Menu
حضارة

استحالة انتصار الوهم

د. محمد السعيد إدريس

جريدة الأهرام

عندما أكد بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية، عقب توقيعه على اتفاق تشكيل الحكومة الائتلافية الجديدة مع شريكه بينى جانتس عزمه على فرض السيادة الإسرائيلية على غور الأردن وكل الكتل الاستيطانية الصهيونية فى الضفة الغربية ظهرت أصوات كثيرة من داخل إسرائيل ومن خارجها تحذر من خطورة هذا التوجه على مستقبل إسرائيل. كل هؤلاء لم يكن دافعهم التعاطف مع الشعب الفلسطينى وحقوقه فى وطنه المغتصب بل كان دافعهم الحب الجارف لإسرائيل والخوف عليها.

مركز أبحاث الأمن القومى الإسرائيلى حذر من خطورة الضم الكلى وبإرادة إسرائيلية منفردة ونصح نتنياهو بالضم الجزئى والمرحلى الذى لا يثير ضجيجاً. كانت معظم الرؤى الرافضة لقرار الضم متفقة على حقيقة واحدة أو نتيجة واحدة اعتبرها أمنون ريشف الكاتب فى صحيفة هآرتس "كارثة وطنية لأنها ستفرض حتماً خيار دولة واحدة لشعبين ومعها نهاية الحلم الصهيونى".

النتيجة نفسها توصل إليها دينيس روس المبعوث الأمريكى الأسبق للشرق الأوسط فى عهد الرئيس بيل كلينتون فى دراسة نشرها على موقع مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، وهو مركز داعم بقوة لإسرائيل وقريب من صانع القرار الأمريكى. فى هذه الدراسة أشار دينيس روس إلى ملاحظة شديدة الأهمية قال فيها أن نتنياهو "لم يجعل أبداً، فى السابق، ضم جميع المستوطنات أولوية له فى حكوماته السابقة" لأنه كان يخشى بحق أن مثل هذا القرار (قرار ضم جميع مستوطنات الضفة) قد يجعل من المستحيل فصل الإسرائيليين عن الفلسطينيين، وبالتالى تحويل إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية (دولة واحدة لشعبين: العرب والإسرائيليين) تتعارض مع حلم الدولة القومية اليهودية. واستخلص روس من هذه الملاحظة سؤالاً شديد الأهمية هو: ما الذى أقنع نتنياهو بأن يغير من موقفه السابق المتحفظ على فكرة ضم جميع المستوطنات إلى السيادة الإسرائيلية خشية تداعياتها الخطيرة على مستقبل الدولة الإسرائيلية كدولة يهودية.

تساءل روس عن هذا التحول فى موقف نتنياهو وقال: "هل تبدد قلقه؟ هل هو الآن أقل قلقاً بشأن تداعيات ضم المستوطنات؟" وزاد فى تساؤله: "هل لم يعد قلقاً من احتمال أن يوجه هذا القرار بضم المستوطنات التى تمثل 30% من مساحة الضفة الغربية ضربة كبرى لمعاهدة السلام بين إسرائيل والأردن، ويمنع احتمال تحسين العلاقات بشكل أكثر علانية مع دول الخليج، ألم يعد قلقاً من ردود فعل الدول الأوروبية المحتملة على هذا القرار ومنها احتمال الاعتراف بدولة فلسطينية من جانب واحد؟".

أسئلة دينيس روس جديرة بالاعتبار وتعيدنا مجدداً إلى البحث فى الفكرة الأساسية وهى ما هى الدوافع التى شجعت نتنياهو وأقنعت بينى جانتس على الاندفاع المتسارع نحو ضم غور الأردن والمستوطنات. جانتس نفسه كان قبل أسابيع قليلة، وربما أيام قليلة من التحول الدرامى فى موقفه من نتنياهو من اعتباره عدواً إلى التعامل معه كحليف وشريك فى حكومة واحدة كان ضد قرار الضم السريع والكامل للمستوطنات وكانت له تفاهمات مع "القائمة المشتركة" التى تضم تحالفاً لمعظم الأحزاب العربية فى الكنيست كى يحصل على دعمها له كمرشح لرئاسة الحكومة بدلاً من نتنياهو من بينها رفضه ضم المستوطنات على النحو الذى يريده نتنياهو.

دينيس روس كان له تفسيره واجتهاده الشخصى بهذا الخصوص واعتبر أن رهان كل من نتنياهو وجانتس يتركز على دعم أمريكى مطلق لقرار الضم، من منطلق فكرة "مبادلة المصالح والمنافع" حيث يعتقد كل من نتنياهو وجانتس أن الرئيس الأمريكى تحكمه الآن دوافعه لإعادة انتخابه لولاية ثانية فى نوفمبر المقبل، وأنه فى أشد الحاجة لأصوات المسيحيين البروتستانت (تيار المسيحية الصهيونية) وأصوات اليهود داخل الولايات المتحدة، وأنه فى مقابل ذلك مستعد لإعطاء إسرائيل كل ما تريد.

