانوني لاتفاقية وادي عربة التي لا يمكن إلغائها؛ إلا في حالة إعلان الحرب من قبل أحد الطرفين (الأردن لم يستطع إلغاء اتفاقية غاز، فكيف سيكون الحال باتفاقية معتمدة بين دولتين وموثقة أمميًا؟)، أما عن إعلان حالة الحرب، فهذا خيار مستبعد محليًا وإقليميًا ودوليًا.

إسرائيل ترى أن لها اليد الطولى في تنفيذ ما يخصها من حقوق وردت بالخطة الترامبية، واستمرار تعاطي السلطة باستخفاف؛ يعطي إسرائيل الشرعية القانونية لاجراءاتها التي تستند إلى النصوص الفضفاضة في الاتفاقات الفلسطينية الإسرائيلية، وكذلك استنادها لمواقف الراعي الأمريكي للاتفاقات، هذا الراعي الذي أقرت رعايته من قبل الطرفين لتشريع اتفاقهما. أما المراهنة على الموقف الأوروبي هو نفخ في قربة مثقوبة، كون أي قرار جدي أوروبي إذا ما اتخذ (وهذا مستبعد)، سيتم اجهاضه بفيتو؛ إما هنغاري أو نمساوي أو بولوني أو تشيكي... سيبقى الموقف الأوروبي في حدود سقف المواقف الدنكشوتية العربية.

لذلك فإن صرف الإعلان قانونيًا يتطلب أولاً حل السلطة الفلسطينية الإطار القانوني الذي انبثق عن اتفاق أوسلو وإعلان سحب الاعتراف الفلسطيني بدولة إسرائيل، وهذا سيترتب عليه طرح حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وما يترتب عليه من أشكال النضال، الذي تنص عليه قرارات الأمم المتحدة؛ من حقوق لمواجهة الاحتلال الاستعماري الإحلالي بكل الوسائل الممكنة، هذا الخيار الوحيد أمام محمود عباس، إذا كان جديًا ويريد الخروج الآمن من الاتفاقات.

بالمعنى القانوني، فإن حل السلطة يعيد القضية الفلسطينية إلى الإطار القانوني لمنظمة التحرير الفلسطينية التي هي أداة التحرر الوطني الفلسطيني، وهذا سيفتح الباب واسعًا لعودة المنظمة كإطار وطني جامع للقوى الفلسطينية بكافة فصائلها وقواها الوطنية. وبذات الوقت يعني إعادة تموضع منظمة التحرير الفلسطينية في إطار محور المقاومة، مما يغلق الباب أمام التدحرج الرسمي العربي للتطبيع مع إسرائيل، ويطرح إعادة النظر شعبيًا باتفاقيات التسوية العربية الإسرائيلية وجدوى استمرارها. هذا الحل يجب أن يترافق مع مطالبة فلسطينية للأمم المتحدة بالحماية القانونية للفلسطينيين تحت الاحتلال، ويجب أن تصدر هوية قانونية أممية للفلسطينيين (جواز سفر أممي يصدر عن الأمم المتحدة؛ يعتمد احصائيات اللاجئين الفلسطينيين لدى الأونروا وأبنائهم وأحفادهم وكل من يحمل جواز فلسطيني صادر عن السلطة أو دول لجوء)، في كافة أماكن اللجوء؛ من أجل محاصرة تبعات الخروج من الاتفاقات الموقعة، وحماية الفلسطينيين، وإخراجهم من ظروف معاناتهم أثناء تنقلهم الذي هو حق إنساني مشرع أمميًا. هذا الحق كان يجب أن يتم إقراره منذ عام النكبة، عند إقرار تشكيل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين. 

جريمة النكبة التي ألغت الهوية الشخصية القانونية للإنسان الفلسطيني ووضعته أمام خيار الإلغاء أو الإلحاق أو الملاحقة التعسفية، واستخدام الهوية المؤقتة القانونية (الوثائق الفلسطينية)، كعامل ضغط وحصار وسببًا لمعاملة عنصرية؛ تحرمه من إمكانات العيش وحرية التنقل الإنساني الكريم.

عندما وقع اتفاق أوسلو من خارج الإطار القانوني الفلسطيني التخصصي في الغرف المغلقة؛ من قبل مجموعة تعاملت مع الحقوق الفلسطينية باستخفاف شديد، نتج عنها إهدار وتخلي عن حقوق تاريخية وحقوقية ووطنية وإنسانية، مقابل تحقيق بعض مكاسب فئوية على حساب حقوق أكثرية الشعب الفلسطيني، وفرضت قصرًا على مؤسسات المنظمة، وجردتها من عناصر قوتها السياسية، وصودر دورها لصالح السلطة الفلسطينية؛ وليدة أوسلو، كان هذا خطأ جسيمًا يحمل مظاهر غباء سياسي لا يدرك طبيعة العدو الاستعماري الصهيوني الاحلالي وجوهر فكرته العنصرية، هذا الاتفاق دشن الانقسام السياسي الفلسطيني، وإلغائه يدشن لعودة الوحدة الوطنية الفلسطينية.

تصحيح الأخطاء المجحفة المرتكبة بتوقيع الاتفاقات المشؤومة، يتطلب شجاعة وطنية بالاعتراف بالأخطاء التي ارتكبت؛ سياسيًا ووطنيًا وحقوقيًا وإنسانيًا لتكون مدخلاً لإعادة التموضع السياسي والوطني. أما استمرار التلاعب بالمصطلحات؛ بإيقاف العمل أو تجميد العمل، وما شابهها من مصطلحات، لا يمكن أن تكون مدخلاً لإعادة الثقة أو إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني، الذي عنوانه التحرر من الاستعمار الاحلالي الاستيطاني في فلسطين التاريخية.