Menu
حضارة

الأسير كميل أبو حنيش يكتب "للهدف": نتنياهو.. الضم والتوسع وسبل المواجهة

كميل أبو حنيش

خاص بوابة الهدف

يمثل بنيامين نتنياهو لحظة فارقة في تاريخ الدولة العبرية، وتنبع أهميته بالنسبة لإسرائيل من اعتبارات سياسية وإستراتيجية بالأساس، وما يمكن أن يحققه من إنجازات عجز أو أحجم عن إنجازها العديد من القادة الذين سبقوه في الحكم؛ فنتنياهو الذي تفوق على أقرانه من رؤساء الحكومات في المناورة وإطالة أمد حكمه، ومواهبة الشخصية في الاجهاز على خصومه السياسيين، والتحايل على القانون، وعلاقاته الخارجية لا سيما مع مراكز القوى في الولايات المتحدة، وانتهاز الفرص، والتحولات العالمية والإقليمية وتحويلها إلى مكاسب سياسية لـ"إسرائيل".

لقد تمكن نتنياهو بعد خوضه لثلاثة انتخابات متتالية، من هزيمة خصومه، والإطاحة بمعسكر الوسط واليسار وإجبارهم على التفكك، والانضمام إلى حكومته الخامسة، وهو عازم على حكم "إسرائيل" لسنوات طويلة قادمة، بعد استكمال الإطاحة بخصومه وضمان عدم بروز أي معسكر من شأنه أن يشكل خطرًا على مستقبله السياسي وحكم معسكر اليمين.

أما معركته الأهم التي يسعى بكل جموح لكسبها فتتعلق بتملصه من إمكانية المحاكمة ودخول السجن، وهو يدرك أن فرصه القانونية في النجاة ضئيلة، وبهذا فهو يراهن على عوامل سياسية خارجية؛ بهدف خلط الأوراق وكسب المزيد من الوقت.

أمّا مشروع ضم الأغوار وأجزاء من الضفة الغربية، فهو يأتي في أكثر من سياق؛ أهمها على الإطلاق السياق الشخصي لنتنياهو، والمرتبط بمحاكمته في ملفات الفساد، ومع أن هذا المشروع يأتي في إطار صراع نتنياهو على بقائه السياسي، غير أنّ ذلك لا يعني عدم قناعته بهذا المشروع؛ إذ إنه يستخدمه كورقة سياسية في الظرف الراهن. وقبل الاطّلاع على موقف نتنياهو من مشروع الضم والتوسع، تنبغي الإشارة إلى أن هذا المشروع تكاد تُجمع عليه مختلف الأطراف والقوى السياسية في إسرائيل، وعلينا العودة إلى مشروع آلون في نهاية ستينيات القرن الماضي، ومواقف قادة حزب العمل والأحزاب الأخرى، ناهيكم عن الأحزاب اليمينية والدينية التي ترى في مشروع ضم هذه المناطق وتطبيق السيادة عليها هو مسألة حيوية لإسرائيل.

لكن ما يُميّز نتنياهو عن سائر القادة السابقين، الذين لطالما تحدّثوا عن ضمّ الأغوار والكتل الاستيطانية، أن موقف نتنياهو واضحٌ ومتماسك، وينبع من اعتبارات أيديولوجية، كما أنّه يقف الآن على رأس الحكومة ويعلن عزمه على تنفيذ المشروع، وحدّد له موعدًا زمنيًا، وكما أنّ هذا التنفيذ مدعومٌ من الولايات المتحدة، وهو ما لم يحظَ به أيٌّ من رؤساء الحكومات السابقين.

لقد طرح نتنياهو تصوّره لضمّ هذه المناطق في كتابه المعروف "مكان بين الأمم"، الصادر عام 1993، ويُلخّص نتنياهو في هذا الكتاب أبرز مواقفه وتصوّراته السياسية والاستراتيجية، ورغم مرور قرابة ثلاثة عقود على صدور الكتاب، فإن نتنياهو لم يتغيّر ولم يحد قيد أنملة عن هذه المواقف؛ فنتنياهو لا يؤمن بالسلام، وبالنسبة له فإن السلام في الشرق الأوسط هو سلام الردع (إن السلام الذي تستطيع دولة إسرائيل أن تتوقّع الحصول عليه هو سلام الردع فقط)، بالتالي يتعين على إسرائيل أن تُبقي سيطرتها الكاملة على سلسلة جبال الضفة الغربية والأغوار، ويرفض نتنياهو إطلاقًا فكرة قيام دولة فلسطينية؛ لأن ذلك سيقضي على إسرائيل.

ويقول نتنياهو في الكتاب (إنّ الموضوع الذي يجب مناقشته والتفاوض بشأنه مع عرب الضفة الغربية هو مسألة صفتهم المدنية، وليس مطالبتهم بالسيادة العربية على هذه المناطق الحيوية لمستقبل إسرائيل)، ذلك لأن متطلبات إسرائيل تستوجب استمرار السيطرة (على الجدار الواقي المتمثل بجبال الضفة الغربية).

