Menu
حضارة

المناورات التفاوضية في زمن التصفية 

وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي

خاص بوابة الهدف

لا يمكن فهم العزوف الجماهيري عن الثقة بمجموع ما يصدر عن السياسة الفلسطينية الرسمية، دون النظر لما أعلنه وزير خارجية السلطة الفلسطينية رياض المالكي بالأمس؛ من تمنيات بعدم إلغاء لقاء مع ممثلين عن الكيان الصهيوني يفترض عقده في موسكو، الحادثة هي مثال على ازدواجية حكمت السلوك السياسي، فبينما يتم ضخ خطاب للداخل الفلسطيني حول التحدي، التصدي، المواجهة، تجري المناورات المعتادة للحفاظ على المعادلة الرديئة القائمة؛ استمرار التواصل السياسي والتنسيق أمني مقابل تسهيلات ومواقع نفوذ. 
الحقيقة التي يعلمها ويعلنها من قاد الفلسطينيين للمفاوضات وأدارها لسنوات طوال، أن هذا المسار انتهى، فما جلبه للشعب الفلسطيني من سوء وويلات، ودوره في إعادة إنتاج الاحتلال وتحويله لمنظومة إخضاع واستعباد لعب فيها الفلسطيني الرسمي دور الوسيط والتابع، أكثر من كاف للإقرار بكفايته، فما الذي سيعطينا إياه هذا المشروع كثمن كاف لتحويل هوية وبرنامج عمل شريحة من الحركة الوطنية الفلسطينية، حتى لو افترضنا أن هذا المشروع سيقدم دولة للفلسطينيين- وهذا مستحيل- فهل من المعقول أن ينشئ الفلسطيني دولته بكل ما يناقض هويته ومعاني وجوده ونضاله؟! دولة مشروعها لبناته الأولى هي السجون التي زج فيها من قاوم الاحتلال، وأذرعها ومؤسساتها هي أجهزة أمنية حرست جنود الاحتلال ومستوطناته ولاحقت المناضلين ضده. ببساطة جميعنا يعلم أن أي دولة ستنتج عن مسار أوسلو هي كابوس جديد للفلسطينيين لا علاقة لها بحلمهم وأمالهم التاريخية، ولا بقصائد شعراءهم ولون الحنين الذي اختزنه للبلاد، لكن العامل الأهم في هذه المعادلة حاليًا هو الحقيقة البسيطة والمؤكدة وهي رفض الاحتلال المؤكد لقيام دولة فلسطينية، أو الوصول لتسوية من أي نوع مهما بلغ انحيازها له وإجحافها بحق الفلسطينيين.
لكي يكون الفلسطيني ملزم ببحث ودراسة خيار المفاوضات وعلاته، يجب أن يكون هذا الخيار ممكن ولو بشكل نظري أو خيالي، فواقع الأمر أن هذا الخيار مستحيل؛ فالمنظومة الصهيونية واضحة في إجراءاتها منذ سنوات لشطب التمثيل السياسي للفلسطينيين، وضم أراضيهم والسماح فقط بسلطة وظيفية تقوم بتقييدهم وتدير الحياة في معازلهم التي يخنقهم الاحتلال فيها. لا يوجد تصور صهيوني حول خفض مطالب وحقوق الفلسطينيين، ولكن تصور وخطط حكومية ورسمية مدعومة أمريكيًا تتخذ اتجاه واضح لإنفاذ مخطط تصفية الوجود والحقوق الفلسطينية. هذا التوصيف ربما يكون الحاح عبثي في فحص إمكانية التفاوض مع عدو إرهابي إلغائي وعنصري يجب قتاله بأي ثمن، ولكنه محاججة ضرورية تجاه من لا زال يراهن على خيار المفاوضات؛ فالمؤكد أنه لا مفاوضات جيدة وأخرى سيئة مع الكيان الصهيوني، والمشكلة ليس في الرعاة فحسب أو في ظرف التفاوض في هذه الجولة أو تلك، ولكن في طبيعة وتركيبة وجوهر هذا الكيان ومساعيه وأهدافه.
قيمة أي جهد جماهيري أو سياسي فلسطيني ستبقى مهددة، طالما استمرت هذه المناورات العجائبية، وإذا كان الخيار فعلاً هو الانحياز لحقوق الشعب ومسعاه في النضال ضد الاحتلال، فمن المؤكد أن هذا لا يتضمن مناورات من هذا النوع تغرس خناجرها في ظهر شعبنا ونضاله.