Menu
حضارة

النكبة: لماذا طرد الصهاينة سكّان فلسطين العرب؟

بن غوريون وغولدا مائير في يافا 1947

بوابة الهدف - ترجمة خاصة

في مقال يراجع "النكبة" واستيلاء الحركة الصهيونية على فلسطين، يراجع المؤرخ "توماس فيسكوفي" مؤلف كتاب "أهلاً بكم في فلسطين" كيف كان الاستيلاء على الممتلكات الفلسطينية جزءًا لايتجزأ من توفير الإمدادات لإقامة الكيان الصهيوني على أنقاض المجتمع الفلسطيني.

ويشير "في أرقام لم ندقق صحتها هنا" أنه في عام 1946، بلغ عدد سكان فلسطين 1.2 مليون عربي وحوالي 600000 يهودي، كان هناك عدد من العرب يفوق عدد اليهود في 50 من مناطق فلسطين الـ 60. مشيرًا إلى أنّ الحرب ستعكس النسبة الديمغرافية، بعد تهجير 800 ألف فلسطيني ونزع ملكياتهم وتشتيتهم في جميع أنحاء العالم.

حيث بعد نشر تقرير لجنة بيل في عام 1937، بدأت القوى العالمية تستعد لتقسيم فلسطين - حل الدولتين الذي ينطوي بالضرورة على نقل السكان- وبدوره لم يخف ديفيد بن غوريون، رئيس اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية نواياه: دولة يهودية بها عدد كبير من العرب لم تكن حلاً قابلاً للتطبيق.

اليوم، رفضت أعمال المؤرخين العرب و"المؤرخين الجدد" الإسرائيليين بشكلٍ قاطع النظريات الصهيونية التي تحمل الفلسطينيين المسؤولية عن المنفى القسري، ومع ذلك ، هناك رواية معينة تهدف إلى إعفاء "إسرائيل" من أي مسؤولية مهما كانت مستمرة.

أسباب أمنية؟

أولاً، دعونا نلقي نظرة على ما يسمى بقضية الأمن: وفقًا للرواية الصهيونية التاريخية، فإن عمليات الطرد حدثت بالفعل، ولكن فقط لضمان عدم ترك أي عدو محتمل مع تقدم القوات اليهودية.

لكن الحجة الأمنيّة لا تصمد، من جهة، ارتكبت الوحدات الصهيونية أكثر من 70 مجزرة بحق المدنيين العرب العزل، علاوة على ذلك، لو كان الأمن مشكلة حقًا في ذلك الوقت، لكانت عمليات الترحيل قد توقفت مع نهاية الحرب وتوقيع اتفاقيات الهدنة. ومن الواضح أن ذلك لم يحدث، حيث ستواصل القوات "الإسرائيلية" إفراغ المدن والقرى العربية طوال الخمسينات.

ومن بين هؤلاء قرية أبو غوش التي تم ترحيل سكانها البالغ عددهم 105 في عام 1950 إلى حدود شرق الأردن، وقرية المجدل الساحلية، التي طُرد سكانها إلى قطاع غزة من عام 1949 إلى أواخر عام 1950 لإفساح المجال لمعسكر عبور للمهاجرين اليهود، وتقوم مدينة عسقلان الساحلية في الموقع اليوم.

أزمة السكن

إلى جانب قضايا نقل السكان، كانت سلطات الوكالة اليهودية تحت ضغط متزايد لتوفير المأوى لمئات الآلاف من الناجين من المحرقة واليهود من الدول العربية الأخرى الذين وصلوا إلى فلسطين.

بالإضافة إلى ذلك، ظلت الهجرة ثابتة بين إعلان "دولة إسرائيل" في 14 أيار/ مايو 1948 ونهاية كانون أول/ ديسمبر 1951، وخلال هذه الفترة تضاعف عدد السكان اليهود في فلسطين تقريبًا إلى أكثر من 1.3 مليون. وأثناء انتظار الحصول على سكن، تم حشر المهاجرين الوافدين حديثًا في معسكرات عبور شهيرة.

وساعدت النكبة على حل المشكلة جزئيًا. خلال هجرة 1948، انتقل آلاف اليهود إلى مساكن عربية تم إخلاؤها، حيث 45000 وجدوا مساكن في ضواحي يافا و 40000 استقروا في وسط حيفا؛ و انتقل 8000 إلى الرملة واللد، أعيدت تسميته اللد؛ وذهب 5000 إلى عكا، وأشرف مسؤولو الوكالة اليهودية على العمليات وتحققوا، بقدر الإمكان، من أن السكن تم رفعه إلى المستوى القياسي.

ومع ذلك، كان عرض الإسكان لا يزال بعيدًا عن تلبية الطلب، و على الرغم من أن ما يقدر بنحو 140.000 إلى 160.000 مهاجر يمكن أن ينتقلوا إلى المساكن العربية السابقة، فقد هاجر حوالي 240.000 يهودي إلى "إسرائيل" في عام 1949 وحده.

