Menu
حضارة

عقوبات اقتصادية أوسع

قانون قيصر: "الكاوبوي" الأميركي يستمر بالعدوان على سوريا

وكالات - بوابة الهدف

يدخل قانون قيصر الأميركي الذي يفرض المزيد من العقوبات على سوريا وروسيا وإيران، حيز التنفيذ منتصف الشهر الجاري، بمزاعم حول تقديم كل المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان إلى العدالة.

واسم القانون الكامل "قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين"، وأدرج في موازنة الدفاع الأميركية لعام 2020 لتفادي أي عرقلة جديدة في الكونغرس بعد أكثر من خمس سنوات على كتابته وصياغته.

رغم الاتفاق على أن قانون "قيصر" الأميركي يحمل أبعادًا جديدة في حزمة العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، وأنه ليس أمام البلاد من خيار سوى الاعتماد على إمكاناتها، وتطوير قطاعها الإنتاجي الزراعي والصناعي، إلا أن ثمة تباينًا واضحًا في قراءة الاقتصاديين السوريين لحجم التأثيرات المحتملة لدخول القانون حيّز التنفيذ.

ثمة من يعتقد بأن البلاد مقبلة على عقوبات اقتصادية "أشدّ" من السابق، وستظهر انعكاساتها السلبية تدريجيًا على مختلف نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وفي المقابل هنالك من يرى في الأمر تهويلًا لا مبرّر له، بالنظر إلى أن سوريا تحت عقوبات متنوّعة منذ بداية العقد الثاني من القرن الحالي.

اقرأ ايضا: لبنان: رابطة الشغيلة تدين "قانون قيصر" الأمريكي ضد سوريا

يفرض القانون المذكور عقوبات جديدة على أي شخص أو جهة تتعامل مع الحكومة السورية أو توفّر لها التمويل، وفي مجالات عدة، من بينها مشاريع البناء والهندسة، وصناعة الطاقة، وقطاع النقل الجوي.

وهذا يعني ببساطة أن هناك ثلاثة قطاعات اقتصادية أساسية ستكون تحت تهديد عقوبات البنك الفيدرالي الأميركي وهي التجارة الخارجية من خلال منع توريد ما تحتاج إليه مؤسسات الحكومة السورية من تجهيزات وقطع تبديل وسلع غير غذائية، والاستثمار المحلي أو الأجنبي المشترك أو الداعم للحكومة ولا سيما في مجالات البناء والهندسة والطاقة، والقطاعات المتعلقة بالتمويل والذي يشمل القروض والمساعدات والحوالات المالية التي تتوجه نحو مؤسسات حكومية أو تتم من خلالها.

اقرأ ايضا: الشعبية: قانون "قيصر" عدوان أمريكي على شعوب المنطقة

بهذا يتضح أن قانون "قيصر" بمثابة التهديد المباشر إلى كل من روسيا وإيران، الموضوعتين أساسًا تحت العقوبات الأميركية، ورسالة تهديد غير مباشرة إلى دول الخليج العربي (الإمارات، الكويت ...) كي لا تفكر مرحليًا، أو في المستقبل بالاستثمار في سوريا أو التعاون اقتصادياً مع الحكومة، وهذا أيضاً ما ينطبق على دول الاتحاد الأوروبي.

وتميّز دراسة صادرة عن المرصد العمالي للدراسات والأبحاث، حملت عنوان "قانون قيصر والعلاقات السورية الأميركية"، بين نوعين من التداعيات الاقتصادية لتطبيق القانون، النوع الأول يتمثل في استمرار تطبيق عقوبات موجودة سابقاً، والنوع الثاني يفرض أعباءً اقتصادية جديدة لم تكن موجودة سابقًا، وهذا سينجم عن تطبيق عقوبات على شركاء سوريا الحاليين والمحتملين، لم تكن موجودة سابقًا.

ومع قرب دخول "قانون قيصر" الأميركي، أي صيغة "الضغوط القصوى" الخاصة بسوريا، حيّز التنفيذ، تبرز وجهتا نظر في كيفية توظيفه سياسيًا لدى إدارة دونالد ترامب وغاياتها الفعلية من ورائه.

وجهة النظر الأولى تفترض أن القانون سيسمح للإدارة بتكثيف الضغوط على الدولة السورية وحلفائها لحملهم على قبول الشروط الأميركية لأي حل مستقبلي للأزمة، وإفهام الطرف الروسي تحديداً بين هؤلاء الحلفاء أن لا إمكانية لتسوية دائمة في سوريا من دون الولايات المتحدة. سيشكل القانون في نظر أصحاب هذا الرأي رافعة للعودة إلى "قناة فيينا"، أي جولات المفاوضات الروسية ــــ الأميركية الثلاث التي تمت خلال عام ونصف عام، وتخللتها "عروض" أميركية تتضمن جملة من الشروط تبدأ بوقف النار في إدلب ومناطق أخرى والسماح بدخول مساعدات إنسانية إليها وإلى مناطق تحت سيطرة الجيش السوري، وتنتهي بأخرى تنص على انسحاب حزب الله و"حرس الثورة" الايراني والقوى الحليفة لهما من مناطق أخرى، لكنها لم تفضِ إلى أي نتيجة تذكر.

وفق بعض المصادر المطلعة، أبدى، جيمس جيفري، وهو المبعوث الخاص للرئيس الأميركي لـ "التحالف الدولي المناهض لداعش"، الذي يشرف على الملف السوري عملياً، أبدى في المدة الأخيرة حماسة كبيرة حيال إمكانية إعادة فتح هذه القناة بـ "طلب روسي هذه المرة".

