Menu
حضارة

"الضم: الحل السياسي الوحيد الممكن"

الأسير منذر خلف مفلح

خاص بوابة الهدف

حاولت دولة الكيان، لا بل سعت الحركة الصهيونية، وتحديداً عبر تيارها السياسي؛ تطبيع المشروع الصهيوني، وتحويله من مشروع استيطاني، احتلالي استعماري إلى مشروع سياسي، عبر الضغط على القوى الكبرى، وتحديداً دول الاستعمار الأوروبي لتبنيه، ومن ثم ترسيخه كمشروع لدولة اليهود أو الدولة اليهودية، وقد ابتدأ هذا مع هيرتزل "بنى الفكرة"، وبن غوريون "كاهنها"، الذي عمل على موائمة التيار العملي للحركة الاستيطانية مع القرارات الدولية، وتحديداً قرار التقسيم 181 الصادر في العام 1947، ثم سعت عبر مفاوضات "رودس" لترسيم الحدود الجغرافية عسكرياً، بعد أن رسختها عملياً عبر رقعة الاستيطان، وسياسياً عبر القرار 181، المستند أساساً لوعد زعيم الدولة العظمي آنذاك (بلفور)، لأحد ممولي وداعمي مشروع الاستيطان؛ روتشيلد، حيث نجحت الصهيونية أيضاً بترسيخ هذا الوعد ضمن صك الانتداب عام 1920 على فلسطين.

من هذين التّيارين؛ التيار السياسي، والتيار العملي نشأ التيّار الاشتراكي أو ما يسمى "اليسار في إسرائيل"، والذي سعى دوماً لتطبيع "دولة الكيان" في محيطها العربي، عبر الحروب واستخدام المزيد من القوة لكي الوعي العربي، وإجبارهم على قبول "دولة الكيان" كأمر واقع، وهو ما حصل عبر حروب (1948 الاحتلال والنكبة) - 1956 - 1967 – 1973، وهذا التاريخ الأخير هو تاريخ مفصلي، من حيث بداية تبلور ما سمي الحل السياسي للقضية الفلسطينية؛ البرنامج المرحلي، ومشروع السلطة الوطنية، ومشروع المفاوضات المستند إلى الشرعية الدولية وقراراها  242، الصادر في العام 1967، وقرار338 الصدر للتأكيد على القرار الأول، وقد تبلور إثر ذلك مفهوم واستراتيجية السلام وإقامة دولة فلسطين على حدود 1967، كرد على الهزيمة العربية، وكتعبير سياسي، للشعار الذي رفعه جمال عبد الناصر، إزالة آثار العدوان؛ بمعنى تحول المعركة من تحريرية إلى سياسية، وهو ما حققه السادات عبر حرب 1973، بتسييس المعركة، وإخراج المجهود الحربي من المعركة.

على الجانب الصهيوني، كانت حرب 1967 تعزيزاً للقيم "الدينية واليمينية" الاستيطانية لتتحول مفهوم القومية اليمينية الذي عاد لينهض في مجتمع دولة الكيان، إثر هزيمة ما يسمى التيار الاشتراكي الصهيوني 1973، وهو ما عني تطور القيم اليمينية للتيار التنقيحي أو التصحيحي الذي قاده جابوتنسكي منذ أعوام الثلاثينيات، حيث يعتبر قادة الكيان اليوم، تلاميذ للمدرسة الجابوتنسكية اليمينية.

بهذه المقدمة، يظهر أن الوصول لحلول سياسية سلمية مع الكيان الصهيوني، كان فكرًا تتغلف به الفئة الحاكمة بدولة الاحتلال الذي هزم في الانتخابات عام 1977، وصولًا لتجربة المفاوضات في أوسلو وما تلاها، واندحار هذا التيار وهزيمته وفقدانه لمبرر وجوده في دولة الكيان؛ واقعياً وفكرياً وسياسياً، إلا بتبنيه شعارات يمينية فيما يخص القضية الفلسطينية، وهو ما ظهر جلياً في البرامج الانتخابية "للقوى السياسية"؛ إن صح القول في دولة الكيان.