عرف أن الملكية تم منحها تلقائيًا لأي شخص تمكن من نقل السرير إلى مسكن خاص وقضاء الليل فيه، و في حزيران/يونيو عام 1948، دخل الجنود اليهود شارع عباس في حيفا الساعة 6 صباحًا وطردوا الملاك العرب، وأفرغوا البيوت، وانتقلوا بأمتعتهم الخاصة، وقال الجنود للسلطات إنهم قاتلوا من أجل "إسرائيل" لكنهم لم يحصلوا على سكن قط.

انتفاضات المهاجرين

الإجراءات الإدارية المطولة والظروف المعيشية في كثير من الأحيان في المدن، إلى جانب الافتقار إلى العمالة وأي احتمالات على الإطلاق، ستؤدي إلى الانتفاضات المبكرة، في نيسان/ أبريل 1949، حيث خرج 300 مهاجر إلى شوارع تل أبيب وحاولوا اقتحام الكنيست ، التي كانت تقع في ذلك الوقت في سينما مهجورة.

في الأسابيع التي تلت ذلك، نهب عدة مئات من المهاجرين مباني وزارة الاندماج، وسار عشرات آخرون، مسلحين بالعصي، من يافا إلى الكنيست، حيث تمكنوا من اختراق البوابات الأمامية.

تتحدث الأحداث عن الضغط الذي يفرضه المستوطنون الوافدون على السلطات الصهيونية، بينما نبلغ فهمنا باستمرار عمليات طرد الفلسطينيين، حتى بعد توقيع اتفاقيات الهدنة لعام 1949 بين "إسرائيل" والدول العربية المجاورة.

وقد لعبت غولدا مئير، وزيرة العمل من عام 1949 إلى عام 1956، دورًا محوريًا في برنامج الإسكان "الإسرائيلي"، بعد وصولها من أوكرانيا في عام 1921، كانت مئير شخصية قيادية في الصهيونية اليسارية و ستتولى مناصب رئيسية في الوكالة اليهودية وتصبح مستشارًا خاصًا لبن غوريون.

كوزيرة للعمل، ستنفذ مشاريع إسكان عامة كبرى.، في غضون بضعة أشهر، تم بناء الآلاف من المنازل: مبان من طابقين مقسمة إلى شقق من غرفتين، ومنازل صغيرة مسبقة الصنع، وحتى أكواخ خشبية مؤقتة في محاولة للتخفيف من غضب القادمين الجدد.

على الرغم من أن مشاريع الأشغال العامة واسعة النطاق وفرت فرص عمل ودخل لآلاف المهاجرين، فقد ترك عدد لا يحصى من الآخرين ينتظرون في مخيمات العبور، وكان من الضروري العثور على أموال لتمويل البناء.

غنائم الحرب

على الرغم من أن "دولة إسرائيل" الناشئة حصلت على تبرعات كبيرة تتدفق من الخارج، فقد اعتمدت أيضًا بشكل كبير على غنائم الحرب: خلال النكبة، تم الاستيلاء على الآلاف من المستودعات والمحلات التجارية والشركات والمصانع العربية.

في كتابه (1949: الإسرائيليون الأوائل) ، أفاد المؤرخ توم سيغيف أن الجيش استولى على ما يقرب من 1800 شاحنة محملة بالبضائع في اللد، بينما في يافا، في الأسابيع التي تلت احتلال المدينة والرحيل القسري لسكانها كان هناك ما يعادل 30.000 جنيه إسترليني. (37.000 دولار) من السلع يتم نهبها يوميا من قبل الجنود والمدنيين اليهود.

في حيفا، صادرت الحكومة صناديق ودائع آمنة عربية بقيمة 1.8 مليار دولار، وبالمثل، تم تسليم الوظائف التي كان السكان العرب يشغلونها في السابق للمهاجرين، و في الرملة، تم توزيع نحو 600 متجر تركها السكان العرب السابقون على القادمين الجدد والمحاربين القدامى.

ومع ذلك، في عام 1950، كان الآلاف من اليهود لا يزالون عاطلين عن العمل، مما أجبر الحكومة على اتخاذ ما اعتبرته الحركة الصهيونية قرارًا جذريًا: وضع حد للهجرة بين عامي 1951 و1952، حيث انخفض عدد الوافدين الجدد من حوالي 173000 إلى 24000، وفي عام 1953 إلى حوالي 10000.

إن إلقاء الضوء على الهجرة الفلسطينية في عام 1948 لا يكشف الكثير عن مسألة "كيف"، بل مسألة "لماذا" - لماذا كان إنشاء "إسرائيل"، وهي دولة ذات أغلبية يهودية في منطقة ذات أغلبية عربية، ينطوي باستمرار على مصادرة وطرد سكان عرب، ولم تكن الحرب هي السبب الذي استخدمته وحدات القتال الصهيونية لتحقيق هدفها بل كانت الوسيلة.