ويتساءل نتنياهو (ولكن ماذا سيكون مصير العرب المقيمين في هذه المنطقة؟) ويجيب (حكم ذاتي تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة)، وبهذا يحسم نتنياهو أى موقف آخر. ويعود ويتساءل (وهل سيقبل العرب الفلسطينيون بالحكم الذاتي؟) فيجيب (سيقبلون به إذا أدركوا بأن إسرائيل لن توافق أبدًا على السماح لهم بإقامة دولة مستقلة في الضفة الغربية).

أمّا مشروع السلام الوارد في الكتاب، فيتلخص بمبدأ: السلام مقابل السلام، بدلاً من مبدأ الأرض مقابل السلام؛ فالقوّة بالنسبة له هي حجر الزاوية، وهي التي تصنع السلام وتكسب الحلفاء، وبالتالي فإن مشروع السلام يتلخص باتفاقيات ثنائية بين إسرائيل وبين الدول العربية، وإبرام اتفاقيات ثنائية بين إسرائيل والفلسطينيين يتحدد فيها كيف يمكن أن يعيش العرب واليهود معًا، ويتم الاتفاق على مسائل الحكم الذاتي والأمن.

لم تتغيّر مواقف نتنياهو منذ الإعلان عن أفكاره ومواقفه السياسيّة، وبعد أن نجح في تشكيل خمس حكومات حتى الآن ومع كل حكومة كان يشكلها، كانت تزداد مواقفه شراسة، ويعلن عنها أمام كل من يهمه أمر التسوية، ونتنياهو الذي لا يزال يؤمن بالفكر الاستعماري التقليدي أثبت أنه تلميذ نجيب لزئيف جابوتنسكي الذي تشبّع بأفكاره اليمينية والعنصرية والاستعمارية التوسعية.

أمّا بالنسبة لمشروع الضم المزمع تنفيذه في بدايات تموز، فالكل يدرك أن ضم هذه المناطق يعني عمليًا ضمًا لكامل أراضي الضفة، وهذا يعني قضاءً تامًا على فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة، وهو ما يريده نتنياهو تمامًا، أما عن السؤال الذي يشغل الفلسطينيون هذه الأيام: هل ستقدم إسرائيل على تنفيذ مخطط الضم؟

إنّ الإجابة على السؤال مرهونة بنا نحن الفلسطينيون، فمن ناحية إسرائيل فهي ماضية في مشروعها يخدمها عدد من العوامل: انشغال العالم بجائحة الكورونا؛ الانتخابات الأمريكية القادمة؛ حالة الضعف العربي والفلسطيني.

إنّ ما يردع نتنياهو عن تنفيذ مخطط مشروع الضم هو الخوف، على نتنياهو أن يخاف، فإذا أدرك أن تنفيذ هذا المشروع من شأنه أن يقلب الأمور رأسًا على عقب ستتغير حساباته، الأمر الذي يستدعي أن يتجنّد العالم، ويقول كلمته بصوتٍ مسموع لا لبس فيه.

أما بالنسبة للعرب، فعليهم أن يعلنوا موقفهم، خاصة مصر والأردن ودول الخليج. فلدى هذه الدول ما يمكنها فعله، والكل يدرك أن لدى هذه الدول من أوراق وعلاقات من شأنها أن تغيّر المعادلة.

أما نحن الفلسطينيون، فيتعين علينا المباشرة بإحداث انقلاب جذري في علاقتنا بالعدو، والعمل لفك أي ارتباط مع الاحتلال؛ الأهم من كل هذا العمل على ترتيب البيت الفلسطيني، والاتفاق على استراتيجية كفاحية موحّدة، فلا يجوز أن نطلب من العالم، أن يكون ملكيًا أكثر من الملك، وأن يسارعوا للضغط على دولة الاحتلال، قبل أن نسارع نحن للتصدي لمهامنا ومسؤوليتنا التاريخية.

إن ما يثير الدهشة والحيرة، أن الفلسطينيون وهم يواجهون أخطر مشروع سياسي المتمثل بصفقة القرن، لم يتحركوا لرأب الصدع الداخلي، وتوحيد الجهود، فهل سيسعى كل طرف من الفرقاء على مواجهة هذا المشروع وحده، وبمعزلٍ عن القوى الأخرى؟!

إننا مقدمون على مرحلة غاية في الصعوبة، ويتعيّن علينا كفلسطينيين أن نوصل رسالة قوية لدولة الاحتلال بأنّ ثمن هذا المخطط سيكون باهظ التكلفة، وأن حساباتها ليست دقيقة، وهذه الرسالة يجب أن تصل في الميدان، وليس في بيانات الشجب والاستنكار أو في المقابلات الصحفية والتلفزيونية.