أمّا أنصار وجهة النظر الثانية يرون أن الجهات التي تقف خلف هذا القانون، في الإدارة وفي الكونغرس، يحركها أولاً وأساساً دافع الانتقام لهزيمة الولايات المتحدة وحلفائها في سوريا والرغبة في معاقبة الجهات المحلية والإقليمية والدولية المسؤولة عنها قبل أي اعتبار آخر.

كيف بدأ؟

أكثر من أيّ مشروع قانون آخر، كان "قيصر" الشغل الشاغل للكونغرس بنسختَيه (ما قبل 2018 وما بعدها)، ومِن خلفه الإدارة. منذ 2014، بدأ الاشتغال على مشروع القانون الذي عُدِّلت مسوّدته أكثر من مرّة. وفي 22 كانون الثاني/ يناير 2019، نشر مجلس النواب مسوّدة “قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا” (HR31)، بينما حملت النسخة التي صاغها مجلس الشيوخ اسم S52. وبما أن النسختين لم تأتيا على ذكر التحقيق في “الوسائل العسكرية” لحماية المدنيين، عدلت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ HR31 في 3 حزيران/ يونيو 2019، لتضمين إحاطات إعلامية مِن الكونغرس للرئيس عن “الوسائل العسكرية” التي تهدف إلى حماية المدنيين، والحصول على بيانات في شأن ما يجري في سوريا من عددٍ من المنظمات والبلدان. أُعيد تقديم HR5732 إلى الكونغرس، كما حالُ HR1677.

لكن المشروع توقف عند مجلس الشيوخ، بعدما كان قد وافق عليه مجلس النواب، ثم قُدّم من جديد تحت اسم HR31 إلى مجلس الشيوخ لإعادة النظر فيه. ظلّت المسوّدة HR5732 لوقت طويل في الكونغرس، رغم موافقة كلا الحزبين. وبحلول 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 أقرَ مجلس النواب بالإجماع “قانون قيصر” (HR5732). هذه النسخة من التشريع كانت تطالب الرئيس بتقديم تقرير إلى الكونغرس حول احتمالات فرض منطقة حظر للطيران فوق سوريا. وكان مشروع القانون قد أذنَ أيضاً لوزيرِ الخارجية بدعم الكيانات التي تجمع وتحفظ الأدلة للمحاكمة النهائية لمَن ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سوريا منذُ آذار/ مارس 2011 حتى تاريخه. وتفادياً لأي تأخير جديد قد يعرقل تمريره كما في السابق، اتُّفق على إدراج مشروع القانون ضمن موازنة الدفاع للسنة المالية 2020، البالغة 738 مليار دولار. بذلك، صار "قيصر" جزءاً مِن "قانون إقرار الدفاع الوطني" بعدما أيّد موازنة الدفاع 377 نائباً مقابل معارضة 47، قبل إحالتها على مجلس الشيوخ، حيث حصلت على غالبية 86 صوتاً ومعارضة 8، ليكون القانون نافذاً اعتباراً مِن 21 كانون الأول/ ديسمبر 2019، عندما وقّعه دونالد ترامب.

اتُّفق على إدراج مشروع “قيصر” ضمن موازنة الدفاع للسنة المالية 2020

في بيانها آنذاك، رأت وزارة الخارجية الأميركية في الإجراء "خطوة مهمة من شأنها تعزيز المحاسبة عن الفظائع التي ارتكبها بشار الأسد ونظامه في سوريا"، ولا سيّما أن القانون يوفّر للولايات المتحدة وسائل تساعد في "وضع حدٍّ للصراع الرهيب والمستمر في سوريا بتعزيز قضية مساءلة نظام الأسد"، و”يحمِّل أولئك المسؤولين عن موت المدنيين وعن الفظائع الكثيرة، بما فيها استخدام الأسلحة الكيميائية وغيرها من الأسلحة الهمجيّة، مسؤولية أعمالهم”. الغاية، وفق الوزارة، هي "الاستجابة لنداءات الشعب السوري الذي يطالب بالتوصُّل إلى حلّ سياسي... تماشياً مع قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 2254".

ويسعى القانون إلى حرمان النظام السوري الموارد المالية التي يستخدمها في “تسعير حملة العنف والتدمير التي أودت بحياة مئات الآلاف من المدنيين”، ويرسل إشارة واضحة مفادها بأنه “لا ينبغي لأيّ طرف خارجي الدخول في أعمال مع هذا النظام أو أعمال تؤدي إلى إثرائه”، وفق بيان الوزارة.

سُمِّي القانون “قيصر” نسبة إلى شخص لا يزال مجهول الهويّة. يُقال، وفق الرواية الأميركية، إن هذا الشخص، ولقبه “قيصر”، عمِل مصوّراً سابقاً لدى الشرطة العسكرية السورية قبل أن ينشقّ ويتمكّن من تهريب آلاف الصور الفوتوغرافة لضحايا قضوا تحت التعذيب، وخصوصاً في السجون السورية. والتقطت هذه الصور، وفق الرواية نفسها، منذ تاريخ اندلاع الأزمة في سوريا عام 2011 حتى تاريخ انشقاق المصوّر في 2014، وهربه إلى فرنسا ومنها إلى الولايات المتحدة، حيث عرض أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي شهادته وقدم الملفات التي في حوزته. بعدها، شُكِّل فريق تحقيق دولي لبحث جرائم الحرب المرتكبة في سوريا، والتأكُّد من صدقية الصور، وأصبح قيصر ضيف الكابيتول المفضّل، فهو توجّه إلى المشرّعين في خطابه الأوّل أمامهم بالقول: “أوقفوا القتل في سوريا، هناك مذابح ترتكب والبلاد تدمر دون رحمة”. وناطقاً باسم السوريين جميعاً، زاد: “السوريون يطالبونكم بفعل شيء مثلما فعلتم في يوغوسلافيا السابقة”.