ربما يكون هذا صحيحاً، وهذا فعلاً ما قام به مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكى فى زيارته الأخيرة لإسرائيل (13 مايو 2020) التى جاءت ضمن مشاركة واشنطن لكيان الاحتلال الإسرائيلى احتفالاته بالعيد الـ 72 لتأسيس الكيان، وللتهنئة بتشكيل حكومة التحالف الإسرائيلية. تصريحات بومبيو التى قال فيها أن "إسرائيل هى من ستقرر متى وكيف ستنفذ قرار ضمها لأراضى فى الضفة الغربية"، أكدت جدية فكرة "الصفقة المتبادلة" بين الرئيس الأمريكى وبنيامين نتنياهو، لكنها ليست كل شئ.

هناك دوافع وأسباب أخرى لا تقل أهمية تبرر عدم اكتراث نتنياهو والتحالف الحاكم بمخاطر ضم المستوطنات على مستقبل إسرائيل كدولة قومية يهودية، أى كدولة خالصة فقط لليهود دون غيرهم من الفلسطينيين أصحاب البلاد الحقيقيين. فالواضح أن نتنياهو توصل إلى قناعتين؛ الأولى تقول أن الفرصة المتاحة الآن لتنفيذ قرار التوسع الكبير وتأسيس المرحلة الأولى من مشروع إسرائيل الكبرى على كل أرض فلسطين التاريخية من نهر الأردن شرقاً إلى البحر المتوسط غرباً قد لا تتكرر فى ظل وجود رئيس أمريكى (دونالد ترامب) مستعد لأن يقدم لإسرائيل المستحيل مقابل تأمين دعمها له لإعادة انتخابه رئيساً لولاية ثانية، أما القناعة الثانية أن ظهور التحدى الفلسطينى داخل إسرائيل نتيجة ضم المستوطنات وتحويلها إلى دولة ثنائية القومية ثم التوسع مستقبلاً فى مشروع الضمن ليشمل الضفة الغربية كلها، لن يكون له أى تأثير سلبى على المستقبل الإسرائيلى دون الدعم العربى، وبالتحديد دون وجود حاضنة عربية قوية رافضة للكيان الصهيونى وداعمة للصمود الفلسطينى، وتحويل العرب داخل الدولة الإسرائيلية إلى قوة فاعلة قادرة على تقرير مستقبل هذه الدولة والعودة بها مجدداً كدولة فلسطينية وتصفية حلم الدولة اليهودية.

رهان نتنياهو الحقيقى على هذا الأمر هو أنه بات على قناعة بأن الظهير العربى الداعم للفلسطينيين قد تداعى، وإلى غير رجعة، وأن أطرافاً عربية ستكون شريكة فى مشروع تصفية القضية الفلسطينية، تصفية نهائية، سواء من خلال التأسيس لشراكات عربية إستراتيجية مع دولة الاحتلال تجعل الأطراف العربية فى هذه الشراكات طرفاً داعماً للدولة اليهودية ومناهضاً لأى حركة نهوض عربية فلسطينية وأى نزعة تحررية فلسطينية أو من خلال أنها ستكون شريكة فى مشروع فرض النزوح الفلسطينى إلى الخارج وتصفية قضية عودة اللاجئين، أى تفريغ إسرائيل من سكانها العرب للحيلولة دون تحولها مستقبلاً إلى دولة ثنائية القومية يمكن أن يكون العرب فيها هم الأغلبية أى من سيحكمون فى هذه الدولة مستقبلاً، وعلى أيديهم يتم إنهاء "حلم الدولة اليهودية".

هذا يعنى أن نتنياهو ومعه حليفه بينى جانتس يراهنان على دعم أمريكى وعلى دعم عربى لتحقيق "الضم الآمن" للمستوطنات دون خشية على مستقبل حلم الدولة اليهودية، وهذا ما يؤكده الترابط بين المعارك الثلاثة التى قررت حكومة التحالف الإسرائيلى على خوضها: معركة فرض السيادة الإسرائيلية على الجزء الأكبر من الضفة الغربية ومعركة تطبيع العلاقات مع العرب ومعركة القضاء على الخطر الإيرانى، وهو ما يعنى أنه لا أمل فى إنجاح مخطط ضم المستوطنات دون أمل فى تطبيع العلاقات مع العرب وتحويلهم إلى حلفاء ودون أمل فى إنهاء الخطر الإيرانى، وهذا بدوره ما يجعل الحلم الإسرائيلى فى التوسع حلماً مستحيلاً، فإذا كان قرار ضم المستوطنات قراراً إسرائيلياً، فإن قرار تطبيع علاقات العرب مع الكيان وإنهاء الخطر الإيرانى يبقيان خارج الإرادة الإسرائيلية وهذا ما سيحول حتماً دون انتصار وهم بناء دولة إسرائيل الكبرى كدولة قومية يهودية.