وبهذا كما سقط القرار 181 من الذهنية السياسية، باعتباره مرجعاً سياسياً لدولتين على الأرض، لصالح موازين القوى على الأرض التي أنتجت القرارين 242، 338، سقط هذين القرارين الأخيرين، وخاصة بعد مؤتمر أنابوليس 2007، لتصبح أميركا الراعي الوحيد لما يسمى السلام، والمفاوضات هي المرجع الوحيد لأي مفاوضات مستقبلية منذ ذلك الوقت؛ بمعنى الارتهان لموازين القوى، وإرادة المتفاوضين، وهو ما تحدثت عنه الإدارة الأمريكية في عهد أوباما، وكذلك ترامب.

ما يسود في دولة الكيان اليوم، هو الفكر اليميني بشكل مطلق، وقد أسس لوجوده وتأثيره في حاضرنا ومستقبلنا، حيث يجب الإعلان عن موت ما يسمى يساراً في إسرائيل، وكذلك موت فكره السياسي المستند لحل سياسي مع العرب والفلسطينيين يخلصهم من عبئ فكرة دولة الاحتلال، والديمغرافيا الفلسطينية.

والفكر اليميني يحمل وبشكل عميق أفكاراً استيطانية استعمارية راسخة، قامت وتقوم عليها فكرة اليمين، وكذلك أفكار من قبيل؛ التوسع والضم والترانسفير، منذ أيام زئيف جابوتينسكي، حيث رفض تقسم فلسطين، وإيجاد حيز لدولة أو إمارة الأردن، ورفع شعار حمل السلاح لإسقاط ما أسماه مؤامرة سلخ شرق الأردن عن فلسطين؛ تمثل شعار اليد المرفوعة التي تحمل السلام ومعنون بكلمة "كاخ".

وعلى ذلك فإن الخيار السياسي وأشدد هنا -على السياسي- هو خيار الضم، باعتباره في صميم الفكر اليميني الصهيوني الحاكم والراسخ في دولة الاحتلال، وحيث لم يعد ثمة قوة تواجه هذا الفكر على الأرض؛ فعربياً هنالك شبه تواطؤ حتى لا أقول موافقة ضمنية لمشروع "صفقة القرن"، الشبيه بارتداداته السياسية التاريخية، وارتداداته العملية بوعد بلفور. وفلسطينياً تعيش منظمة التحرير الفلسطينية؛ الممثل السياسي ومشروعها السياسي؛ السلطة مأزق وجود وعقم             في فكرها، من ناحية تثوير خطابها السياسي أو رفض لأي محاولة في هذا الإطار، أي من الناحية العملية عدم وجود قوة تمنع الضم، وإنما هناك قوى تشوشه، تماماً كما حصل مع الحركة الاستيطانية في القرن الماضي، وحيث قبلت الإرادة الدولية نتائج الاستيطان، باعتبارها حدود لدولة ضمن القرار 181.

طبعاً "المستوى السياسي الصهيوني" ليس عقيماً بفكره؛ بمعنى أنّ الضم ليس بالضرورة سينفذ في الأول من الشهر القادم، وإنما ستعتمد الصهيونية تكتيكاتها المُعتمدة الضم الزاحف، أي وجود جدول وبرنامج لإنجاز عملية الضم، حيث لا يوجد تواريخ مقدسة لدى العدو الصهيوني، ولكن هناك فكر مقدّس يحمل رؤية الضم، والإصرار عليه بمساندة أمريكية، وتمنّع أوروبي لن يصل إلى مرحلة الرفض، وتواطؤ عربي، وترجّل سياسي فلسطيني بما يذكرنا بالنكبة السابقة، والنكسة التي ستكون ذكراها موعداً لانطلاق سياسة الضم الزاحف.

أخيراً إنّ الأجواء السياسية الحالية، والدولية والإقليمية، تحتاج من قبل الإطراف لنقلة إستراتيجية نوعية؛ فمن الناحية الصهيونية "الضم" هو نقلة إستراتيجية نوعية مع ظروف ملائمة جداً؛ إلاّ إذا قرر الطرف الفلسطيني إحداث نقله إستراتيجية نوعية، من قبيل انتفاضة، تظاهرة مسلحة، أو معركة تقلب وتخلط كل الأوراق، وليس فقط التلاعب اللفظي السياسي والقانوني الذي تنتهجه الدبلوماسية السياسية القاصرة والعبثية.